كتاب عربي 21

الوعي المتأخر عند العرب والمسلمين: التسوية السياسية في لبنان نموذجا

قاسم قصير
1300x600
1300x600
يعاني العرب والمسلمون من مشكلة خطيرة في الوعي السياسي والثقافي والحضاري، ويمكن تسميتها: الوعي المتأخر، ومعنى هذا المصطلح أن العرب والمسلمين، وللأسف لا يعون الكثير من الحقائق الفكرية والسياسية والحضارية إلا في وقت متأخر، وبعد أن يقدموا التضحيات والخسائر وبعد إضاعة السنوات الطويلة في الصراعات والحروب والسجالات الإعلامية والسياسية والشعبية.

وهناك نماذج عديدة يمكن استعراضها لتأكيد هذه الفكرة والهدف من الحديث عنها التمهيد للبحث في كيفية معالجتها.

وسأنطلق في الحديث من التطورات الأخيرة على الصعيد اللبناني، في ظل اتجاه معظم القوى السياسية والحزبية والنيابية لاختيار رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية في الحادي والثلاثين من الشهر الحالي، ما لم تحصل تطورات سياسية أو أمنية كبرى تؤدي لتأخير عملية الانتخابات.

فالمعروف أن العماد عون كان مرشحا لبعض قوى 8 آذار وجرى تعطيل عملية الانتخابات اعتراضا على عدم وصوله، في حين أن قوى 14 آذار وعلى رأسها تيار المستقبل، رشحت بداية رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ثم حاولت طرح أسماء أخرى كالرئيس السابق أمين الجميل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية والنائب السابق جان عبيد وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش العماد جان قهوجي، إضافة لطرح أسماء أخرى في إطار الشخصيات التوافقية.

ولقد بقي الفراغ الرئاسي في لبنان لمدة سنتين ونصف واستمرت السجالات والاتصالات والحوارات بين الأطراف السياسية والحزبية، طيلة هذه الفترة إلى أن اقتنعت مؤخرا معظم الأطراف بضرورة دعم ترشيح العماد ميشال عون، مع استمرار اعتراض بعض الأطراف السياسية على هذا الترشيح بانتظار معرفة نتيجة الانتخابات يوم الاثنين المقبل.

ومن يتابع الأوضاع اللبنانية ويعرف خريطة التحالفات السياسية والحزبية كان يدرك أنه إذا لم يتم التوافق على العماد عون للرئاسة، فإن الفراغ الرئاسي سيستمر والأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان ستواجه الكثير من المشاكل، خصوصا أن الدستور اللبناني لا يلزم النواب اللبنانيين على الحضور للمشاركة في عملية الانتخابات، كما أنه يفرض عددا معينا من النواب لاكتمال نصاب جلسة الانتخابات.

لكن والحمد لله تتجه الأمور نحو الحلحلة السياسية بعد اقتناع معظم الأطراف بمجيء العماد عون، وبعد حصول تفاهمات عديدة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية أولا ومن ثم مع تيار المستقبل.

وسيتم انتخاب الرئيس دون الحاجة لصراعات أمنية أو عسكرية كما حصل في شهر أيار (مايو ) من العام 2008 والتي مهّدت لاتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان، وكذلك دون الحاجة لحروب طويلة استمرت حوالي 25 سنة من أجل الوصول لاتفاق الطائف عام 1989، وانتخاب الرئيس رينيه معوض ومن ثم الرئيس إلياس الهرواي بعد اغتيال معوض، كما أنه والحمد لله لم نشهد اجتياحا إسرائيليا كما حصل عام 1982، الذي مهّد يؤدي لوصول قائد القوات اللبنانية بشير الجميل ومن ثم شقيقه الرئيس أمين الجميل للرئاسة بعد اغتيال الأول.

ولبنان اليوم لا يعاني من وجود قوات سورية تفرض المرشح المدعوم من سوريا، كما أن دور القوى الخارجية في الانتخابات الرئاسية كان محدودا هذه المرة بعكس كل الانتخابات الرئاسية، منذ عهد الاستقلال عام 1943 وحتى اليوم.

فهل أصبح اللبنانيون واعين اليوم لمصالحهم وذهبوا إلى تسوية سياسية ولو متأخرة، قد تؤدي لإنقاذ البلد من حالة الاهتراء، هذا ما يتمناه اللبنانيون اليوم مع أن الآمال قد تكون ضعيفة وهناك خوف دائم من المراوحة السياسية وعدم حصول تغيير سياسي حقيقي، لكن على الأقل ستتم التسوية اليوم دون الحاجة لحروب داخلية أو تدخلات خارجية، وهذا ما يمكن تسميته بالوعي اللبناني المتأخر، والأمر نفسه ينطبق على كل الدول العربية والإسلامية التي تواجه الحروب والصراعات، فهل تعي هذه الدول مصالحها وتتجه إلى تسويات سياسية، أم إنه وللأسف سنظل نعاني من الوعي المتأخر، ولا نصل إلى التسويات الأبعد سقوط مئات آلاف الضحايا وتدمير بلادنا ودعوة القوى الخارجية لحل مشاكلنا.
2
التعليقات (2)
محمد
السبت، 29-10-2016 11:19 ص
أستاذ قاسم : لماذا دور القوى الخارجية في الانتخابات الرئاسية كان محدودا هذه المرة بعكس كل الانتخابات الرئاسية، منذ عهد الاستقلال عام 1943 وحتى اليوم؟.
مُواكب
الجمعة، 28-10-2016 04:34 م
لم يجف بعد دم الشهيد رفيق الحريري بينما نجله سعد يُصافح قاتله الملعون سيء الذكر نصر الشيطان الرجيم. أثبت سعد الحريري قُصور في النظر بشأن العلاقة مع أعتى القُوى فتكا بالمسلمين السنة: ميليشيات الضاحية الجنوبية. فتك الشيعة بالمسلمين السنة يقوم على أُسس عقائدية، فكل مسلم سني هو حفيد أُلائك الأجداد "قتلة الحسين " لذلك فالقصاص من كل مسلم سني هو فرض عين على كل شيعي. بهذا الوضوح يصرخون في حُسنياتهم في قم والعراق واليمن ولبنان. بل في دأبهم الإجرامي ضد أهل السنة، انضوت كل الميليشيات الشيعية والحرس الثوري الإيراني تحت قيادة الصليب الروسي مُكونين جيش مشاة بوتين في سورية الذي سيمتد لبقية المشرق العربي. ما فعله سعد حريري باستسلامه لِعصابات الضاحية الجنوبية هو إرجاء المُواجهة مع هؤلاء المجرمين تجار المخدرات، لِيقوم أبناؤه أو أحفاده بذلك. مثل هذا الخطأ القاتل ارتكبناه في سورية عندما سمحنا للمقبور حافظ أسد بالاستمرار بالسلطة بعد قيامه بالتخطيط وتنفيذ مجزرة حماة.