هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
أعادت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن استعداد بلاده للتدخل عسكريا للدفاع عن السعودية، تسليط الضوء على تاريخ طويل من العمليات العسكرية التي نفذها الجيش المصري خارج حدود بلاده، شملت حروبا إقليمية واسعة، وتدخلات لدعم حلفاء، وعمليات محدودة نفذتها القوات الجوية والصاعقة.
وقال السيسي، السبت، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية، إن بلاده مستعدة لاتخاذ أي إجراءات ضرورية لحماية السعودية إذا طلبت الرياض ذلك، داعيا مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لتوفير التفويض اللازم.
وشدد على أن التحرك المحتمل سيكون دفاعيا وليس هجوميا، فيما أعلن البرلمان المصري عقد جلسة عامة الأحد، استجابة لطلب الرئيس.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد المواجهات بين السعودية وجماعة الحوثي اليمنية، التي كثفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت ومطارات سعودية خلال تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتعطيل حركة الطيران.
وتبرز هنا مفارقة تاريخية في العلاقات العسكرية بين القاهرة والرياض؛ ففي ستينيات القرن الماضي، أرسلت مصر عشرات آلاف الجنود إلى اليمن لقتال الملكيين المدعومين من السعودية، وتضمنت وثيقة دبلوماسية أمريكية اتهامات سعودية للقوات المصرية بشن غارات جوية على أراضي المملكة. وبعد نحو ثلاثة عقود، أرسلت مصر قوات إلى السعودية نفسها، ولكن للدفاع عنها عقب الغزو العراقي للكويت.
حرب الخليج
في آب/ أغسطس 1990، وبعد أيام من الغزو العراقي للكويت، قرر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إرسال قوات عسكرية إلى السعودية، للمشاركة في حمايتها من احتمال تقدم القوات العراقية نحو أراضيها.
وجاء القرار عقب قمة طارئة لجامعة الدول العربية في القاهرة، يوم 10 آب/ أغسطس 1990، أقرت إرسال قوات عربية للدفاع عن السعودية، وسط انقسام عربي بشأن التعامل مع الغزو العراقي.
وفي اليوم التالي، وصلت أولى الوحدات المصرية، وضمت عناصر من قوات الصاعقة والمظليين، إلى الأراضي السعودية، قبل أن يتوسع الانتشار العسكري تدريجيا.
وشارك نحو 30 ألف جندي مصري في العمليات البرية لتحرير الكويت في شباط/ فبراير 1991، فيما ترفع تقديرات أخرى إجمالي حجم القوات المصرية المشاركة إلى نحو 35 ألفا.

وخاضت القوات المصرية مواجهات مع الجيش العراقي خلال العمليات البرية، وتقدمت داخل الأراضي الكويتية ضمن التحالف الدولي، فيما وثق تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي مقتل تسعة جنود مصريين وإصابة 74 آخرين خلال العمليات.
ولم تكن مشاركة مصر في حرب الخليج سوى محطة ضمن سجل أوسع من العمليات العسكرية الخارجية، يمتد إلى حرب فلسطين عام 1948 وما تلاها من تدخلات وعمليات عسكرية.
الحرب ضد الاحتلال
تعود أبرز المشاركات العسكرية المصرية خارج الحدود في العصر الحديث إلى حرب فلسطين عام 1948، حين دخل الجيش المصري الأراضي الفلسطينية في 15 أيار/ مايو، إلى جانب جيوش عربية أخرى، للمشاركة في القتال ضد القوات الصهيونية عقب إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وخاضت القوات المصرية معارك في جنوب فلسطين، قبل انتهاء الحرب وتوقيع اتفاقية الهدنة المصرية الإسرائيلية عام 1949، التي أعقبتها إدارة مصر لقطاع غزة دون ضمه رسميا إلى أراضيها.
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، اتسع الانتشار العسكري المصري في المنطقة، وظهر ذلك بصورة خاصة خلال الوحدة المصرية السورية التي استمرت من عام 1958 حتى عام 1961.
