وعد الرئيس دونالد
ترامب، الأربعاء، المواطنين الأمريكيين، بأن ما وصفها بـ"أعمال الشغب" التي تشهدها
فرنسا لن تمتد "عدواها" إلى الولايات المتحدة.
وخلال كلمة ألقاها في ولاية كارولينا الشمالية، قال ترامب: "هل يمكنكم تصديق ما يحدث في فرنسا؟ لن يحدث لدينا شيء مثل هذا أبداً، أعدكم بذلك".
والأحد، كتب ترامب منشوراً على منصة "سوشيال تروث"، قال فيه: "لقد سيطر المهاجرون على فرنسا. يجب على سلطات باريس إغلاق الحدود بسرعة"، وجاءت تصريحات ترامب في سياق تعليقه على أعمال العنف والاضطرابات التي تشهدها عدة مدن فرنسية.
اظهار أخبار متعلقة
وذكرت قناة "فوكس نيوز" أن ترامب واصل الحديث عن الاضطرابات في فرنسا خلال تجمع انتخابي في ولاية كانساس، وزعم أنه حذر الرئيس ماكرون قبل سنوات داعياً إياه إلى تشديد الرقابة على الحدود، قائلاً: "أغلقوا الحدود وإلا ستخسرون فرنسا".
وأردف ترامب: "العالم بأسره يتدفق إلينا، وكما تعلمون، ستصبح باريس قريباً مدينة مسلمة. لقد أغلقنا حدودنا. أما ماكرون فلم يفعل"، فيما حذر من ما يحدث في فرنسا قد يتكرر في أمريكا إذا فاز الديمقراطيون.
كما دعا ترامب الدول الأوروبية إلى إغلاق حدودها، بينما جادل أيضاً بأن حملة إدارته على الهجرة ساعدت في حماية أمريكا، قائلاً: "إنهم يخسرون بلادهم، ويخسرون
أوروبا. هذا لن يحدث لأمريكا أبداً".
وبينما تحاول السلطات الفرنسية احتواء تداعيات العنف الذي شهدته مدن عدة، امتدت الاحتجاجات إلى مدن أوروبية على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتشهد فرنسا منذ أيام اضطرابات عارمة، حيث تواجه استحقاقات سياسية واقتصادية تبدو مألوفة للأمريكيين بحسب تحليل لشبكة "
سي أن أن"، بشكل وصفته بالمثير للقلق.
وتقترب فرنسا من أزمة مالية بعدما أنفقت مبالغ تفوق قدرتها على السداد، ومع ارتفاع أسعار الفائدة على السندات في الأشهر الأخيرة، مدفوعةً بتصاعد تكاليف الطاقة، بات موعد سداد هذه الالتزامات أقرب بكثير من المتوقع.
ورغم أن رفع الضرائب وخفض الإنفاق الحكومي قد يشكلان جزءاً من الحل، إلا أن اتخاذ قرارات كهذه سيواجه رفضاً سياسياً واسعاً، وقد يؤدي إلى زيادة غضب الشارع الفرنسي الذي يعاني بالفعل من حالة احتقان شديدة.
وتواجه فرنسا ضغوطاً مالية حادة للغاية، حيث يبلغ الدين العام نحو 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف النسبة المستهدفة من قبل الاتحاد الأوروبي، في حين يصل عجز الموازنة السنوي إلى 5.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
واللافت أن عدة دول تواجه تحديات تشبه تلك التي تمر بها فرنسا، ولا سيما المملكة المتحدة، حيث تتلخص سمات المشهد الاقتصادي الغربي حالياً في تزايد سريع للدين العام، وينطبق هذا أيضاً على الولايات المتحدة. غير أن أوجه التشابه هذه قد تكون سطحية.
ورغم أن احتمال انتقال خطر العدوى إلى بقية أنحاء أوروبا يبقى ضئيلاً، فإن شبكة الأمان الاجتماعي الضخمة في فرنسا تشكل حصة أكبر بكثير من الإنفاق الحكومي مقارنة بما هو عليه الحال في الولايات المتحدة.
كما أن الديناميكيات التي تصفها شبكة "سي أن أن" بالفريدة للاقتصاد الأمريكي تعني أن الولايات المتحدة لا تواجه أي خطر وشيك بأن تصبح "فرنسا التالية".
