كتاب عربي 21

خوارج أم سادة؟

شريف أيمن
1300x600
1300x600
اعتدنا في مصر مع كل مناسبة للاحتجاج على الأوضاع، أن تحشد الدولة خطباءها على المنابر لذَمِّ التظاهر والاحتجاج، ويتراوح الذم بين عدم تقدير حالة البلاد، وبين الوصف بالخوارج والتَّأْثيم، فما الدافع لذلك؟ وما هي مدى صُلوحِيَّة الوصف بذلك؟

رغم تغنّي الحكام العسكريين المتتاليين على مصر بأنهم ضد الجماعات الدينية، وأن مصر دولة متطورة تحاكي النظم الغربية في استبعاد الدين من الشأن العام، إلا إنها في ذات الوقت ربما كان مترسخا لديها مفهوم "الشعب المصري شعب متدين بطبعه"، ولا يعنينا في هذا المقام مناقشة صحة هذا المفهوم عن المجتمع المصري أو عدم صحته، ولكن ما يعنينا أن النظام إذا أراد تحريض المجتمع على أمر، أو كفّه عنه فإنه يلجأ إلى الدين من ضمن ملجآته العديدة، وهنا فقط تبدو وظيفة الدولة حامية الدين، التي تُرفض ممن يُسمون بالإسلاميين، ولا يعترض على ذلك التوجه "التنويريون" إذا صدر من الدولة.

الأهم من دافع "الدولة المصرية، المركزية، القومية، الحديثة" هو مدى صُلوحِيَّة انطباق وصف الخوارج على المتظاهرين، وما نفهمه من جملة ما ننشأ عليه في المحاضن الدينية، أن وصف الخروج ينطبق على حَمَلَة السلاح لا من يملكون مجرد أصواتهم، فلا ينطبق الوصف على التظاهرات السلمية، بل إن ما ينطبق على أصحابها وفقا للنص الشرعي، وصف "السادة" لا "الخوارج" اتباعا للكلام النبوي: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله"، فالنص النبوي هنا يشير إلى مدح أمر الحاكم الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولا أشد من منكر منع الحريات والتعذيب والقتل واستباحة الأموال والأعراض فهي أفعال قطاع الطرق، ويرتقي المدح إذا أجاب الحاكم الجائر الأمر والنهي بقتل من قام إليه، فيصير المقتول سيدا من جملة سادة الشهداء مقرونا بعمّ النبي، لا مجرد شهيد وحسب وما أرفعها وحدها من منزلة، وبالتبعية يصير المتظاهر ضد الظلم سيدا من سادة الأحياء.

ما يثير الانتباه، أن العمامات التي تصدر تلك الفتاوى تدعي نسبتها للأزهر، والأزهر في وقت مناعته أصدر ميثاقا لدعم إرادة الشعوب العربية وسُمي إعلاميا بوثيقة "دعم الربيع العربي" جاء فيها:

* وقد دَرَجَ كثيرٌ من الحكّام على تعزيز سلطتهم المطلقة مُتشبِّثينَ بفهم مبتور للآية القرآنية الكريمة: "وأَطِيعُوا اللّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ" متجاهلين سِيَاقَها الواضح الصريح في قوله تعالى قبل ذلك في الآية التي تسبق هذه الآية مباشرة: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ" ممّا يجعل الإخلال بشروط أمانة الحكْم وعَدَم إقامة العدل فيه مُسَوِّغًا شرعيًّا لمطالبة الشعوب حكامهم بإقامة العدل، ومقاومة الظلم والاستبداد، ومن قال من فقهائنا بوجوب الصبر على المتغلب المستبد من الحكام حرصا على سلامة الأمة من الفوضى والهرْج والمرْج فقد أجاز في الوقت نفسه عزل المستبد الظالم إذا تحققت القدرة على ذلك وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها.

