بعد حظره ومصادرة نسخه.. القضاء التركي يتراجع عن منع "معالم في الطريق" لسيد قطب

منذ سبعينيات القرن الماضي، اتسع حضور مؤلفات قطب في الأوساط الإسلامية التركية، بالتزامن مع نشاط حركة الترجمة وازدياد الاهتمام بالأدبيات الإسلامية القادمة من مصر وباكستان..
منذ سبعينيات القرن الماضي، اتسع حضور مؤلفات قطب في الأوساط الإسلامية التركية، بالتزامن مع نشاط حركة الترجمة وازدياد الاهتمام بالأدبيات الإسلامية القادمة من مصر وباكستان..
شارك الخبر
في تطور قضائي أعاد الجدل حول حرية النشر وتداول المؤلفات الفكرية في تركيا إلى الواجهة، ألغت محكمة الصلح الجزائية الأولى في مدينة أنطاليا قرار حظر طباعة وتوزيع وبيع كتاب "معالم في الطريق" للمفكر الإسلامي المصري سيد قطب، بعد أن كان قد أثار موجة من الانتقادات في الأوساط الثقافية والإعلامية التركية، على خلفية قرار سابق قضى بمصادرة نسخه ومنع تداوله على مستوى البلاد.

وجاء التراجع عن الحظر بناء على طلب تقدمت به النيابة العامة في أنطاليا، استناداً إلى نتائج بحث أعدته شعبة مكافحة الإرهاب في مديرية أمن الولاية، خلصت إلى وجود إشكال زمني في الادعاءات التي ربطت الكتاب بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بالنظر إلى أن سيد قطب توفي عام 1966، بينما تأسس التنظيم عام 2013.

وبحسب ما أورده موقع "TRHaber" التركي، فإن محكمة الصلح الجزائية الأولى في أنطاليا أصدرت قرار الإلغاء بتاريخ 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وقبلت طلب النيابة العامة المؤرخ في اليوم نفسه، والمسجل تحت رقم 2026/664، وقضت بإلغاء التدابير التي كانت مفروضة على الكتاب.

ويكتسب التطور أهمية إضافية بالنظر إلى أن قرار الحظر الأول كان قد أثار اعتراض اتحاد الصحافة والنشر التركي، الذي اعتبر مصادرة الكتاب ومنع تداوله انتكاسة لحرية التعبير وقطاع النشر، وطالب بإنهاء القيود المفروضة عليه.

من الحظر والمصادرة إلى إلغاء القرار


وكانت القضية قد تصدرت وسائل إعلام تركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، عقب إعلان اتحاد الصحافة والنشر التركي (Basın Yayın Birliği) صدور قرار عن محكمة الصلح الجزائية الأولى في أنطاليا، ويقضي بمصادرة نسخ كتاب "معالم في الطريق"، ومنع طباعته وتوزيعه وبيعه في جميع أنحاء تركيا.

وتعلق القرار، وفق بيان الاتحاد، بالنسخة التي نشرتها دار «بيكا» التركية، وهي إحدى دور النشر الأعضاء في الاتحاد، فيما لم تتضح في حينه حدود تطبيق الحظر على الطبعات الأخرى التي نشرتها دور تركية مختلفة.

واستند قرار الحظر، وفق البيان، إلى المادة 25 من قانون الصحافة التركي رقم 5187، وتحديداً الفقرتين الثانية والثالثة، بحسب الصيغة التي أعلنها الاتحاد.

وأثار الإعلان تساؤلات حول طبيعة الأساس القانوني الذي استند إليه القرار، ولا سيما أن القيود المعلنة لم تقتصر على مصادرة النسخ الموجودة، بل شملت أيضاً منع الطباعة والتوزيع والبيع على مستوى البلاد.

لكن التطور اللاحق تمثل في إلغاء التدابير بموجب قرار قضائي آخر، استند، بحسب التقرير التركي، إلى المادتين 7/2 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 3713 و25/2 من قانون الصحافة رقم 5187، بعد طلب من النيابة العامة في أنطاليا.