وبحسب وثيقة أمريكية مؤرخة في 30 أيلول/ سبتمبر 1961، كان لدى القوات المصرية ما بين ثلاثة آلاف و3500 عسكري في سوريا عند وقوع الانفصال، تمركز معظمهم في منطقة اللاذقية.
غير أن هذا الانتشار يختلف عن التدخلات الخارجية التقليدية، لأن مصر وسوريا كانتا تشكلان دولة واحدة تحمل اسم الجمهورية العربية المتحدة طوال فترة الوحدة.
وفي عام 1961 أيضا، شاركت مصر بقوة عسكرية في بعثة جامعة الدول العربية إلى الكويت، عقب تهديدات رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، الذي ادعى تبعية الإمارة للعراق بعد استقلالها عن بريطانيا.
وأرسلت القاهرة وحدة عسكرية ضمن القوة العربية المشتركة التي ضمت قوات سعودية وأردنية وسودانية وغيرها، قبل أن تسحب مشاركتها لاحقا. وتقدر دراسة منشورة عبر وزارة الدفاع الأمريكية حجم المساهمة المصرية بنحو 1200 عسكري، بينما أشارت وثيقة أمريكية لاحقة إلى انسحاب وحدة مصرية من 150 عسكريا، دون أن توضح إن كانت تمثل كامل المشاركة المصرية.
اظهار أخبار متعلقة
التدخل في اليمن
لكن التدخل المصري الأكبر في تلك المرحلة وقع في اليمن، حين قرر عبد الناصر عام 1962 إرسال قوات عسكرية لمساندة الجمهوريين الذين أطاحوا بنظام الإمامة، في مواجهة الملكيين المدعومين من السعودية.
وبدأت المشاركة المصرية بعدة آلاف من الجنود، قبل أن تتحول إلى حرب استنزاف استمرت نحو خمس سنوات، شاركت خلالها وحدات برية ومدرعة وقوات جوية مصرية في معارك واسعة بمناطق مختلفة من اليمن.
وبحسب دراسة أكاديمية منشورة لدى جامعة كامبريدج، بلغ عدد الجنود المصريين في اليمن نحو 70 ألفا بحلول صيف عام 1965، إلى جانب مئات المستشارين والخبراء المدنيين.
واستنزفت الحرب موارد عسكرية واقتصادية مصرية كبيرة، وأثرت على استعدادات الجيش، في واحدة من أبرز التجارب العسكرية التي خاضتها القاهرة خلال الستينيات، قبل أن تنتهي مشاركتها في خريف عام 1967 عقب هزيمتها في حرب حزيران/ يونيو أمام الاحتلال الإسرائيلي.
ولم يقتصر الصراع المصري السعودي آنذاك على دعم طرفين متنافسين داخل اليمن، إذ امتدت التوترات إلى المناطق الحدودية السعودية.
فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في نيسان/ أبريل 1965 تقريرا عن غارات منسوبة إلى طائرات مصرية انطلقت من اليمن واستهدفت منطقة جازان السعودية، نقلا عن مصادر دبلوماسية، بينما قالت أوساط مصرية إنها لا تملك معلومات عن وقوع تلك الغارات.
وفي برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 11 آب/ أغسطس 1965، نقل السفير الأمريكي في جدة عن وزير الدفاع السعودي آنذاك، الأمير سلطان بن عبد العزيز، اتهامات للقوات المصرية بقصف أراض سعودية قرب جازان مرتين، واختراق دبابات مصرية الحدود، فضلا عن تحليق طائرات فوق جازان ونجران وأبها.
"حرب الرمال"
وخلال الفترة نفسها، امتد الحضور العسكري المصري إلى الجزائر، التي دخلت في مواجهة حدودية مع المغرب عام 1963، عرفت باسم "حرب الرمال".
وأرسلت القاهرة مساعدات عسكرية وقوات لدعم الجزائر، فيما تحدث تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1963، وأعيد نشره في السجل الرسمي للكونغرس الأمريكي، عن معلومات استخبارية تفيد بنقل نحو ألف جندي مصري إلى الجزائر.
