أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في
سوريا بيانا تعبر فيه عن
تمسكها بالبقاء والحق في الممارسة السياسية، رافضة كل الدعوات التي انطلقت تقترح حل
الجماعة بعد سنوات من الكفاح والنضال ضد النظام، وبهذا قطعت الجماعة كل التكهنات والافتراضات
التي تصورت أن حل الجماعة والاندماج الكلي في الدولة السورية هو السبيل الأصح والطريق
الأمثل للحالة التي تمر بها سوريا، بعد سنوات طويلة تكللت بالنجاح والانتصار الذي حققته
الثورة بإسقاط نظام الأسد في أواخر عام 2024م.
والحق أن تلك الدعوات التي رددها ناشطون وإعلاميون مقربون
من الإدارة الجديدة وحتى مسئولون قد صدرت ولما يمض على الانتصار بضعة أشهر، زاعمة أن
ذلك المطلوب يتفق ويتسق مع ما أعلنته الفصائل المسلحة من حل تشكيلاتها المسلحة والاندماج
ضمن سورية الموحدة. لكن مما يؤسف له أن تلك الدعوات رافقتها حملات إعلامية موجهة تتهم
الجماعة وترميها بكل نقيصة، وهذه الموجات من الاتهامات منها ما هو حق وأكثرها باطل
ومنها الحق الذي أريد به باطل.
بداية لا بد أن نقرر جملة من الحقائق تعمل على كشف الحقيقة
وتضع النقاط فوق الحروف، أولها: أن الإخوان المسلمين جزء من الذاكرة التاريخية للدولة
السورية الحديثة ذات الحدود المعروفة إلى اليوم، حيث تأسست الجماعة في منتصف الأربعينات
على يد الدكتور مصطفى السباعي قبل الاستقلال التام للدولة عن الاستعمار، وشاركت بنشاط
وفاعلية في تأسيس حياة برلمانية ديمقراطية، وأثرت الحياة السياسية والاجتماعية بعلماء
ومفكرين خطوا ورسموا مع القوى السياسية الأخرى دستوراً يضمن الحريات والحقوق العامة؛
مما لو استمر العمل به وسارت الأمور على هذا النحو لكان للدولة شأن آخر غير الذي انتهت
إليه من الاستبداد بفعل عدد من الانقلابات العسكرية التي بدأت أواخر الأربعينيات، حتى
ختمت تلك السلسلة المظلمة بالانقلاب الأسدي الذي أطاح بكل شيء في طريقه، مؤسساً دولة
طائفية استمرت أكثر من خمسة عقود عانى السوريون بسببها الويلات حتى تخلصوا منها أخيراً.
هذه الدعوة خطيرة بما يكفي لأنها ستكون مبرراً لدعوات أخرى تصادر الحريات والرأي تحت دعاوي ومبررات لن يعدم أحد إيجادها، وما يطال الإخوان اليوم حتما سيطال غيرهم، وحينها لن تعدم السلطة صاحبة المصلحة أياً كانت عن إيجاد وتصيد أخطاء هنا وهناك تبرر ما تقوم به من مصادرة وقمع
ومما لا يمكن تجاهله أن الجماعة عانت أكثر من غيرها ونالها
من القمع والاضطهاد أضعاف ما نال غيرها، وهي الحركة المدنية التي خافها نظام الأسد
حتى وصل به الحال لإصدار القانون 49 الذي ينص على إعدام كل من يثبت مجرد انتمائه للإخوان
المسلمين، وتحملوا أكثر من غيرهم فاتورة كبيرة من القتل والسجون والنفي طالت جميع كوادرها
بلا استثناء. فإنكار ذلك النضال الطويل مما لا يمكن أن يقع فيه ثائر بحق خرج يرفع ظلماً
وينال حرية طالما سلبها المستبدون والطغاة، صحيح أن ذلك التاريخ الطويل من النضال والمقاومة
لا يمنحها صكاّ يبرر رفعهم فوق السوريين وإعفاءهم من المسؤولية ولا يجعلها فوق النقد
والمراجعة، لكن لا يبلغ النقد حد مصادرة الحق في الممارسة السياسية والتعبير عن الآراء
بحرية والدعوة لحل الجماعة التي فاق عمرها الثمانين عاما؛ هذه الدعوة خطيرة بما يكفي
لأنها ستكون مبرراً لدعوات أخرى تصادر الحريات والرأي تحت دعاوي ومبررات لن يعدم أحد
إيجادها، وما يطال الإخوان اليوم حتما سيطال غيرهم، وحينها لن تعدم السلطة صاحبة المصلحة
أياً كانت عن إيجاد وتصيد أخطاء هنا وهناك تبرر ما تقوم به من مصادرة وقمع.
