طب وصحة

السرطان بمصر.. وفيات متصاعدة واستراتيجيات علاجية محدودة

مركز سرطان الأطفال في القاهرة
مركز سرطان الأطفال في القاهرة
تهدد الأورام وأمراض السرطان حياة ملايين المصريين، نتيجة تنامي أعداد المصابين بها كل عام، لأسباب مرتبطة بسياسات حكومية "غير فاعلة"، وسلوكيات بشرية "غير مسؤولة"، مع غياب الرعاية الطبية، والرقابة الحكومية، وفق أطباء ومتخصصين.

وبلغت معدلات الإصابة في مصر أكثر من 110 حالات لكل 100 ألف مواطن، كل عام، وفقا لتصريحات وزير الصحة السابق، عادل عدوي العام الماضي، الذي أكد أن انتشار المرض أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من الملفات الطبية، أصبح من الصعب التعامل معها.

وتحتل أورام السرطان المركز الثاني في أسباب الوفاة بين المصريين، وتتسبب في وفاة نحو 73 ألف شخص سنويا، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. ومن أكثر السرطانات شيوعا سرطان الثدي (لدى السيدات) والكبد والبروستاتا والرئة والغدد الليمفاوية والقولون.
 
وتوجد معظم المستشفيات المتخصصة في علاج الأورام في القاهرة، أشهرها معهد الأورام ومستشفى 57357 ، ومستشفى بهية، ومستشفى علاج الأورام بالإشعاع والطب النووي. ويتوافر نحو 60 جهازا إشعاعيا لعلاج السرطان، في حين أن مصر تحتاج لنحو 200 جهاز للتتوافق مع النسب العالمية، وفق خبراء.

الجهل وغياب التوعية

ويسهم الفقر والجهل في زيادة نسب مرضى السرطان، وفق أستاذ ورئيس قسم الأشعة بمستشفى القصر العيني الشهير بالقاهرة، الدكتور أشرف سليم، الذي أكد لـ"عربي21" أن "جزءا من المشكلة يكمن في عدم التوعية، واللامبالاة لدى الكثير من المواطنين الذين يخشون مجرد الفحص الطبي العادي".

وأضاف أن "الكشف المبكر عن السرطان من خلال الفحوصات ضروري. فعلى سبيل المثال تؤدي الأشعة دورا كبيرا في التعرف على الورم، كما في سرطان الثدي لدى السيدات، وعلى كل السيدات عند بلوغ الأربعين عمل أشعة (ماموجرام) بشكل دوري، وعدم ترك الأمور للمفاجأة".

وأوضح أن "الإصابة بسرطان الثدي تمثل 19 في المئة من حالات السرطان التي تصيب الرجال والنساء في مصر، وهو أكثر السرطانات انتشارا بين الإناث، إذ يمثل أكثر من 30 في المئة من مجموع سرطانات الإناث".

وطالب بمعالجة القصور في منظومة التأمين الصحي، قائلا: "يوجد قصور واضح في تطبيق مشروع التأمين الصحي الشامل، الذي ما زال في أدراج وزراء الصحة المتعاقبين"، مضيفا: "بالرغم من أهمية المشروع، إلا أنه متعثر ولا يحظى بأولوية قصوى" وتساءل: "لماذا لا يُقر القانون حتى الآن، لحماية صحة المواطن؟".

تلوث المياه والهواء والغذاء

أما أستاذ أورام الأطفال بمستشفى "57357" ومعهد الأورام، الدكتور وائل ذكري، فأكد أن أعداد الإصابات تبدو أكبر من الطبيعي.

وقال لـ"عربي21": "حتى الآن لا توجد سجلات طبية لحصر مرضى السرطان على مستوى الجمهورية، ولكن الأعداد التي أراها تؤشر إلى وجود نسب عالية، وغير طبيعية، ويجب التنبه إليها".

