كتاب عربي 21

تجربة يجب أن تحكى

عبد العزيز آل محمود
1300x600
1300x600
في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر بدأ الغرب في تحدي سيطرة العرب والمسلمين على البحر الأبيض المتوسط، فقد كانت الدول الأوروبية تدفع ضريبة المرور لزعماء كل من المغرب والجزائر وليبيا التي كان يطلق عليها طرابلس في ذلك الوقت.

لم تستوعب الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس توماس جفرسون، مسألة دفع الضرائب لدول أصغر منها حجما وأضعف منها جيشا وأسطولا، فقد كانت في مرحلة التحول الاقتصادي والعسكري الذي نقلها من سن الطفولة إلى شدة الرجولة من دون مرحلة الشباب، وأصبحت تملك أسطولا بحريا ضخما بدأ يتلمس طريقه في البحار معجبا بقوته وسطوته وعارضا عضلاته في موانئ العالم.

ففي عام 1805 أرسل الرئيس توماس جفرسون أربع سفن حربية إلى البحر الأبيض المتوسط لمحاصرة خليج طرابلس بقيادة فخر الأسطول، السفينة فيلالفيا، فحاصرت السفن الخليج لمدة طويلة، رامية عليه حممها من حين إلى آخر في محاولة لكسر إرادة ومقاومة سيد طرابلس يوسف باشا القرمانلي (مع اختلاف في كتابة اسم العائلة).

وفي إحدى معارك الاستنزاف التي كانت تدور بين الأسطول الأمريكي والمقاومين، ضربت السفينة فيلادلفيا حيدا بحريا في الخليج، فانغرست في الرمل وتعطلت حركتها، فهجم الطرابلسيون عليها واستطاعوا هزيمة طاقمها وأسر ما يزيد على 300 بحار وجندي وأخذوهم إلى المدينة.

كانت هذه الهزيمة بمثابة قاصمة الظهر للقوة العسكرية الأمريكية البارزة التي لم تقبل بها، فقررت أن تحيلها إلى نصر للحفاظ على سمعتها، فوضعت مخططا محكما، كان هو المخطط الأول الذي تضعه الإدارة الأمريكية لقلب نظام حكم دولة أخرى، وهو أول تدخل عسكري أمريكي يكتبه التاريخ لها.

فأرسلت مغامرا عسكريا يدعى وليم ايتون بصفة دبلوماسي إلى تونس، ولم يكن ايتون سوى جاسوس يتقن العربية وبعض علوم الدين، فاستطاع أن يجمع من المعلومات ما يكفي عن مدينة طرابلس ومكان الأسرى وعن يوسف باشا، وعندما وجد أنه قد حصل على المعلومات التي يريدها غادر إلى القاهرة ليقنع حامد القرمانلي، أخو يوسف باشا، المبعد ليحل محل أخيه على كرسي طرابلس، وافق الآخر على المخطط وبدأ الجميع في التنفيذ.

ومن الإسكندرية سارت قافلة مكونة من الجنرال وليم ايتون يرافقه حامد القرمانلي وحفنة من الجنود الأمريكان، معهم حوالي 400 مغامر عربي وغربي، برا خلال الصحراء، متوجهين إلى درنة ومنها إلى مدينة طرابلس في مسيرة خطرة استمرت حوالي الشهرين، وكان معهم ألف بندقية و20 ألف دولار.

وصلت القافلة إلى مدينة درنة الحدودية وبدأت أول معركة مع الليبيين، وكانت أول معركة برية يخوضها الأمريكيون خارج وطنهم أيضا، وهي التي سجلها لهم التاريخ ومازال مشاة البحرية الأمريكية يتغنون بها خلال تدريباتهم وأهازيجهم.

نجح المخطط وجلس أول عميل لهم على كرسي الحكم في بلد أجنبي، انفتحت الشهية الأمريكية لمغامرات مثل هذه، ومازالت المخططات تتوالى منذ ذلك الحين، لسهولتها وتدني تكلفة تنفيذها ولرخص أدواتها.

الآن، وفي الشهر الخامس من عام 2014، برز اسم خليفة حفتر في وسائل الإعلام بصفته قائدا عسكريا يقود مجموعة من المغامرين القادمين من أمريكا التي عاش فيها ما يزيد على العشرين عاما حاملا لجنسيتها، وبدأ مخططه للاستيلاء على الحكم في دولة فتحت الباب أمام التنافسية الحزبية على مصراعيه، ولكنه جاء بخطة لم يأتِ بها أحد من قبل، وهي أن الجميع إرهابي وأنه هو المهدي المنتظر الذي سيقوم بتنظيف أرض طرابلس من الإخوان المسلمين الفاسدين وكل من شايعهم وأيدهم، ولكن الممول هذه المرة كان عربيا، ولم يكن على أمريكا سوى وضع المخطط وتوفير أدواته فقط.

إن المخطط الذي وضعته واشنطن للاستيلاء على السلطة في ليبيا لم يكن الأول، ولكنه قد يكون الأخير في تلك البلاد التي كان قدرها أن تكون أول أرض يجلس على عرشها عميل أمريكي بسلاح أمريكي.

إن نجح حفتر في مهمته، فستعود ليبيا كما كانت، مضخة نفط يديرها نظام فاسد، وسيكرر الشعب الليبي تجربة ضحى بالكثير لتغييرها.
التعليقات (0)