مقالات مختارة

ليس كلاما مرسلا

فهمي هويدي
1300x600
1300x600
لدينا مشكلة في التعرف على معلومات ضحايا الثورة المصرية في عام 2011 والمراحل التي أعقبتها، خصوصا مرحلة ما بعد 3 يوليو 2014 التي سقط فيها العدد الأكبر من الضحايا. ولولا الجهود التي بذلها العاملون في المراكز الحقوقية المستقلة من الشبان والفتيات الشرفاء والشجعان، لظل الملف مغلقا تماما ومسكونا بالغموض ومحاطا بالأسئلة الحائرة. وربما يذكر البعض أنني نشرت في هذا المكان يوم الخميس الماضي، نصا كان عنوانه «لقاء من وراء القضبان»، أوردت فيه بعض المعلومات المتعلقة بهويات المعتقلين من مهنيين وطلاب ونساء وأطفال ومرضى. وقلت إن هذه معلومات تلقيتها في بريدي الإلكتروني وتحتاج إلى تحقيق واختبار لأنني لا أملك وسيلة للتثبت من صحتها، وتمنيت أن تقوم المراكز الحقوقية المستقلة بتلك المهمة.

هذا الكلام أحدث أصداء متعددة. إذ أثار امتعاض البعض، واستنفر آخرون ممن يوصفون في الخطاب العامي المصري بأن «على رأسهم بطحة» إذ سارعوا إلى التشكيك فيها والغمز في دوافع نشرها. وكان من بين تلك الأصداء خطاب أرسله في 26/4 الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض رئيس لجنة تقصي حقائق ما بعد 30 يونيو، طالبني فيه بتقديم ما لدي من معلومات «تسهم في التحقق من صحة ما ورد في البيان المذكور.. حرصا على عدم تشتيت الجهود وراء أقوال مرسلة تفتقد الدليل».

أعترف بأن رسالة الدكتور فؤاد رياض هي التي دفعتني إلى التعليق والرد لسببين رئيسين. الأول أنه وجهه بصفته رئيسا للجنة تقصي الحقائق، وقد بعث برسالة مكتوبة، وهو في ذلك يختلف عن الأشباح الذين أبدوا ملاحظاتهم وتحفظاتهم ومارسوا ضغوطهم همسا عبر الهواتف. السبب الثاني أن الرجل من جيل أساتذتي في حقوق القاهرة. وتلك نقطة ضعف عندي جعلتني أبتلع وصف ما كتبت بأنه أقوال مرسلة تفتقد إلى الدليل. وهو ما اعتبرته غمزا لو صدر من غيره لكان لي معه كلام آخر. لكنني استحضرت ما قلته للأستاذ أحمد بهاء الدين حين قسا عليّ ذات مرة فيما كتبه فبعثت إليه ببرقية ذكرت فيها أن «من حق المعلم أن يكون مؤدِّبا» (بكسر الدال وتشديدها). وهي المقولة التي جعلتني أقبل غمز الدكتور فؤاد ولا أتوقف عنده طويلا، بل وأستحي أن أعاتبه على ما ذكره بحقي.

تعليقي على رسالة الدكتور فؤاد رياض، وعلى الملاحظات الأخرى التي سمعتها ألخصه في النقاط التالية:?< إن إشارتي إلى أن المعتقلين في السجون المصرية تجاوز عددهم 20 ألف شخص لم يكن اجتهادا شخصيا ولا كلاما مرسلا، ولكنني اعتمدت فيه على ما ذكره موقع «ويكي ثورة» المستقل الذي يضم عددا من النشطاء والخبراء. إذ أشار على موقعه المتاح للجميع إلى أن عدد المعتقلين منذ 3/7/2013 وحتى 31/12/2013 يقدر بـ 21 ألفا و317 شخصا. وفيما خص أسماء الضحايا فإن الموقع ذاته أورد قائمة بأسماء 3248 شخصا قتلوا خلال الأشهر السبعة التي أعقبت الثالث من يوليو 2013.< إن تصنيفات المعتقلين التي ذكرتها وردت في أربع أو خمسة مواقع حقوقية على الأقل. وقد تضمنت تفصيلات أكثر ومعلومات أوفر متاحة بدورها للجميع. هذه المواقع تحمل أسماء منها رصد ــ ضحايا ــ نافذة مصر ــ بوابة الحرية والعدالة ــ أمل الأمة. وقد أرسلت بيانا بروابطها إلى لجنة تقصي الحقائق للإحاطة وللتثبت من المعلومات الواردة فيها. صحيح أن تلك المواقع قريبة من الإخوان أو معبرة عنهم كما في بوابة الحرية والعدالة، إلا أن ذلك لا يمنع من تمحيصها والتحقق من دقة بياناتها. وهو ما دعوت إليه فيما نشر يوم الخميس الماضي.

إننا لابد أن نستغرب الصمت الرسمي إزاء أعداد المعتقلين وغيرهم من الضحايا. ذلك أن وزارة الداخلية هي المسؤولة عن السجون التي ذكر منها 11 سجنا تكدس فيها المعتقلون. ومع ذلك فإننا لم نسمع أي بيان بأعدادهم أو هوياتهم. كما أننا لا نعرف شيئا عن السجون السرية التابعة للقوات المسلحة. وقد نشرت صحيفة «فينانشيال تايمز» في 22/4 تقريرا عن أحد تلك السجون، وقالت إنه يعرف باسم سجن «العزولي» بالقرب من مدينة الإسماعيلية، ولولا ذلك لما اكتشفنا هذه المعلومة الأمر الذي يثير سيلا من الأسئلة حول أعداد تلك السجون ومواقعها وهوية نزلائها واللوائح التي يخضعون لها.

إن غياب المعلومات الرسمية الموثوقة هو الذي يفتح الباب للاجتهادات والتكهنات بل والشائعات، ومن المفارقات في هذا الصدد أن الأجهزة الرسمية حرصت على تسجيل مكالمات عشرات النشطاء وتسريبها لتشويههم، في حين لم تكترث بحصر آلاف المعتقلين والشهداء الذين كانوا ضحايا أحداث الثورة. 

إنه في ظل التعتيم الرسمي فإن هناك جهدا أهليا واسع النطاق يبذل الآن في صمت لحصر الضحايا في كل قطاع، وقد علمت أن مجموعات من النساء والمهنيين وأساتذة الجامعات والنقابيين والطلاب أجروا حصرا للمعتقلين والقتلى والمصابين الذين ينتسبون لكل فئة ولكن هؤلاء يترددون في الجهر بما لديهم خشية الملاحقة وتلفيق القضايا لهم. وقد قيل لي إن منهم من قبل بالحديث إلى بعض أعضاء لجنة تقصي الحقائق سابقة الذكر حين اطمأنوا إلى تأمينهم وإلى أن هناك من هو مستعد لأن يستمع إليهم.

أرجو أن يعتبر الدكتور فؤاد رياض أن ما ذكرته هو شهادتي فيما دعاني إليه.

(بوابة الشرق)
التعليقات (0)