وقد تناسى أو تعامى أصحاب هذه الدعوات عن أن كثيراً من الأحزاب
والجمعيات ما زالت موجودة إلى اليوم وتمارس عملها، ولم يفكر أحد بدعوتها للحل كما دعوا
لحل الجماعة مثلا بمثل وسواء سواء. وذلك يبين أن تلك الدعوات مريبة لا تستهدف المصلحة
العامة للدولة، وليس ذلك إلا خوفاً من كون الجماعة التنظيم الوحيد والحركة السياسية
القادرة على الحشد والتعبئة وتلك مزية لا يمتلكها غيرهم في الوقت الحالي، فدعاوى الحل
تخفي وراءها الخوف من المنافسة لكنها تزين ذلك بدعوى الحفاظ على مصلحة الدولة.
ثم إنه من السذاجة أن يتصور أحد أن الإخوان الذين صمدوا
وبقيت جماعتهم في وجه نظام الأسد في لحظات عتوه وإجرامه من الممكن أن يقوموا بحل جماعتهم،
وهي التي خاضت صراعاً ونضالا سياسياً ومسلحا خصوصاً بعد مذبحة حماة عام 1982م وانبثقت
من رحمها الطليعة المقاتلة التي أرهقت النظام إلى آخر عهد الأسد الأب. يتصور البعض
أن من تحملوا تلك الفاتورة ورفعوا وحدهم راية المعارضة؛ في الوقت الذي انزوى فيه الجميع
وخفتت الأصوات رعباً وخوفاً وتحملوا الفاتورة ودفعوها من أعمارهم وأموالهم وحتى أنفسهم؛
يمكن أن يستجيبوا لتلك الدعوات، فحتماً ما تلقاه الجماعة لن يكون أبدا وبأي حال من
الأحوال كالذي لاقته من النظام زمن الأب والأبن.
والمحزن حقاً أن الداعين لمثل هذه الدعوات من معسكر الثورة
يروجون لمغالطات تدعي أن للإخوان السوريين موقفاً وديّا من إيران، مع أن بيانات الجماعة
تشهد بالعداء الشديد للموقف الإيراني من الثورة والمليشيات الإجرامية التي زجت بها
طهران في أتون الصراع والقتال ضد الثوار لصالح النظام المجرم، ويتغافل هؤلاء كما غيرهم
أن الإخوان السوريين قد سبقوا إلى التحذير من نظام الولي الفقيه يوم خدعت شعاراته الكثيرين،
فألف فقيه الجماعة الشيخ سعيد حوى كتاباً بعنوان: الخميني شذوذ في الفكر شذوذ في العقائد.
ولا تنسى الجماعة ما قام به الخميني من دعم لنظام حافظ الأسد وإمداده بالوسائل اللازمة
لتثبيت أركان حكمه، ومساعدته الفاعلة في ممارساته من قتل ومذابح شابت لهولها وفظاعتها
أجيال من السوريين. والجماعة أكثر من غيرها قد اكتوت بنار الولي الفقيه، وتدرك دوره
المركزي فيما حل بالسوريين من قمع وتعذيب، زاد ذلك البغض وتضاعف بموقف إيران من ثورة
الشعب السوري وتدخلها لمساعدة النظام بالمليشيات والدعم المالي والسلاح في قمع الثورة
والمذابح التي مارستها أذرعها الطائفية من لبنان والعراق حتى أفغانستان وباكستان.
ولا تقف دعوى الحل عند ذلك الحد، بل تتعدى إلى القول بأن
الفصائل المسلحة قد اندمجت وقامت بحل تشكيلاتها واندمجت ضمن الإطار الموحد للدولة،
وتلك مفارقة يجهلها أصحاب تلك الدعوات؛ أنّ الإخوان ليسوا فصيلاً مسلحاً وإن كانوا
قد شاركوا في القتال ضد النظام كغيرهم من السوريين، فهم تيار يعبر عن شريحة واسعة من
السوريين وليس فصيلاً عسكرياً نشأ لغرض وانتهى بانتهائه.
ثم إن الواقع يشهد أن للجماعة رأياً مستقلاً يختلف ويتعارض
حد الصدام مع مواقف الجماعة في مصر، وتتبني توجهاً وطنياً لا يتأثر بامتدادات الجماعة
وفروعها خارج سوريا، فقد صدرت عنها بيانات غاضبة تعترض على مواقف الإخوان في مصر من
التعزية بوفاة المرشد الإيراني، وأدانت موقف الحركة الخضراء بإعادة العلاقات مع النظام،
ولم تفوت الجماعة مناسبة ولا فرصة إلا وقامت بالتأكيد على ذلك الموقف المبدئي الذي
يتبناه غالب السوريين من إيران لموقفها من النظام المجرم.
