مقالات مختارة

فشل ذريع فى التعامل مع أزمة أسوان

مصطفى النجار
1300x600
1300x600
كتب مصطفى النجار: حين تداولت وكالات الأنباء العالمية صورة لمجموعة من الجثث التي وضعت في (كومة) على أحد العربات الكارو وحولها مجموعة من الأشخاص يشاهدونها تخيل المرء أن هذه صورة من مخلفات الحرب الأهلية في رواندا أو صورة ترجع لعصور الإبادة الجماعية التي شهدها العالم في فترة من الفترات لكن كانت المأساة أن هذه الصورة من جنوب مصر من أسوان ــ المعروفة بتسامح وطيبة أهلها ــ بعدما نشأ خلاف بين قبيلتين أدى لحدوث مجزرة قتل فيها عشرات الأشخاص وأصيب المئات، وتم إحراق متبادل لعدد كبير من المنازل والمحلات المملوكة للطرفين.

التعامل الرسمى للدولة جسّده الإعلان المتسرع عن مسؤولية جماعة الإخوان فى إحداث الفتنة كشماعة مضمونة من الممكن أن يصدق الرأى العام تجاهها أي شيء ثم كانت الحقيقة أن سبب الصراع قبلي بحت لا علاقة فيه لأحزاب أو جماعات ولا بعد سياسيا فيه وأن الدولة بكل امكاناتها تقف عاجزة عن إيقاف المقتلة المستمرة والانتقام المتصاعد لأن كل أطراف الصراع مسلحين ولم تستطع الدولة وقف سيل الدماء وتطبيق القانون وتحرك رئيس الوزراء لهناك لبذل جهود من أجل المصالحة التي باءت بالفشل ومازال التوتر حتى كتابة هذه السطور قائما والمناوشات مستمرة بعنف.

مشاجرة بين شباب (وفي رواية بسبب الخلاف على سعر بيع المخدرات) تعقبها كتابة عبارات قبلية مسيئة متبادلة يعقبها قتل ثلاثة أشخاص وامرأة ينتمون للقبيلة النوبية (دابود) يعقبها قتل ما يزيد على سبعة عشر شخصا من القبيلة الأخرى (الهلايل) يعقبها حرق منزل نوبى بمن فيه حيث تم ذبح كل من (عبدالله إدريس ــ 20 سنة) والطفل (أحمد طه عبدالباسط ــ 12 سنة)، ثم حرق جثتيهما، وتم العثور على جثث (نادية سليمان ــ 49 سنة) و( سعاد ــ 75 سنة وهى سيدة قعيدة) متفحمتين بالكامل!.

أنت تشاهد فيلم رعب حقيقيا وترى واقعا يقول لك إن المستقبل يحمل ألغاما قد تنفجر لتحرق هذا الوطن في أي لحظة طالما استمرت سياسات الإنكار والتعامل السطحى الساذج مع جذور المشكلات الكبرى التي تنمو يوما بعد يوم وتستعر نارها ولا تستطيع التنبؤ بموعد انفجارها.

•••

عدة ملاحظات خطيرة ومؤشرات ينبغي الانتباه لها في كارثة مجزرة أسوان وهي:

أولا: البعد الإثني الموجود في مصر والذي يصر البعض على تجاهله أو تهميشه طالما ظلت أصوات هذه الإثنيات خافتة ويعانى بعضها من التهميش والإهمال الذي يغرس مرارات متراكمة تغيب معها لغة العقول حين ينفجر الغضب.

ثانيا: قدرة الدولة المحدودة على خوض معارك حقيقية لبسط الأمن وحماية أرواح الناس وسط نزاعات مسلحة لا يتورع أطرافها عن القتل تحت أي مبرر وكل الشهادات التي تم توثيقها للأحداث من قبل شهود العيان وأطراف محايدة تؤكد أن غياب الدولة وتأخر تدخلها وضعف شكل التدخل تسبب في إراقة مزيد من الدماء بين المتناحرين وهذا أمر شديد الخطورة إذا تخيلت حدوث أزمة مماثلة على نطاق أكبر وبين عائلات وقبائل أشد تسليحا وبأسا كيف ستكون النتائج؟!.

ثالثا: البعد الاجتماعي للأزمة والذي ظهر من خلال استقراء الأوضاع هناك حيث تبين أن أحد أطراف الصراع يعتبره الطرف الآخر وافدا عليهم ومنبوذا منهم اجتماعيا، بالإضافة إلى ما قيل عن امتهانه لتجارة المخدرات والسلاح بشكل علني وسكوت الدولة عنه مقابل خدمات يقدمها لأجهزة الدولة التي قيل إنها توظفه سياسيا في بعض الأوقات لإرهاب الناس وهو ما جعله يستأسد ويتعامل مع الاطراف الأخرى المسالمة بمبدأ الاستعلاء والغرور بالقوة وحماية الدولة له!.

رابعا: الكم المخيف للسلاح المنتشر في عموم مصر وجنوبها بشكل خاص فشهود العيان يتحدثون عن أسلحة لا تستخدم إلا في الجيوش النظامية وبقاء هذا السلاح في يد ما يشبه الميليشيا يجعل احتمالات الخطر القادم مرعبة حيث من الممكن أن يتم توظيف هذا السلاح لمن يدفع أكثر وتكوين مجموعات مسلحة تكون مهمتها القتل بأجر وترويع الناس فى ظل غياب الدولة وضعفها المخجل.

خامسا: انتهاء سيطرة وسطوة كبار ومشايخ العائلات والقبائل وانفلات الاجيال الشابة التي لم تعد تعتد في أغلبها بما يقوله الكبار وهذا تغيير سلوكي ملحوظ ينذر بالخطر إذ إن هؤلاء أكثر اندفاعا وتهورا، بالإضافة إلى الإحباطات العامة التي يعانون منها بسبب البطالة والظروف الاقتصادية البائسة وغياب التنمية عن المناطق التي يعيشون فيها وانعدام الاستثمار بها.

سادسا: أغلب تجارب الانفصال التي شهدها العالم كانت الأسباب الإثنية تمثل السبب الأول لها ولعل ما حدث في أوكرانيا ومنطقة القرم هو أحدث نموذج يحمل بعدا اجتماعيا وإثنيا واضحا مهـّد للانفصال السياسى الأخير وأي أطراف خارجية تريد العمل على تقسيم مصر ستبدأ خطواتها من هذا الباب، ومن يعتقدون أن هذه مبالغة هم نفس الذين عاشوا طيلة حياتهم ينفون إمكانية تقسيم السودان حتى فوجئوا بدولتين فى الجنوب والشمال.

•••

حتى الآن لم يخرج من تورطوا في تصريحات متعجلة بالاعتذار وحتى الآن لم نر استقالة أو إقالة لشخص واحد من المسؤولين بالدولة بعد الفشل الذريع في التعامل مع الأزمة، ما حدث في أسوان رسالة إنذار بخطر يدق الأبواب يجتمع في صناعته القبلية والعصبية وغياب التنمية وضعف الدولة ومحاولات اخفاء الفشل بإقحام البعد السياسي في البعد الاجتماعي والأمني.

(عن صحيفة الشروق 12 نيسان/ إبريل 2014)
التعليقات (0)