ومع هذا فإن الوضع يزداد سوءاً؛ إذ فاقمت الحرب في أوكرانيا المشكلات المالية التي تواجهها الدول الغربية، وذكر صندوق النقد الدولي في تقرير له أن متوسط عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في اقتصادات مجموعة السبع (G7) ارتفع منذ شباط/فبراير بأكثر من نقطة مئوية واحدة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ نحو 20 عاماً.
كما يتوقع الصندوق أنه بحلول نهاية العقد، سيتجاوز إجمالي الدين العام لهذه الدول السبع حجم ناتجها الاقتصادي؛ وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ الحرب العالمية الثانية.
من جهته، قال أستاذ السياسة الاجتماعية في جامعة كينت، بيتر تايلور-غوبي: "في أوروبا، يتزايد خوف الناس من سوق السندات ومن أسعار الفائدة التي يتعين على الحكومات دفعها مقابل الاقتراض".
وأضاف قائلاً: "لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد بالإمكان فيها تجاهل هذا الأمر؛ فإذا تجاهلناه، فسنواجه أزمة خطيرة".
وعلى الورق، لا يبدو الوضع في أمريكا مختلفاً كثيراً؛ فالدين العام الأمريكي، البالغ 32 تريليون دولار، يعادل تقريباً الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، كما أن عجز الموازنة -الذي بلغ للتو تريليوني دولار- يمثل أكثر من 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى صعيد متصل، تجاوزت تكلفة تمويل الدين العام الأمريكي حاجز التريليون دولار سنوياً، وهو ما يعادل نسبة مذهلة تبلغ 14 بالمئة من إجمالي الميزانية الفيدرالية.
وبعبارة أخرى، يُخصص دولار واحد من كل 7 دولارات من حصيلة الضرائب لسداد فوائد الأموال التي تقترضها الولايات المتحدة.
لكن النقاشات الجادة حول خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، التي تشهدها أوروبا، تبدو أقل جدية بكثير في أمريكا، والسبب هو امتلاك الولايات المتحدة ميزة كونها هي الجهة التي تطبع العملة الاحتياطية العالمية. إذ تُجرى غالبية المعاملات التجارية على مستوى العالم بالدولار الأمريكي، بما في ذلك تداول السلع الأساسية كالنفط والذهب.
ولا يزال الطلب على الدولار قوياً، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى اعتباره ملاذاً آمناً؛ فشفافية الولايات المتحدة والتزامها بسيادة القانون تجعلان من الدولار حجر الزاوية في النظام المالي العالمي، حتى وإن كان بريقه قد خفت قليلاً خلال العقد الماضي.
ويعزز هذا من الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، التي تُعد على نطاق واسع أكثر الأصول ملاذاً آمناً. فحتى في ظل موجة بيع عالمية للسندات الحكومية، تظل أسعار الفائدة على السندات الأمريكية أقل منها في الاقتصادات الغربية الأخرى.
لكن الفارق بين فرنسا والولايات المتحدة يكمن في جوهره في أمر واحد؛ فكما قال جيمس كارفيل: "إنه الاقتصاد أيها الأغبياء"، حيث تتمتع الولايات المتحدة أيضاً باقتصاد ضخم ومتنوع بشكل فريد، يجعله أقل عرضة للصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأصغر حجماً.
اظهار أخبار متعلقة
ويشير مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة "موديز أناليتكس"، إلى أن "فرنسا والمملكة المتحدة في وضع متقارب إلى حد ما. أما في الولايات المتحدة، فإن مساهمات الذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي تجعل من المرجح أن تتمكن البلاد من إدارة ديونها والتعامل مع هذا التحدي بسلاسة أكبر".
ويحذر الاقتصاديون من الخلط بين غياب أزمة ديون وشيكة في الولايات المتحدة وبين وجود "مسؤولية مالية"؛ فالأمر ببساطة هو أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة أفضل على التعامل مع هذه المشكلة مقارنة بفرنسا أو المملكة المتحدة. ويضيف زاندي: "هذا لا يعني أن علينا الشعور بالارتياح؛ فكل ما في الأمر أننا في وضع مختلف".
في كل مرة تواجه فيها دولة أوروبية مشكلة مالية، تثار مخاوف من حدوث عدوى قد تنتشر في أرجاء القارة. لكن الاقتصاديين يرون، على نطاق واسع، أن المشكلات التي تواجهها فرنسا تظل محصورة داخل حدودها.