بوادر أزمة في العلاقات بين أنقرة وباكو

إسماعيل ياشا
"أنقرة تدرك ضرورة احتواء الأزمة لسد الباب أمام القوى الدولية والإقليمية المتربصة كيلا تركب تلك القوى على الموجة، وتستغل التوتر لضرب العلاقات التركية الأذربيجانية"- جيتي
"أنقرة تدرك ضرورة احتواء الأزمة لسد الباب أمام القوى الدولية والإقليمية المتربصة كيلا تركب تلك القوى على الموجة، وتستغل التوتر لضرب العلاقات التركية الأذربيجانية"- جيتي
شارك الخبر
ذكر رئيس أذربيجان إلهام علييف، في كلمته خلال مؤتمر حزب "أذربيجان الجديدة" في باكو في الثاني من الشهر الجاري، أن بلاده ترفض تدخل أطراف خارجية في شؤونها الداخلية، وأضاف قائلا: "على الجميع أن يعرف حدوده، وألا يقحم نفسه في نمط حياتنا، أو يملي علينا ما يجب فعله". كما صرح في ذات الكلمة أن أذربيجان لا تحتاج إلى مساعدة ووصاية من أحد، وأنها اشترت كل ما حصلت عليه من أسلحة وذخائر بأموالها وبأسعار الأسواق العالمية حتى آخر رصاصة، وأنه لم يمد أحد لهم يد العون.

تصريحات علييف جاءت في خضم الأحداث التي تشهدها أذربيجان بسبب حظر الحجاب في المدارس، وبعد الكلمة التي ألقاها أردوغان في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي وانتقد فيها حظر الحجاب في بعض الدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن الرئيس الأذربيجاني لم يسمِّ أي دولة حين انتقد "أطرافا خارجية" وأن المسؤولين الأتراك يتظاهرون بأن انتقادات علييف المثيرة ليست موجهة إلى أنقرة، يعرف كل متابع للعلاقات التركية الأذربيجانية أن المقصود في تلك التصريحات هو تركيا.

على الرغم من أن الرئيس الأذربيجاني لم يسمِّ أي دولة حين انتقد "أطرافا خارجية" وأن المسؤولين الأتراك يتظاهرون بأن انتقادات علييف المثيرة ليست موجهة إلى أنقرة، يعرف كل متابع للعلاقات التركية الأذربيجانية أن المقصود في تلك التصريحات هو تركيا

حظر الحجاب في أذربيجان أغضب الإسلاميين والمتدينين الأتراك الذين عانوا لسنوات طويلة من محاربة العلمانية المتوحشة للرموز الإسلامية، كما أثارت تصريحات علييف حول الأسلحة التي اشترتها أذربيجان وعدم مد أحد إليهم يد العون، استياء في الشارع التركي واعتبرها كثير من الأتراك "نكرانا للجميل"؛ لأن تحرير إقليم قاراباغ من الاحتلال الأرمني تم بتضحيات الجنود الأذربيجانيين ولكن الدور التركي في مساندتهم لا يمكن إنكاره، كما أن هناك دولا كثيرة تسعى إلى شراء أسلحة من الدول الغربية ولكنها لا تستطيع أن تحصل عليها حتى بأموالها أو يتم بيع تلك الأسلحة إليها بقيود وشروط.

أنقرة تتجاهل تصريحات علييف في محاولة لاحتواء الأزمة، ويشير المسؤولون الأتراك إلى متانة العلاقات التركية الأذربيجانية، ويتظاهرون بأن الرئيس الأذربيجاني لم يكن يقصد تركيا في تصريحاته، ويقولون إنهم لن يسمحوا لأحد بالإيقاع بين بلادهم وأذربيجان. إلا أن هذه المحاولة من طرف واحد فقط، ولا يوجد في تصريحات المسؤولين الأذربيجانيين ولا في الإعلام الأذربيجاني أي مؤشر يشير إلى الرغبة في احتواء الأزمة، ما يعني أن باكو تريد أن تبعث رسائل من خلال تلك التصريحات.

العلاقات التركية الأذربيجانية توصف بأنها علاقات بين "دولتين وأمة واحدة"، في إشارة إلى قوة الروابط بين الشعبين التركي والأذربيجاني، ومع ذلك هناك اختلافات بين أنقرة وباكو في السياسة الخارجية والمواقف من بعض القضايا. ولا يخفى على أحد أن أبرز تلك الاختلافات هو الموقف من إسرائيل والعلاقات مع تل أبيب، ويبدو أن علييف يريد أن يبعث رسالة إلى إسرائيل مفادها أن أذربيجان لا ولن تصطف مع تركيا ضدها بأي حال، لا في القضية الفلسطينية ولا في غيرها من القضايا، بل ستحافظ على العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية المتميزة. وهو ما أكده بقاء ممثل أذربيجان في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء كلمة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، حين خرج معظم ممثلي دول العالم من القاعة احتجاجاً على ارتكاب الجيش الإسرائيلي إبادة جماعية في قطاع غزة. وإضافة إلى ذلك، قال وزير التعليم الأذربيجاني أمين ألدار أمرلاييف ‏إن "تجربة إسرائيل ستساعد في تحسين نظام التعليم في أذربيجان".

هناك اختلافات بين أنقرة وباكو في السياسة الخارجية والمواقف من بعض القضايا. ولا يخفى على أحد أن أبرز تلك الاختلافات هو الموقف من إسرائيل والعلاقات مع تل أبيب

أنقرة تدرك ضرورة احتواء الأزمة لسد الباب أمام القوى الدولية والإقليمية المتربصة كيلا تركب تلك القوى على الموجة، وتستغل التوتر لضرب العلاقات التركية الأذربيجانية. ويتجنب المسؤولون الأتراك إطلاق تصريحات، سواء حول ما ورد في كلمة علييف من إساءة مبطنة أو حظر الحجاب، خوفا من أن يتم تفسيرها كتدخل في شؤون أذربيجان الداخلية، ويأملون أن ينتهي التوتر في أقرب وقت، ويرون أن صب الزيت على نار الأزمة ليس لصالح البلدين الشقيقين، بل يخدم أجندات إسرائيل وإيران.

الأتراك المؤيدون للحكومة منقسمون بين من يرون أن تشديد الانتقادات الموجهة إلى القيادة الأذربيجانية بسبب حظر الحجاب يخدم القوى التي تسعى إلى ضرب العلاقات التركية الأذربيجانية، ومن يرفضون الصمت أمام تعرض بنات الأذربيجانيين المتدينين من الطالبات والمعلمات المحجبات لهذا الظلم، ويقولون إنهم لا يمكن أن يتجاهلوا ما يتعرض المسلمون من ظلم واضطهاد في أي بقعة من العالم حتى لو غضت الحكومة الطرف عنها لحسابات سياسية واقتصادية.

العلاقات التركية الأذربيجانية متجذرة ومتشابكة، ومن الصعب أن تنهار بأزمات عابرة، كما أن هجوم علييف على أنقرة دون تسميتها يدل على أنه يعرف حدوده في انتقاد تركيا. ولذلك، ليس متوقعا أن تشتد الأزمة الحالية بين أنقرة وباكو، وإن استمرّ التصعيد من قبل أذربيجان، خلافا للمتوقع، فسيكون ذلك أكبر خطأ يرتكبه علييف. وأما حظر الحجاب في أذربيجان فمن المؤكد أن الشعب الأذربيجاني سيقوم بما يجب فعله لإلغائه.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)