ملفات وتقارير

ساينس مونيتور: لهذا تباين موقف الشعوب والأنظمة من انقلاب تركيا

تركيا غزة
تركيا غزة
نشرت مجلة “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرا لمراسلها في الأردن تيلور لاك، قال فيه إن الناس في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط احتفلوا بنجاح الرئيس رجب طيب أردوغان في إخماد انقلاب عسكري، واعتبروا ذلك انتصارا للديمقراطية، حتى وإن كانت حكوماتهم تلقت خبر استمرار قبضة رجل تركيا القوي على السلطة بفتور.
 
 ويشير التقرير إلى أن انتصار أردوغان استقبل في أجزاء كبيرة من العالم العربي بالاحتفال، من أواخر ليلة الجمعة، وحتى مساء يوم السبت، حيث تابع سائقو السيارات في العواصم العربية نشرات الأخبار على الراديو، وتابع أصحاب المتاجر نشرات الأخبار على التلفزيون، وشاهدوا ما عده الكثير مستحيلا، وهو أن يواجه إسلامي منتخب ديمقراطيا انقلابا عسكريا وينتصر. 
 
 ويلفت الكاتب إلى أن انتصار أردوغان استقبل بحفاوة في بعض المناطق، حيث قام المواطنون، مثل الأردني محمد دهامشة، بتسمية من يولد لهم من الذكور باسم “رجب طيب”، مشيرا إلى أنه تم تسجيل 18 طفلا ولدوا خلال عطلة نهاية الأسبوع تمت تسميتهم بهذا الاسم.
 
 وتذكر المجلة أن مشاهدة انتصار أردوغان كانت بالنسبة للمصريين تشبه مشاهدة “ما كان يمكن أن يحدث عندهم” قبل ثلاث سنوات، عندما انقلب الجيش على الرئيس الإسلامي المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي، مستدركة بأن الأحزاب الأخرى في مصر، وبينها أحزاب اليساريين، وقفت مع الجيش، وأيدت الانقلاب، ما أدى إلى وجود نظام عسكري يقوم الآن بقمع تلك القوى الديمقراطية ذاتها.
 
 وينقل التقرير، الذي ترجمته “عربي21”، عن حسن محمد، وهو صاحب بقالة في القاهرة، قوله في مقابلة على الهاتف: “ارتكب الإخوان أخطاء كثيرة، لكن كان علينا البحث عن طريقة أخرى لإخراجهم”.
 
 ويستدرك لاك بأن جاذبية أردوغان أبعد من إسلاميته، و”ماركته” الخاصة من السياسة الإسلامية المحافظة، مشيرا إلى أن شعبية أردوغان في العالم العربي تعود لعدة سنوات، حيث مد القائد التركي يده للعالم العربي، كجزء من سياسته الخارجية المرتكزة على الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن الكثيرين يشيرون إلى رفضه السماح للتحالف الأمريكي باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق، ودعمه لقطاع غزة، وخلافه العلني مع إسرائيل، كونها مواقف تتفق مع مواقف المواطنين العرب.
 
 وتورد المجلة أن استطلاعا للرأي أجراه معهد أبحاث “بيو” عام 2012 في كل من تونس ولبنان ومصر وتركيا وباكستان، أظهر أن 63% من المشاركين يرون أن أردوغان يمثل قدوة دينية وسياسية، ونظرت نسبة 65% منهم إلى أردوغان نظرة إيجابية، بينما كانت لدى 70% منهم نظرة إيجابية لتركيا، وهي أعلى نسبة، سواء كانت للزعماء أو البلدان.
 
 ويعلق التقرير بأنه “رغم أنه لم يتم إجراء استطلاع مشابه منذ ذلك الوقت، إلا أن المراقبين يعتقدون أن مكانة أردوغان الإقليمية تراجعت مع تعثر الإسلاميين، الذين دعمتهم أنقرة في كل من مصر وليبيا والعراق، وغيرها من البلدان بعد الربيع العربي”.
 
 ويجد الكاتب أنه “حتى مع التقارب مع إسرائيل، إلا أن دعم أردوغان للفلسطينيين، بالإضافة الى تحسن وضع الطبقة الوسطى في تركيا، وتجديد الاقتصاد، أمور أدت إلى تجدد الإعجاب به في غالبية العالم العربي، حيث يستشري الفساد وعدم المساواة”. 
 