ويكشف اختلاف أرقام القرارات والمواد القانونية الواردة في البيانات المنشورة عن ضرورة التمييز بين قرار الحظر الأول وقرار إلغائه، وعدم التعامل معهما باعتبارهما قراراً واحداً. كما أن الاطلاع على النصين القضائيين الأصليين يظل ضرورياً لتحديد النطاق الدقيق لكل منهما.



داعش والتسلسل الزمني.. لماذا أُلغي الحظر؟


وتتمثل النقطة الأبرز في قرار الإلغاء في التسلسل الزمني الذي استندت إليه المحكمة. فبحسب التقرير التركي، أحالت المحكمة إلى محضر بحث أعدته شعبة مكافحة الإرهاب في مديرية أمن أنطاليا، أشار إلى أن سيد قطب عاش بين عامي 1906 و1966، بينما تأسس تنظيم داعش عام 2013.

وبذلك تفصل بين وفاة المؤلف وظهور التنظيم نحو 47 عاماً، وهو ما اعتبرته المعطيات الأمنية سبباً ينفي إمكان أن يكون الكتاب قد تضمن إشارة إلى التنظيم أو دعاية خاصة به.

واستندت النيابة العامة إلى هذه المعطيات في طلبها إلغاء التدابير المفروضة على الكتاب، قبل أن تقبل المحكمة الطلب وتقرر رفع الحظر وإعادة الأوراق إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات اللازمة.

ويشير ذلك إلى أن الأساس الذي تناولته المحكمة في قرار الإلغاء لم يكن حكماً شاملاً على مجمل أفكار سيد قطب أو تقييم محتوى الكتاب من الناحية الفكرية، وإنما تعلق تحديداً بالصلة المزعومة بين مؤلف توفي قبل عقود من تأسيس داعش وبين الدعاية الخاصة بالتنظيم.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المحكمة أصدرت حكماً نهائياً بشأن جميع الادعاءات التي قد تثار حول مضمون الكتاب، وإنما يعني أن التدابير السابقة أُلغيت استناداً إلى الأسباب الواردة في القرار المنشور إعلامياً.

وبحسب التقرير، يمكن الطعن في قرار الإلغاء أمام محكمة الصلح الجزائية السادسة في أنطاليا خلال أسبوعين من تاريخ التبليغ.

اتحاد النشر التركي: الأفكار لا تُلغى بالمصادرة


وكان قرار الحظر الأول قد أثار رد فعل غاضباً من اتحاد الصحافة والنشر التركي، الذي أصدر بياناً أعرب فيه عن استيائه من مصادرة الكتاب ومنع طباعته وتوزيعه وبيعه في عموم البلاد.

وقال الاتحاد إنه تلقى ببالغ الأسف نبأ القرار الصادر بحق كتاب «معالم في الطريق»، الذي نشرته دار «بيكا»، مشيراً إلى أن المؤلف ظل متداولاً في تركيا لعقود، وصدرت منه طبعات عن دور نشر مختلفة.

واعتبر الاتحاد أن اتخاذ إجراء من هذا النوع بحق كتاب له تاريخ طويل في سوق النشر التركية يمثل انتكاسة لقطاع النشر وللحياة القانونية والثقافية، ووصف القرار بأنه «مؤسف» و«مخجل»، وفق ما جاء في بيانه.

وشدد على أن الأفكار لا يمكن إلغاؤها بقرارات الحظر أو المصادرة أو القيود الإدارية، معتبراً أن مثل هذه الإجراءات تلحق ضرراً بحرية التعبير والحياة الثقافية وحق القراء في الوصول إلى المعرفة.

كما أكد عزمه مواصلة الدفاع عن استقلال مهنة النشر وحق الجمهور في الاطلاع على المؤلفات والأفكار المختلفة، رافضاً ما وصفه بمحاولات إسكات الكتب والمطبوعات عبر الإجراءات القضائية.

