تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل
اللاجئين
الفلسطينيين (
أونروا) أزمة مالية متفاقمة تهدد قدرتها على مواصلة تقديم
خدماتها الأساسية، في ظل عجز في التدفقات النقدية وضغوط متزايدة على نفقاتها
التشغيلية، وسط مخاوف من أن تمتد إجراءات التقشف إلى تسريح أعداد كبيرة من
الموظفين، بما ينعكس على أوضاع العاملين والخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين في
مناطق عمليات الوكالة.
وتأتي هذه التطورات في وقت أعلنت فيه
الوكالة أن العجز في تدفقاتها النقدية لعام 2026 يبلغ نحو 100 مليون دولار، رغم
إجراءات التقشف وضبط النفقات التي اتخذتها خلال الفترة الماضية، فيما حذرت من أن
استمرار نقص التمويل سيحول دون الحفاظ على مستوى خدماتها الحالي.
وبحسب بيانات "أونروا" المقدمة
خلال مؤتمر التعهدات في حزيران/يونيو الماضي، لم تتجاوز التعهدات المؤكدة لميزانية
البرامج نحو 342 مليون دولار حتى 31 أيار/مايو، من إجمالي الاحتياجات المقدرة،
بينما توقعت الوكالة فجوة تمويلية تبلغ 275 مليون دولار للعام الجاري، استنادا إلى
مسار التمويل المتاح آنذاك. وأشارت إلى أن الإجراءات التقشفية القائمة لم تعد
كافية لمعالجة الأزمة على المدى الطويل.
تقليص النفقات يضغط على الموظفين والخدمات
وسبق للوكالة أن لجأت إلى إجراءات تقشفية
شملت تقليص ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20 بالمئة اعتبارا من كانون الثاني/يناير
2026، مع خفض متناسب في رواتب معظم الموظفين الفلسطينيين، إلى جانب الإبقاء على
نسبة شغور تبلغ 15.5 بالمئة في وظائف الموظفين الدوليين، وفق
تصريحات المفوض العام
بالإنابة كريستيان ساوندرز.
وحذرت الوكالة من أن هذه الإجراءات تؤثر
سلبا على الموظفين واللاجئين، وأن استمرارها لن يكون كافيا للحيلولة دون تراجع
مستوى الخدمات، في حال لم تحصل على تمويل إضافي.
وتشمل خدمات "أونروا" قطاعات أساسية، أبرزها
التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والحماية الاجتماعية، في مناطق عملياتها الخمس:
قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأردن ولبنان وسوريا. ويزيد
الاعتماد على هذه الخدمات من خطورة أي تقليص إضافي، خصوصا في البيئات التي يعاني
فيها اللاجئون من الفقر والنزوح وتراجع فرص العمل والحصول على الخدمات العامة.
وفي ظل هذه الضغوط، تبرز المخاوف من أن
تتحول الأزمة المالية من إجراءات تقشفية تستهدف النفقات التشغيلية إلى تقليص أعداد
العاملين، بما يثير تساؤلات بشأن قدرة الوكالة على الحفاظ على استمرارية برامجها،
وتوفير الحد الأدنى من الخدمات لملايين اللاجئين الذين يعتمدون عليها.
المؤتمر الشعبي يحذر من تحميل الموظفين كلفة
العجز
وفي هذا السياق، استنكر المتحدث باسم
المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، زياد العالول، تصريحات منسوبة إلى ساوندرز بشأن
نيته تسريح عدد كبير من موظفي الوكالة، معتبرا أنه لا يجوز تحميل العاملين تبعات
العجز المالي.
وقال العالولى في تصريحات لـ
"عربي21": "إن مسؤولية البحث عن مصادر
التمويل تقع على عاتق الأمم المتحدة والوكالة، محذرا من أن تسريح أعداد كبيرة من
الموظفين ستكون له انعكاسات سلبية على استقرارهم الوظيفي وأوضاعهم المعيشية، فضلا
عن تداعياته المحتملة على الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين".
وأضاف أن أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني
في مناطق عمليات "أونروا" يعتمدون على خدماتها في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة،
التي وصفها بأنها احتياجات إنسانية ضرورية وملحة.
وأعرب العالول عن مخاوفه من ارتباط التوجه
نحو التسريح بما وصفه بالهجمة على الوكالة والدعوات إلى تفكيكها، معتبرا أن
إضعافها قد ينعكس على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم. كما دعا المؤتمر العام
للوكالة والاتحادات السبعة للعاملين فيها إلى توحيد موقفهم في مواجهة هذه
التوجهات، مطالبا ساوندرز بالتراجع عنها، والدول المانحة بتوفير التمويل اللازم
لتمكين الوكالة من مواصلة عملها.
وتأتي هذه المواقف في سياق الجدل المتواصل
بشأن مستقبل «أونروا»، ودورها في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، في ظل الضغوط
السياسية والمالية التي تواجهها.
أزمة تمويل تتجاوز الرواتب إلى مستقبل
الوكالة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة المالية على أمن
الوظائف، بل تمتد إلى قدرة «أونروا» على الوفاء بولايتها الأممية، التي جُددت
لثلاث سنوات في كانون الأول/ديسمبر 2025. وكانت الوكالة قد حذرت مرارا من أن
استمرار نقص التمويل سيقوض قدرتها على الحفاظ على نطاق خدماتها وجودتها، في وقت
تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية في الأراضي الفلسطينية وفي بلدان اللجوء.
وتواجه الوكالة تحديات مالية تفاقمت خلال
السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تراجع مساهمات بعض المانحين، وارتفاع الاحتياجات
الإنسانية، والقيود التي تؤثر على عملياتها، فضلا عن الحملات السياسية التي تستهدف
دورها ووجودها.
وفي هذا الإطار، شددت "أونروا"
على أن إجراءات الإصلاح وضبط النفقات لا يمكن أن تحل محل التمويل الكافي، وأن
استمرار تقديم الخدمات الأساسية يتطلب مساهمات إضافية من الدول المانحة.
وبين متطلبات سد العجز المالي ومخاطر تقليص
الوظائف والخدمات، تواجه الوكالة اختبارا صعبا للحفاظ على قدرتها التشغيلية. وفي
حين يطالب المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج بعدم تحميل الموظفين كلفة الأزمة، يبقى
توفير تمويل مستدام عاملا حاسما في تحديد قدرة "أونروا" على مواصلة
برامجها، وتجنب مزيد من التراجع في الخدمات التي يعتمد عليها اللاجئون
الفلسطينيون.
اظهار أخبار متعلقة