كتاب عربي 21

تركيا طابة 8 في بلياردو المنطقة؟

نزيه الأحدب
1300x600
1300x600
كمثل لعبة البلياردو يضرب اللاعبان الطابة البيضاء لتسقط بدورها بقية طابات الخصم السبعة من رقم واحد إلى سبعة أو من رقم تسعة إلى خمسة عشر، ثم ينحصر التنافس على طابة الوسط السوداء التي تحمل الرقم ثمانية... تبدو سوريا الحمراء بدماء أبنائها المسفوكة بيضاء على بلياردو الشرق الأوسط، تُستخدم لضرب بقية الطابات المتوزعة على مجموعتين تضمّان دولا عدة من هنا وهناك، فيما لا يُستبعَد أن تجد تركيا نفسها بعد إسقاط الطابات قد صُبغت باللون الأسود ورُسم عليها الرقم ثمانية، ليتم اللعب عليها في التصفيات النهائية لإسقاطها. 

اللاعبون عليها كثُر وهُم كل جيرانها تقريبا وأبعد منهم وصولا إلى روسيا و"إسرائيل" وبعض الأنظمة والمنظمات العُنفية المستجدة الدينية والعرقية، فيما يبدو حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة الأميركية ما يزال ضمن إجازة الفراغ الغامض عن منطقة الشرق الأوسط، لا يميز بين خصم وحليف في حرب يُنظر إليها على المستوى العالمي بأنها ستعالج بعض الأزمات الاقتصادية العالقة في نادي الكبار.

من صِفر مشاكل (شعار رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو الاستراتيجي) إلى مئتين بالمئة مشاكل على أرض الواقع، مئة للخارج المتربص ومئة للداخل الكامِن... علما أن الأدبيات السياسية العامة للحكومة التركية ما تزال تدور في فلك حسن الجوار طالما الأمر لا يتعلق بتطور سيادي ميداني كاختراق طائرة أجنبية سماء البلاد أو خطر حدودي "إرهابي".

لم تحضّر أنقرة نفسها لحرب عالمية ثالثة، وإن كان جيشها يتمتع بقدرات دفاعية وقتالية متقدمة، لكنها بقيادة حزب العدالة والتنمية خططت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ووضعت روزنامة تنموية لنفسها تُمكنها من الاحتفال عام 2023 بذكرى تأسيسها المئوية وهي واحدة من الاقتصادات العشر الأوائل في العالم، روزنامة تعاكس بطبيعة الحال رغبات الحلفاء في الغرب قبل الخصوم في الشرق.

ينظر اليمين المسيحي في أوروبا إلى تركيا اليوم بصفتها الوارث الذي يحن إلى أمجاد السلطنة العثمانية وفتوحاتها، وهي في نظر الاتحاد الروسي مصدر قلق "ناتوي"، وفي برنامج إيران حاضن لمعارضي حلفائها، وفي رؤية الانفصاليين الأكراد مانع لتحقيق حلم دولتهم القومية، وفي إيديولوجيات المتشددين الإسلاميين نظام علماني مناهض لمشروعهم، وفي موقف "إسرائيل" حكومة صديقة لأعدائها، وفي الحساب الأمريكي حليف غير مُنصاع، وفي هواجس أنظمة عربية مشروع هيمنة جديد.

ليست تركيا هي من جمعت المتناقضين عليها، لكنها في الجغرافيا والتاريخ والثقافة والإمكانات دولة مؤرِّقة لا سيما إذا كان مؤشر نموها تصاعديا، وتعكير هذا النمو وإبطاؤه مطلب لا تعارضه الدول العظمى التي تحرص في الوقت عينه على حد معقول من استقرارها كجدار فاصل بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.

لكن أليس لدى تركيا أوراق قوة تحسّن شروطها وتبعدها عن تداعيات زلزال الشرق الأوسط الذي ما يزال ضمن هزاته الابتدائية؟ أوليس لدى تركيا من شبكة مصالح تجعل إسقاطها بطابة البلياردو السورية أذى كبيرا يتخطى حدودها؟...

البلياردو في الأساس ليست لعبة ذات شعبية في تركيا، والرقم ثمانية الذي تحمله الطابة السوداء ليس له أي دلالة في البلاد، بل ربما له رمزية خاصة في إيران التي بات جيشها يحتل المركز الثامن في العالم بحسب صحيفة إكسبريس البريطانية. 
 
التعليقات (0)