كما وثقت صحيفة لوموند الفرنسية أسر خمسة ضباط مصريين على متن مروحية جزائرية خلال الحرب، بينهم ضابطان من سلاح المدرعات، بينما قالت القاهرة إنهم أعضاء في مهمة تدريبية ولا علاقة لهم بالمواجهات الحدودية.
قوات إلى الأردن
وقبيل حرب حزيران/ يونيو 1967، أرسلت مصر وحدات من قوات الصاعقة إلى الأردن، ضمن التنسيق العسكري بين البلدين لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
ووفقا لما أورده الموقع الرسمي للقوات المسلحة الأردنية، كانت كتيبتا الصاعقة المصريتان 33 و53 موجودتين في قطاعي جنين ورام الله، وتلقتا أوامر بتنفيذ عمليات ضد مطارات ومواقع عسكرية للاحتلال، تحت قيادة الجبهة التي تولى مسؤوليتها الفريق المصري عبد المنعم رياض.
من زائير إلى ليبيا وقبرص ومالطا
في عهد الرئيس أنور السادات، امتدت المشاركات العسكرية المصرية إلى مناطق أبعد من العالم العربي، بينها زائير، المعروفة حاليا باسم جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ففي أيار/ مايو 1977، أعلن السادات إرسال طيارين مصريين لمساعدة نظام الرئيس موبوتو سيسي سيكو في مواجهة تمرد مسلح بإقليم شابا، وأكد وزير الخارجية المصري لاحقا وجود هؤلاء الطيارين ومشاركتهم في مساندة الحكومة الزائيرية.
وفي تموز/ يوليو من العام نفسه، اندلعت مواجهات عسكرية مباشرة بين مصر وليبيا خلال حكم معمر القذافي، بعد تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية بين البلدين.
ونفذت الطائرات المصرية غارات على قواعد ومواقع عسكرية داخل الأراضي الليبية، كما عبرت وحدات برية الحدود لفترة محدودة، قبل إعلان السادات وقف إطلاق النار في 24 تموز/ يوليو، عقب جهود وساطة شارك فيها الرئيس الجزائري هواري بومدين.
وبعد أقل من عام، شهدت قبرص واحدة من أكثر العمليات المصرية خارج الحدود إثارة للجدل. ففي شباط/ فبراير 1978، أرسل السادات قوة من الصاعقة إلى مطار لارنكا للتدخل في حادثة احتجاز رهائن أعقبت اغتيال الصحفي المصري يوسف السباعي في العاصمة القبرصية نيقوسيا.
لكن العملية جرت دون تنسيق كاف مع السلطات القبرصية، وتسببت باشتباكات بين القوة المصرية والحرس الوطني القبرصي، أسفرت عن مقتل 15 من عناصر الصاعقة المصرية، وإصابة آخرين.

وأدت المواجهات إلى أزمة دبلوماسية حادة، بدأت بتعليق العلاقات وسحب البعثات، ثم إعلان السادات قطع العلاقات الدبلوماسية مع قبرص في 21 شباط/ فبراير 1978.
وتكررت تجربة إرسال قوات خاصة إلى الخارج في تشرين الثاني/ نوفمبر 1985، عندما أمر الرئيس حسني مبارك قوة مصرية بالتدخل لإنهاء اختطاف طائرة تابعة لشركة مصر للطيران، أجبرت على الهبوط في مالطا.
وشارك نحو 25 من عناصر الصاعقة المصرية في اقتحام الطائرة بمطار لوكا، بعد الحصول على موافقة السلطات المالطية، لكن العملية انتهت بمقتل نحو 60 شخصا خلال الاختطاف والاقتحام.
الصومال وليبيا واليمن مجددا
بعد حرب الخليج، عادت القوات المصرية إلى الانتشار خارج البلاد ضمن عمليات الأمم المتحدة في الصومال، الذي كان يشهد حربا أهلية وانهيارا لمؤسسات الدولة.
وبدأت المشاركة في كانون الأول/ ديسمبر 1992 بكتيبة مشاة ميكانيكية قوامها نحو 240 عسكريا، قبل أن يرتفع عدد القوات المصرية إلى 1680 خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو 1993 حتى شباط/ فبراير 1995.