ويأتي قرار رفع الحظر ليمنح هذه القضية مساراً جديداً، بعدما كان الاتحاد قد طالب بإنهاء القيود، وإن كان لا تتوافر في المعلومات المنشورة تفاصيل عن موقفه من قرار الإلغاء أو ما إذا كان قد أصدر بياناً جديداً بشأنه.

تحقيقات أمنية أوسع.. مؤلفات أخرى لسيد قطب في دائرة الاهتمام


ولم يقتصر الجدل على كتاب «معالم في الطريق»، إذ تزامنت القضية مع تقارير إعلامية تركية تحدثت عن ورود مؤلفات أخرى لسيد قطب في سياق تحقيقات أمنية في أنقرة ومرسين، قيل إنها أسفرت عن توقيف 15 شخصاً.

وبحسب تلك التقارير، فقد تضمنت التحقيقات استفسارات عن عدد من مؤلفات قطب، بينها "معالم في الطريق" و"الجهاد والشهادة" و"خصائص الدعوة" أو "الخصيصة الأساسية للدعوة"، وفق اختلاف ترجمة عناوين الكتب التركية.

وأشارت تقارير أخرى إلى أن بعض هذه المؤلفات أُدرجت ضمن قوائم منشورات محل متابعة أمنية، وأن قرارات قضائية سابقة أو إجراءات تتعلق ببعض الطبعات كانت موضع تداول.

لكن هذه المعلومات لا تزال بحاجة إلى توثيق من خلال بيانات رسمية أو وثائق قضائية منشورة، كما لا تتوافر معطيات كافية لإثبات وجود ارتباط قانوني مباشر بين تلك التحقيقات وبين قرار الحظر الذي أصدرته محكمة أنطاليا ثم ألغته.

ومن المهم هنا التمييز بين ورود كتاب في أسئلة تحقيق أو ضبط نسخة منه، وبين صدور قرار قضائي مستقل يحظر تداوله، إذ لا يترتب على مجرد ذكر مؤلف في تحقيق أمني أن يصبح اقتناؤه أو قراءته جريمة بحد ذاته.

"معالم في الطريق".. من القاهرة إلى تركيا


ويعد "معالم في الطريق" من أبرز مؤلفات سيد قطب وأكثرها تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث. وصدر الكتاب عام 1964، قبل إعدام مؤلفه في مصر عام 1966، وأصبح لاحقاً من النصوص الأساسية في الدراسات التي تناولت تطور الحركات الإسلامية المعاصرة.

ويتناول الكتاب جملة من المفاهيم الفكرية والسياسية، من بينها الحاكمية والجاهلية وطبيعة المجتمع الإسلامي ومنهج التغيير، وهي مفاهيم أثارت نقاشات واسعة بين الباحثين والتيارات الإسلامية والسياسية، سواء في العالم العربي أو خارجه.

وجاء تأليف الكتاب في سياق المواجهة بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهي المرحلة التي شهدت اعتقالات ومحاكمات واسعة في صفوف الجماعة، وانتهت بإعدام قطب عام 1966.

ولم يظل تأثير الكتاب محصوراً في البيئة المصرية أو العربية، بل انتقل إلى لغات متعددة، وكان من المؤلفات التي أسهمت في تشكيل جانب من النقاشات الإسلامية في تركيا.

وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن أول ترجمة تركية لأحد مؤلفات سيد قطب ظهرت عام 1962، فيما تُرجمت "معالم في الطريق" إلى التركية عام 1966، أي في العام الذي أُعدم فيه مؤلفه. وواجهت الترجمة التركية آنذاك الرقابة، كما تعرض ناشرون لعقوبات، بينها السجن، بحسب دراسة أكاديمية تناولت انتشار الفكر الإسلامي في تركيا.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، اتسع حضور مؤلفات قطب في الأوساط الإسلامية التركية، بالتزامن مع نشاط حركة الترجمة وازدياد الاهتمام بالأدبيات الإسلامية القادمة من مصر وباكستان، وهو ما جعل كتبه موضوعاً للدراسة والجدل داخل الأوساط الدينية والفكرية والأكاديمية.