 وتنقل المجلة عن الزميل غير المقيم في مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط التابع لـ”أتلانتك كاونسل”، إتش إيه هيلير، قوله: “أظن أن (شعبية أردوغان) تتعلق بمواقفه السياسة الخارجية المؤيدة لفلسطين، والمعارضة للأسد، بالإضافة إلى تمكنه من تطوير الاقتصاد التركي إلى وضع مستقل ومرموق”.
 
 وينوه التقرير إلى أنه خلافا للمواطنين، فإن رد فعل الحكومات العربية لانتصار أردوغان كان أكثر صمتا؛ ما يؤكد علاقاتهم غير المريحة مع الرئيس أردوغان. 
 
 ويورد لاك نقلا عن مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمان عريب الرنتاوي، قوله: “هناك فجوة بين توجهات العامة تجاه تركيا ومواقف حكوماتهم الرسمية، فهم يرون فيه منافسا، حيث يصور نفسه على أنه زعيم للمسلمين والعرب جميعا، ولا يحبون أن يروا شعبيته في ازدياد”.
 
 وتكشف المجلة عن أن ردة الفعل لأحداث تركيا في سوريا كانت مختلفة تماما، حيث إن أردوغان كان على علاقة طيبة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد في الماضي، وكان يشير له بتعبير “الأخ” قبل قيام الأسد بقتل شعبه بالجملة عام 2011، وهو ما دفع أردوغان لتأييد الثورة السورية المعارضة، لافتة إلى أن أخبار الانقلاب استقبلت بالاحتفالات في مناطق تأييد نظام الأسد، حيث نزلت قوات النظام إلى الشوارع، وبدأت تطلق النار في الهواء؛ احتفالا بما ظنوه نهاية لأردوغان.
 
 ويفيد التقرير بأن نجاة أردوغان شكلت خيبة أمل لصناع القرار في مصر، مشيرا إلى أن الزعيم التركي كان منتقدا شديدا للنظام العسكري، الذي يرأسه عبد الفتاح السيسي منذ إطاحته بمرسي، الحليف القريب لأردوغان، الذي يشاركه الفكر ذاته.
 
 ويشير الكاتب إلى العنوان الذي حملته صحيفة الأهرام يوم السبت: “الجيش التركي يطيح بأردوغان”، في الوقت الذي امتدح فيه الإعلام الحكومي الانقلاب، ووصفه بـ”الثورة” ضد سياسات أردوغان “الإرهابية”، لافتا إلى أن مصر وقفت أمام جهد مجلس الأمن لشجب العنف في تركيا، وعارضت جملة في البيان تدعو الجميع إلى “احترام الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في تركيا”.
 
 وبحسب المجلة، فإن انتصار أردوغان قوبل بردود فعل حذرة من كل من الإمارات والأردن، حيث تشير تقارير إلى أن العاهل الأردني الملك عبد الله لا يثق بالرئيس التركي وسياساته، التي سمحت للسلفيين باستخدام تركيا ممرا يدخلون منه إلى سوريا.
 
 ويبين التقرير أنه كان هناك شعور بالارتياح في السعودية، التي بدأت في بناء علاقات جيدة مع أنقرة، وتعتمد عليها بصفتها قوة سنية في المنطقة، في وجه ما تراه الأطماع الإقليمية الإيرانية، مشيرا إلى أن الملك سلمان اتصل شخصيا بأردوغان خلال أقل من 48 ساعة من وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة؛ لتهنئته على عودة الأمور إلى طبيعتها، وعودة الأمن لتركيا، بحسب ما نقلته شبكة الأخبار العربية، وقامت السعودية باعتقال الملحق العسكري للكويت في أحد مطاراتها؛ للاشتباه بكونه مواليا للانقلاب.
 
 ويورد لاك عن مراقبين قولهم إن السبب المؤدي إلى تزايد الفجوة بين المواطنين وحكوماتهم العربية بخصوص أردوغان، هو طموحاتهم للمستقبل.
 
 وتختم “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرها بالإشارة إلى قول الرنتاوي: “هذه رسالة يبعثها الناس للأنظمة العربية، ويجب عليها أن تسمعها جيدا، فإن الناس متلهفون لتحقيق نجاح ديمقراطي، وإصلاحات سياسية، ومتلهفون لأي قصة نجاح في الشرق الأوسط”.
التعليقات (0)