* عندما يرتفع صوت المعارضة الوطنية الشعبية والاحتجاج السِّلميّ، الذي هو حقٌّ أصيلٌ للشُعوب لتقويم الحكّام وترشيدهم، ثم لا يستجيب الحكّام لنداء شعوبهم، ولا يُبادرونَ بالإصلاحات المطلوبة، بل يُمْعِنونَ في تجاهل المطالب الوطنية المشروعة التي تنادي بالحرية والعدالة والإنصاف، فإن هؤلاء المعارضين الوطنيين لا يُعَدُّون من قَبيل البُغاة أبَدًا، وإنّما البُغاة هم الّذين تحدَّدت أوصافُهم فِقهيًا بامتلاك الشَّوكة والانعزال عن الأمَّة، ورفع الأسلحة في مواجهة مخالفيهم، والإفساد في الأرض بالقُوّة، أمّا الحركات الوطنية السِّلميّة المعارضة، فهي من صميم حقوق الإنسان في الإسلام التي أكّدتها سائر المواثيق الدّوليّة، بل هي واجب المواطنين لإصلاح مجتمعهم وتقويم حُكّامهم، والاستجابة لها واجبٌ على الحكّام وأهل السُّلطة، دونَ مُراوغةٍ أو عنادٍ.

* تُعَدُّ مواجهة أيّ احتجاج وطني سِلميّ بالقوّة والعُنفِ المسلَّح، وإراقة دماء المواطنين المسالمين، نقضًا لميثاق الحكْم بين الأمّة وحكّامها، ويُسقِطُ شرعيّةَ السُّلطة، ويهدر حقَّها في الاستمرار بالتَّراضِي، فإذا تمادتِ السُّلطةُ في طُغيانها، وركبت مركب الظلم والبغي والعدوان واستهانت بإراقة دِماء المواطنينَ الأبرياء، حِفاظًا على بقائها غير المشروع -وعلى الرغم من إرادة شعوبها- أصبحت السلطة مدانة بجرائم تُلَوِّثُ صفحاتها، وأصبح من حق الشعوب المقهورة أن تعمل على عزل الحكام المتسلطين وعلى محاسبتهم، بل تغيير النِّظام بأكمله، مهما كانت المعاذير من حرص على الاستقرار أو مواجهة الفِتَنِ والمؤامرات، فانتهاكُ حرمة الدَّم المعصوم هو الخطّ الفاصل بين شرعية الحكم وسقوطه في الإثم والعدوان.

وعلى الجيوش المنظّمة في أوطاننا كلِّها -في هذه الأحوال- أن تلتزم بواجباتها الدّستورية في حماية الأوطان من الخارج، ولا تتحوّل إلى أدواتٍ للقمع وإرهاب المواطنين وسفك دمائهم؛ فإنه "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا".

هذه الوثيقة الرائقة خُتمت بالتأكيد على نبذ قوى الثورة للعنف واستجلاب التدخل الدولي، وذكرت في آخرها: "شرعيّةُ أيّة سُلطةٍ مرهونةٌ بإرادة الشّعب، وحقّ المعارضة الوطنيّة السّلمية غير المسلحة مكفولٌ في التّشريع الإسلامي في وجوب رفع الضّرَر، فضلاً عن كونه من صميم حقوق الإنسان في المواثيق الدّولية جميعًا".

إن ما قرره الأزهر في تلك الوثيقة أثناء مناعته واستمداده القوة من المجتمع هو عين ما يحض عليه التشريع، من أمر بالجنوح للحق ومجافاة الفساد والإفساد، وينضبط ذلك بضابطين: نبذ العنف، وعدم استجلاب دعم خارجي، وهو نفس ما يستقر في نفوس أبناء الحركات الوطنية، كما ينبني عليها، أن الذي خرج بسلاحه -من قبل- على الحاكم هو المستحق لوصف "الخارجِيّ" والتظاهر ضده لا ينفي عنه وصفه ولا ينقله للمتظاهر "السلمي".

مثل ذلك الفقه المهجور، هو ما ينبغي تذكير الناس به وإرشادهم إليه، لا أن يُفقّهوا فقه الذل بِلَيِّهِمْ أعناق النصوص فتُحمل على غير مراد مُطْلِقِيها.
0
التعليقات (0)