أثار تصديق مجلس النواب الليبي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع
تركيا موجة رفض إقليمية، بعدما أعلنت مصر وإسرائيل اعتراضهما على الخطوة، في حين اعتبرتها أنقرة تطوراً مهماً يعزز التعاون في شرق المتوسط.
ونددت وزارة خارجية دولة الاحتلال
الإسرائيلية بشدة بالقرار، وقالت في بيان: "مع الأسف، نرى تركيا مجدداً تسعى لزعزعة استقرار منطقة شرق المتوسط"، معربة عن رفضها الاتفاق الذي سبق أن أثار توترات بين أنقرة وعدد من الدول المطلة على البحر المتوسط.
اظهار أخبار متعلقة
وفي المقابل، رحبت وزارة الخارجية التركية بمصادقة البرلمان الليبي، معتبرة أن المذكرة تحمي الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين وتستند إلى القانون الدولي ومبدأ الإنصاف.
كما رحبت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالقرار، واعتبرته تطوراً إيجابياً لتعزيز العلاقات مع تركيا والتعاون الإقليمي في البحر المتوسط.
ونقلت وكالة رويترز عن نائبين في البرلمان الليبي قولهما إن الاتفاقية من شأنها تحقيق مكاسب استراتيجية للبلاد على الصعيدين الاقتصادي والسياسي وفي مجال الأمن القومي.
تصويت بالإجماع
والثلاثاء 20 تشرين الأول/ أكتوبر، صوت مجلس النواب الليبي بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، متراجعاً بذلك عن موقف اتخذه قبل ستة أعوام.
وأوضح المتحدث باسم المجلس عبد الله بليحق أن النواب صوتوا أيضا على إلغاء قرارين صادرين عام 2020، يتعلق الأول برفض المصادقة على مذكرتي التفاهم المبرمتين بين طرابلس وأنقرة، والثاني بقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
ويمثل القرار تحولا في موقف السلطات بشرق
ليبيا، المدعومة من خليفة حفتر، بعد سنوات من الخلاف مع أنقرة التي دعمت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس خلال النزاع الليبي، حيث يأتي في ظل تحسن العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الجانبين.
يذكر أنه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الرئاسي الليبي السابق فائز السراج مذكرتي تفاهم للتعاون الأمني والعسكري وتحديد مناطق الصلاحية البحرية.
بدورها، انتقدت أحزاب المعارضة في اليونان، الأربعاء، الحكومة، متهمة إياها بالفشل في السياسة الخارجية، على خلفية مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية.
ويهدف الاتفاق إلى تنظيم حقوق التنقيب عن الموارد الطبيعية وإنتاجها، بما في ذلك الغاز والنفط. وتعارض اليونان الاتفاق لأن الترسيم يتجاهل ما تعتبره الحقوق البحرية التي يمنحها للجزر اليونانية، ولا سيما جزيرة كريت، ويتداخل مع أراضٍ تطالب بها اليونان ومصر بموجب اتفاقية منفصلة موقعة بينهما.
يعرقل ربط إسرائيل بالشبكة الأوروبية
أما بالنسبة لـ"تل أبيب"، فقد عدّت توقيع مذكرة التفاهم خطوةً ستزيد المصاعب أمام إسرائيل تجاه ربط نفسها بالبنية التحتية للطاقة الأوروبية عبر قبرص واليونان.
وفي تقرير أعده الصحفي إيلي ليون، ونشرته صحيفة "
معاريف" العبرية، وصف الاتفاقية بأنها خطر استراتيجي حقيقي، حيث ستتأثر إسرائيل بهذا التقارب الليبي مع تركيا، ويكمن الخطر الملموس في كابل الطاقة المزمع إنشاؤه، والذي من المفترض أن يربط إسرائيل بالشبكة الأوروبية مستقبلاً.
إذ تقول أنقرة إن جزءاً من مسار هذا الكابل يمر عبر منطقة تقع ضمن نطاق سيادتها، وتطالب بالتنسيق المسبق لإجراء المسوحات الميدانية، ويُعزز دعم البرلمان في شرق ليبيا للاتفاق موقفه السياسي، وقد يُشجع على مطالب من شأنها تأخير العمل، وزيادة تكلفة المشاريع، وتثبيط المستثمرين.
غوردينيز: النصر لـ"الوطن الأزرق"
بدوره، قدّم الأدميرال التركي المتقاعد جيم غوردينيز، الذي يُنسب إليه صياغة مفهوم "الوطن الأزرق"، تفسيراً قوياً للغاية، ويؤكد هذا المفهوم، الذي روّج له منذ عام 2006، على أهمية المناطق البحرية لقوة تركيا ومصالحها.
وفي تعليقه على القرار، كتب غوردينيز أنه "أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية التي حققتها تركيا في السنوات الأخيرة في نضالها من أجل الوطن الأزرق".
ووفقاً له، يُعدّ تغيير موقف معسكر حفتر انتكاسة سياسية ودبلوماسية كبيرة لليونان، وللتكتل الأوروبي الداعم لها، وللولايات المتحدة. وادّعى أن استراتيجية أثينا في استغلال الانقسام الليبي لإحباط المطالبات البحرية التركية قد تلقت ضربة قوية.
وقدّر غوردينيز أن القرار قد يكون له دلالات مهمة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المستقبلية بين تركيا ومصر، ويرى أن ارتباط ليبيا بحدود الجرف القاري التي أعلنتها أنقرة للأمم المتحدة في 18 آذار/مارس 2020 قد تعزز قانونياً وسياسياً.
من الكابلات الكهربائية إلى تجديد الحفر
ربط غوردينيز هذا التطور بمشروع كابل الطاقة البحري "غريت سي إنتركونيكتور"، مؤكداً أنه يعزز موقف أنقرة التفاوضي، وأضاف أن على تركيا التمسك بموقفها القائل بأن أبحاث قاع البحر في المناطق التي تعتبرها جزءاً من جرفها القاري تتطلب موافقتها.
اظهار أخبار متعلقة
لكنه لم يكتفِ بالدبلوماسية، كتب قائلاً: "يجب أن يُكمَّل النجاح الدبلوماسي بوجود فعلي في البحر"، داعياً إلى اتخاذ خطوات ضد النشاط في مناطق التنقيب التي منحت قبرص تراخيص لها، لا سيما في المربعين 5 و6. وطالب باستئناف المسوحات الزلزالية والحفر في المناطق المتنازع عليها.
وتُظهر هذه الدعوة الأهمية التي يوليها للتصويت؛ أساساً لتعزيز المزيد من النشاط التركي في البحر. يُمثل الاتفاق الداخلي في ليبيا إنجازاً سياسياً لأنقرة، لكن الرد اليوناني يُشير إلى أن النزاع الإقليمي نفسه لم ينتهِ بعد.