وشملت مهامها حماية مطار مقديشو وتدريب عناصر الشرطة الصومالية، ضمن عمليات حفظ السلام التي نفذتها الأمم المتحدة.
أما في عهد السيسي، فقد نفذ الجيش المصري عمليات جوية خارج الحدود، أبرزها في ليبيا، حيث شنت مقاتلات مصرية في 16 شباط/ فبراير 2015 غارات على مواقع أعلن أنها تابعة لتنظيم الدولة في مدينة درنة، عقب نشر التنظيم تسجيلا مصورا لإعدام 21 مصريا قبطيا.
وبعد ذلك بأسابيع، في آذار/ مارس 2015، أعلنت مصر مشاركتها بقوات جوية وبحرية في التحالف العسكري الذي قادته السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن، ضمن العمليات التي عرفت باسم "عاصفة الحزم".
وشملت المشاركة المعلنة تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فيما نفت القاهرة آنذاك إرسال قوات برية للمشاركة في المعارك داخل اليمن.
وفي أيار/ مايو 2017، عادت الطائرات المصرية إلى شن غارات على مواقع في ليبيا، بعد هجوم استهدف حافلة تقل مسيحيين في محافظة المنيا المصرية، وأعلنت القاهرة حينها استهداف معسكرات قالت إنها تستخدم لتدريب منفذي الهجمات.
وفي تموز/ يوليو 2020، منح مجلس النواب المصري السيسي تفويضا بإرسال قوات لتنفيذ مهام قتالية خارج الحدود، في ظل تصاعد الحرب الليبية وتهديد القاهرة بالتدخل لحماية ما وصفته بأمنها القومي على الجبهة الغربية.
غير أن هذا التفويض لم يتبعه إعلان رسمي عن انتشار بري مصري واسع داخل ليبيا، ما يميز تلك الحالة عن العمليات العسكرية التي نُفذت بالفعل.
وفي السنوات الأخيرة، عادت الصومال إلى واجهة التحركات العسكرية المصرية، بعد اتفاق القاهرة ومقديشو على تعزيز التعاون الدفاعي، والاستعداد لمشاركة قوات مصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار.
وفي شباط/ فبراير 2026، أعلنت وزارة الدفاع المصرية الانتهاء من إعداد وتجهيز القوات المخصصة للمشاركة في المهمة، دون أن يمثل الإعلان عن جاهزيتها وحده تأكيدا لوصول جميع تلك القوات وانتشارها ميدانيا.
حفظ السلام وحملات أقدم
وبعيدا عن التدخلات القتالية المباشرة، يمتلك الجيش المصري سجلا واسعا من المشاركات في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بدأ بإرسال 258 عسكريا إلى الكونغو عام 1960.
وشملت هذه المشاركات لاحقا دولا متعددة، بينها الصومال وأنغولا وموزمبيق ورواندا وليبيريا وسيراليون ومالي وأفريقيا الوسطى والسودان وجنوب السودان، فضلا عن بعثات في مناطق أخرى من العالم.
وبحسب بيانات نشرتها الخارجية المصرية عام 2024، شارك أكثر من 30 ألف مصري في 37 بعثة تابعة للأمم المتحدة منذ بدء المشاركة المصرية في عمليات حفظ السلام.
وتعود جذور الحملات العسكرية المصرية خارج الحدود إلى فترة أقدم من قيام الجمهورية، ولا سيما عهد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، حين أرسلت قوات مصرية إلى الجزيرة العربية والسودان وبلاد الشام واليونان، ضمن صراعات الدولة العثمانية والتوسع الإقليمي آنذاك.
وبذلك، فإن إرسال قوات مصرية إلى السعودية، إذا تقرر تنفيذه، لن يكون سابقة تاريخية، بعدما شهدت المملكة انتشارا عسكريا مصريا خلال حرب الخليج عام 1990، في حين يبقى حجم أي مشاركة جديدة وطبيعتها مرتبطين بالطلب السعودي والتفويض البرلماني والترتيبات العسكرية بين البلدين.