وعن أسباب تفشي الأورام والسرطانات بشكل متسارع في الفترة الماضية، أكد أنها "تتعلق بأسباب بيئية وصحية وغذائية خاطئة"، مشيرا إلى أن "التدخين منتشر جدا في مصر بأكثر من النسب الطبيعية، وهو يؤدي للسرطان، وفيروس سي منتشر بكثرة ومن أعلى النسب العالمية في مصر، ويؤدي إلى سرطانات الكبد".

وتابع: "أضف إلى ذلك مشاكل تلوث المياه والهواء والغذاء تحت سمع ومرأى المسؤولين والمواطنين، وفي ظل غياب الرقابة، وتطبيق القانون، وردع المعتدين على حياة وصحة الآخرين".

ولفت إلى أنه "يمكن "التقليل من أسباب السرطان؛ بالحد من التلوث البيئي والغذائي، والصناعي، وتجريم كل أشكال التلوث، وإنزال عقوبات رادعة بحق مرتكبيها، ومراقبة الزراعات والصناعات الغذائية والدوائية، والالتزام بمعايير السلامة، والمواصفات الصحية، وليس ترك الأمور على عواهنها".

وأكد ذكري أن "القاهرة على سبيل المثال تشهد تلوثا غير مسبوق في الهواء، وفي مياه النيل، ولكن للأسف مسألة تلوث الهواء والماء والغذاء تحدث بشكل متكرر، في ظل غياب قانون رادع، ورقابة ناجعة"، مشيرا إلى أن أكثر المتضررين هم من "الأطفال والنساء وكبار السن بسبب التلوث البيئي المتمثل في الهواء والمياه، والغذائي المتمثل في الزروع والأطعمة المصنعة".

التلاعب بالدواء

وفي مقابل تضخم أعداد الإصابات بالأورام في مصر، تكمن المشكلة الأكبر في الحصول على علاج ناجع ودواء فعال بسعر رخيص، أو من خلال منظومة تأمين شاملة تكفل للمرضى تلقي العلاج بجميع مراحله، بحسب وكيل نقابة الصيادلة السابق محمد سعودي.

وقال سعودي لـ"عربي21": إن "الدواء، الذي يأتي في المرحلة الأخيرة، عنصر مهم في معالجة المرضى من السرطان، فعدم توفر أدويته، ووجود أكثر من سعر له، وأكثر من مصدر للدواء نفسه، وبأسعار باهظة يفاقم من الأزمة، ويجعلها تخرج عن السيطرة"، وفق تأكيده.

وأكد أن "المريض المصري مهان تحت سمع وبصر ورعاية الدولة، فالدولة "عبدو العبيط " لا تحل ولا تربط بل تعقد المسائل، في حين أن الحلول أمامها كثيرة وناجعة، ولكنها تلجأ لما أسماهم بالشخصيات الكرتونية لإدارة الأمور"، على حد وصفه.

فتح مستشفيات الجيش والشرطة للعامة

وانتقد سعودي تغليب المصالح المادية في التعامل مع الأزمة على معالجة المرضى، مشيرا إلى وجود "مخالفات واضحة أمام وزير الصحة، وأمام إدارة التفتيش الدوائي، ولكن لا توجد إرادة لمحاربة الفساد، وهو يفسر وجود مصالح ومنافع متبادلة على حساب حصة المواطنين".

وطالب سعودي "بفتح أبواب جميع المستشفيات، بما فيها مستشفيات الجيش والشرطة أمام المواطنين؛ لأن تخصيص مستشفيات بعينها لفئة معينة هي فئوية مرفوضة ولا توجد في أي مكان".

وتابع متسائلا: "كيف تتوفر لفئة معينة من الشعب مستشفيات فيها الإمكانيات كافة، وأفضل الطواقم الطبية، وأنجع الأدوية، وفي الوقت نفسه لا يجد المواطن الذي يدفع مرتبات الجيش والشرطة، العلاج؟ هذا نوع من عدم المساواة، يجب أن تفتح المستشفيات للعامة للوقوف إلى جانب الشعب المصري، إذا كانوا يدّعون أنهم يهتمون بحياة وصحة المواطنين"، كما قال.
التعليقات (0)