وبذلك لا يمثل الجدل الراهن أول مواجهة بين السلطات التركية ومؤلفات سيد قطب؛ فقد سبق أن تعرضت ترجماته للرقابة في ستينيات القرن الماضي، قبل أن تعود إلى التداول وتصبح جزءاً من المكتبة الإسلامية التركية.

ذاكرة الحظر تعود بعد ستة عقود


وتكشف المقارنة بين ما جرى عام 1966 وما شهدته تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 عن استمرار الجدل بشأن موقع مؤلفات سيد قطب في المجال العام التركي، وإن اختلفت الظروف السياسية والقانونية بين المرحلتين.

ففي المرة الأولى، واجهت الترجمة التركية للكتاب إجراءات رقابية وعقوبات طالت ناشرين، بحسب الدراسات الأكاديمية. أما في القضية الأخيرة، فقد صدر قرار قضائي بمصادرة النسخ ومنع الطباعة والتوزيع والبيع، قبل أن تتدخل النيابة العامة بطلب إلغاء التدابير، استناداً إلى معطيات تتعلق باستحالة الربط الزمني بين الكتاب وتنظيم داعش.

ويعطي هذا التطور القضية بعداً يتجاوز مصير طبعة واحدة أو دار نشر بعينها، إذ يضع أمام المؤسسات القضائية والأمنية سؤالاً يتعلق بمعايير التعامل مع الكتب الفكرية، والفصل بين دراسة الأفكار أو نقدها وبين اعتبار تداولها دليلاً على الترويج لتنظيم محظور.

حرية النشر وحدود التدخل القضائي


ويعيد قرار الحظر ثم إلغاؤه فتح النقاش حول حدود تدخل السلطات في تداول المؤلفات الفكرية، ومدى التناسب بين القيود القضائية المفروضة على المطبوعات والحق في حرية التعبير والوصول إلى المعرفة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بكتاب ذي حضور تاريخي في النقاشات الفكرية والسياسية، إذ إن تقييم الأفكار التي يتضمنها لا ينفصل عن ضرورة التمييز بين المحتوى الفكري للكتاب وبين استخدامه المزعوم في الترويج لتنظيم أو نشاط محظور.

كما أن إدراج مؤلفات في سياق تحقيقات أمنية لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى تجريم للقراءة أو الاقتناء أو البحث الأكاديمي، ما لم تتوافر أفعال وأدلة محددة تستوفي الشروط القانونية.

ومن الناحية القانونية، تثير القضية أيضاً أهمية وضوح القرارات القضائية وإتاحة حيثياتها للرأي العام، خصوصاً عندما تتعلق بقيود تطبق على مستوى البلاد وتمس دور النشر والقراء والباحثين.

وفي انتظار الاطلاع على النصوص القضائية الأصلية، فإن أبرز ما يمكن استخلاصه من التطور الأخير هو أن الحظر الذي أثار اعتراضات اتحاد النشر التركي لم يستمر وفق ما أوردته وسائل الإعلام التركية؛ إذ أُلغيت التدابير بقرار قضائي استند إلى طلب النيابة العامة ومعطيات أمنية تتعلق بالفارق الزمني بين وفاة سيد قطب وتأسيس داعش.

وهكذا، انتقلت قضية "معالم في الطريق" في تركيا من قرار بالمصادرة والمنع إلى قرار برفع القيود، لتبقى الأسئلة المتعلقة بالمعايير القانونية لتقييد تداول الكتب، وحدود المسؤولية الجنائية، وحماية حرية النشر، حاضرة في النقاش العام.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)