كتاب عربي 21

فلْنسُقْهم إلى النار

شريف أيمن
1300x600
1300x600
معلوم أن الإرشاد للخير فن لا يقدر عليه كل الناس، أيا كان نوع الإرشاد في مدرسة أو مكان تعبّد أو غيرهما، أما سَوْق الغير للقبح والسوء فلم يكن فنًّا إلا هذه الأيام.

في السنوات القليلة الماضية بدت للعلن قصص "المتشككين" في موروثهم العقدي، وربما انتقل أحدهم من حالة الشك إلى حالة الرفض لذلك الموروث، ولازم ذلك بالتبعية مَذَمّةً منه لمركز العقائد وقبلتها؛ لفهمه النص العلويّ على غير مراد منَزِّله، والحاجة لفهم تلك الحالة مُلِح، لكن الأشد إلحاحا الاهتداء إلى كيفية صَوْن النفس المكرمة بالعقل عن تحقيره وتسفيهه بتلك السذاجة التي يظنها صاحبها فكرا وهداية، وهو أمر تكمن صعوبته في عدم رشد من يقوم بتلك المهمة أو الدور السلبي لمن يقف على جهة مغايرة للمتشكِّك أو الرافض.

الاكتفاء بوصفيْ التشكيك والرفض دون وصف الإلحاد؛ لأن ما نراه من مقال الأغلب يخيّل إلينا أنهم مؤمنون حصل لديهم لبْس في تأويل النصوص العليا أو الوقائع، بل ربما انزلقوا لتشييد بنيان الفكر على وقائع غير ثابتةٍ مكذوبة، فكان الزلل في عدم اتباع منهج علمي في الإثباتات، رغم أن دعواهم في مخاصمة الموروث قائمة على العلم والتجربة.

ما يستدعي السخط أكثر من حالة التشكك، رد المخالفين سواء كانوا "دعاة" أو غيورين على موروثهم ودينهم، فالنقاش والخطاب قائمان على الاستعلاء الحسي والمعنوي من قِبَل الطرفين، والمطلوب من الداعية أن يلين في الجانب الحسي وأعني به الخطاب، وأن يستمسك بما لديه في الجانب الوجداني، مع لين في النفس يستلزم محبة الخير لغيره، واستجلاب الهدى للغير كما وصله أو أُوصِل إليه.

ما تمر به حضارة وثقافة المنطقة على مدار قرنين تقريبا، أوصلها لصفتين بارزتين "في الجانب السلبي"، إحداهما حالة من الازدواج الحضاري -كما يصفها المستشار البشري- وأخرى حالة من الانهزام الحضاري، والأخيرة تجعل صاحبها يرى كل خير وصل الغرب، ينبغي علينا أخذه سواء كان في جانب السياسية والاقتصاد والإدارة والعلوم التطبيقية، أو كان في الجانب الفكري والاجتماعي والثقافي والعلوم النظرية، فيرى مدار النهضة على الأخذ دون تفصيل، وفي حين أنه يستعلي بمنطقه، فإنه لا يدري أن استعلاءه استعلاءُ تبعية لا قيادة، وهو انهزام لا ارتقاء.

ما يمكن الجزم به أن أخطاء الإسلاميين ساهمت بتعظيم تلك الحالة، عند اقترابهم أو وصولهم للسلطة -بمصر تحديدا- وما شاهده المجتمع من ممارسات تنافي القيم على المستوى السياسي، أو حتى الأخلاقي كنائب حزب النور الذي ضُبط متلبسا بفعل فاضح، أو بالخطاب الدعوي الذي كان يُشَرْذِم المجتمع ولا يحافظ عليه، أو يحتكر الحق دون غيره، أو يجعل الخلاف في السياسة اختلافا في الدين، اجتمع ذلك مع الازدواج أو الانهزام الحضاريَيْن فتولدت لدينا تلك الحالة.

كما أن الاستبداد ليس ببريء أو بمعزل عن السببيّة؛ إذ أنه جعل الناظر في أمورنا يرى كل خير في الغرب، وكل شر موجود في الشرق، وبلغ الغرب تلك الحالة بالتداول السلمي للسلطات وتهميش الاستبداد، ثم ينضاف للسياسة السياق الفكري والثقافي للغرب، والحق أن أصل الآفات، الاستبداد؛ فمعه انهزمت الأمة بانهزام حكامها، ومعه حدث التضييق على الفكر والحضارة، ومعه مات الإبداع والاجتهاد، وكذلك ماتت النخوة والتلاحم المجتمعي، فحدثت الانهزامات، وتأخرت حضارتنا كثيرا.

في الدرجة الأدنى من الاصطدام بالموروث وهي المتعلقة بمجرد الزلل أو الذنب، يأتي بعض الدعاة ليوجهوا خطابا شديد القسوة والحمق، فيزداد النفور ويتحول المرء من فرد تؤنبه نفسه، إلى مَن لا يبالي بما يفعل وربما يصل لحالة الأوَّلِين من تشكك أو رفض، ويصير الشعار "لا طاعة مع معصية" ليتجنب أعظم مسالك القرار النفسي في أشد لحظات الاحتياج إليها، بسوء فعل من يسمون بالدعاة، وهم في الحقيقة دعاة إلى النار لا إلى الجنة.

ممارسة الرذيلة بسَّوْق المجتمع إلى مواطن العطب، لها تطبيق اجتماعي نَحْياه، بتصدير خطابات حادة تغلق الباب أمام مَن زَلّ وراجع نفسه، وبيانُه في ألفاظٍ كـ "الأحرار والعبيد"، "الحرائر والراقصات" وغيرهم، وهي ألفاظ مفصّلة على واقع الانقلاب بمصر بين مؤيديه ورافضيه، وهي بطبيعتها تزيد الهوة بين الباقين في الوطن دون رموزهم، وتزيد الكِبْر لمن أراد التراجع، وقد يطلقها كثيرون بسلامة نية، لكن طبيعة اللفظ غلبت حسن النية.

تلك الممارسة الخشنة تتعدى إلى من أخذ بالفعل موقفا مغايرا، فلا يُسمح له بالرجوع، في حين أن من أخطأ ويدفع الثمن الآن، لا يقبل محاسبته على ماضيه بدعوى أنه تعامل بحسن نية، أما الآخر فتُفسّر إفاقته بأسباب كلها مكنونة في صدر صاحبها، وكذلك فَعَل المختلفون مع الإسلاميين من قبل، وجميعهم فيما يبدو يشتركون مع العليم في معرفة الغيب ومكنون الصدور.

ما وصلنا إليه من اتساع دائرة الاصطدام مع الموروث يحتاج لعقلاء يناقشون المصطدِم ولا يزيدون فجوته مع الموروث، يحتاج لمن يعيش بقول صاحب الشريعة: "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن"، فيفقه أن ورود الأفكار في الذهن لا يستدعي السخط، بل يستوجب الكدّ لأجل إيصال صاحب العقل "المُتّقِد" إلى وجهته، لا دفعه وقيادته إلى وجهة الوعيد وإظلام نور العقل بالمكابرة، ويفهم أن صاحب الشريعة أورد الجدال في كتابه، ليعلمنا كيفية المجادلة الحسنة، وألا نغلق نقاشا يهدي أحدا، أو يبطل حجة فاسدة فيُعْصَم به آخرين.
التعليقات (0)