ولا تكاد تنقضي العجائب هذه الأيام، فما لا يمكن هضمه موقف
الجماعة الإسلامية في مصر من دعوات الحل، فخرجت بياناتهم وعبر قادة ناشطون تابعون لهم
كثيراً عن ضرورة قيام الإخوان بحل جماعتهم على اعتبار أن الرئيس السوري أحمد
الشرع
هو ولي الأمر الشرعي الذي تجب له البيعة، مما يحتم -وفق زعمهم- حل كل التنظيمات بدعوى
أنه لا يجوز أن تكون هناك بيعتان، وقد خاضوا في هذه القضية كثيراً على وسائل التواصل
الاجتماعي. والعجيب أن ذلك التوجه يصدر من فئة مارست العنف والتكفير قولاً وفعلاً،
ولها تاريخ مؤلم لا ينساه المصريون في حقبة الثمانينيات والتسعينات، حيث تورطوا في
أعمال عنف هزت الدولة والمجتمع هزاً عنيفا، بل وصل الحال ببعضهم للتحريض علانية
على الإخوان واستخدام أقسى الإجراءات لإجبارهم على ذلك، بما يعيد إنتاج نسخة قمعية
لا تختلف كثيراً عما قام به نظام الأسد في العقود السابقة.
غير أن أنه مسألة البيعة التي أثيرت لها من الإشكاليات التي
يصاحبها الجدل كثيراً، ومع ذلك فالبيعة عند الإخوان ليست كما يفهمها خصومهم، بل هي
ميثاق وعهد للعمل وفق آليات وإجراءات متبعة ومعروفة عند الجماعة كما هو الحال في جميع
الأحزاب والحركات الإصلاحية، وعليه فليست لها تلك الحمولة الدينية والسياسية التي درج
عليها الفقهاء وأفاضوا في بيانها واشتراطها للحاكم المسلم.
الإخوان ليسوا فوق النقد ومسيرتهم تحتاج إلى إعادة نظر، وطريقتهم لا غنى لها عن التجديد والتطوير وفق آليات العصر وبما يتناسب مع ظروف الدولة، وما لم تخالف الجماعة قانوناً ولم ترتكب ما يوجب العقاب فليس لأحد حتى مجرد الدعوة لحلها
وقد يقال بأن الجماعة سبق وقامت بفعل ذلك أيام الوحدة مع
مصر، لكن الحق يقال إن ذلك يشهد لهم لا عليهم، فإنهم لما رأوا المصلحة في الوحدة مع
مصر لم يعارضوا ذلك، رغم الموقف الذي اتخذه الرئيس المصري جمال عبد الناصر من الإخوان
في مصر، وكان لهم أن يتعصبوا لمن ينتمون لنفس فكرهم وجماعتهم، لكنهم لم يفعلوا وقدموا
مصلحة الدولة على كل شيء. ثم إن تجربة الحل في زمن الوحدة لا تشجع على تكرارها، والكل
على علم بما آلت إليه الأمور بعد ذلك، يضاف إلى ذلك أن الزمان والأحوال والظروف تختلف
تماماً.
ومع ذلك فالإخوان ليسوا فوق النقد ومسيرتهم تحتاج إلى إعادة
نظر، وطريقتهم لا غنى لها عن التجديد والتطوير وفق آليات العصر وبما يتناسب مع ظروف
الدولة، وما لم تخالف الجماعة قانوناً ولم ترتكب ما يوجب العقاب فليس لأحد حتى مجرد
الدعوة لحلها، وقانون الأحزاب يمكن أن يصدر على أي حال في قابل الأيام وحينها يمكن أن تقوم
الجماعة بتأسيس حزب سياسي بمبادئ معلنة وأهداف مشروعة يضمن لهم المنافسة كما لغيرهم
هذا الحق تماماً.
وحقيقة الأمر أن حل الجماعة الذي يطرحه البعض في محاولة
لتطمين الخارج لن يجلب لسوريا أمناً ولا رفاهية اقتصادية كما يتوهمون، والخطورة في
أن الرهان على تلك الطروحات يجعل القرار السيادي للدولة مرتهناً بالخارج، إذ إن إبعادهم
لم يجلب النفع للدول التي قامت بإقصائهم وقمعهم، بل وصلت الأحوال في تلك الدول حداً
خطيراً من الانهيار والانحدار على كافة المستويات، والواقع يشهد بذلك ويؤكده بما لا
مزيد عليه.
نخلص من هذا أن للجماعة أخطاء وزلات تخللت مسيرتها الطويلة
كشأن من يتصدر العمل السياسي والاجتماعي، والأولى قدح زناد العقل في تقويم المسيرة
ووضع اليد على مواطن الضعف بدل الانشغال بقضايا فارغة وكيل الاتهامات والافتراءات،
واجتناب مثل تلك الدعوات والتوقف عن ممارسة الوصاية والتحدث بصيغة الاستعلاء، فكل له
الحق في وطن يكفل حرية العمل السياسي ويقبل فكرة التعددية وتداول السلطة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.