هل تقبل القاهرة بصفقة سلاح من "مقبرة طائرات" الجيش الأمريكي؟

الطائرة لم يعد لها قطع غيار في الولايات المتحدة- متحف سلاح الجو الأمريكي
الطائرة لم يعد لها قطع غيار في الولايات المتحدة- متحف سلاح الجو الأمريكي
شارك الخبر
قال مواقع عبرية إن أمريكا باعت لمصر، 4 طائرات متقاعدة للتزويد بالوقود من طراز (KC-10A Extender)، كانت خرجت قبل عامين من خدمة الجيش الأمريكي بعد 43 عاما من العمل بقواتها الجوية (١٩٨١-٢٠٢٤)، ما يثير علامات استفهام حول أسباب قبول القاهرة بصفقة من "مقبرة الطائرات" الأمريكية واستدعائها للخدمة بأكبر جيش عربي، والمصنف بالمرتبة الـ19 عالميا.

والخميس الماضي، نقلت مجلة "Aviation Week" -أكبر مزود لمعلومات وخدمات الطيران والفضاء والدفاع في العالم- عن القوات الجوية الأمريكية، إعلانها نقل 4 طائرات من طراز بوينغ (KC-10 Extender) للتزود بالوقود، والتي تم إخراجها من الخدمة أيلول/سبتمبر 2024، إلى دولة شريكة في شمال أفريقيا، مرجحة أن تكون مصر أو المغرب، دون الكشف عن جدول زمني للصفقة، أو موافقة الكونغرس.

اظهار أخبار متعلقة



والأربعاء الماضي، أعلنت "إدارة دورة حياة سلاح الجو الأمريكي" (AFLCMC)، البحث حول جهة قادرة على إعادة بعض طائرات التزود بالوقود (KC-10)، للخدمة، وتوفير تصريح طيران لمرة واحدة، وإعادة تشغيلها، ونقلها جواً"، ملمحة إلى أنه سيتم نقل الطائرات للدولة الشريكة، عبر برنامج فائض المعدات الدفاعية (EDA)، الذي يسمح بنقل معدات لم تعد بحاجة إليها للحلفاء والشركاء، بسعر مخفض أو كمنحة، لتتحمل الدولة المستفيدة كلفة التسليم وكلفة التجديد.

ولفتت المجلة إلى أن القوات الجوية الأمريكية كانت تُشغل سابقًا 59 من طائرات التزود بالوقود ذات المحركات الثلاثة التي بنتها شركة (ماكدونيل دوغلاس) قبل إخراج الأسطول بأكمله من الخدمة، ونقل آخر طائرة إلى (مقبرة الطائرات) بصحراء أريزونا، أو (مركز التخزين) بقاعدة "ديفيس-مونثان" الجوية في أيلول/سبتمبر 2024، لكن في أيار/مايو الماضي، فازت شركة (أوميغا إير) بـ10 طائرات طرحتها القوات الجوية بمزاد علني.

مواصفات الطائرة.. وأهميتها لمصر


ووفق موقع "ذا وور زون" (TWZ) لا يملك سلاح الجو المصري طائرة تزويد مخصصة، ويعمل على اقتناء طائرتين أمريكيتين من طراز (C-130J-30) هيركوليز للنقل الجوي والتزويد بالوقود بطريقة "الخرطوم مع المخروط"، في الوقت الذي يشغّل الجيش المصري أسطولًا متنوعًا من المقاتلات، بينها (F-16) الأمريكية التي لا تتزود في الجو إلا عبر الذراع الصلبة الطائرة (flying boom) الذي تتميز به (KC-10 Extender) والتي تقوم أيضا بتزويد المقاتلات بالوقود بطريقة "الخرطوم مع المخروط"، (hose-and-drogue).

وفي حين لفت الموقع الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، إلى أن "إعادة طائرات عسكرية كبيرة إلى الخدمة أمرًا مكلفًا ومعقدًا ويستغرق وقتًا طويلًا"، ألمح إلى فائدة الحصول على تلك الطائرات عبر برنامج (EDA) بسعر منخفض، بالمقارنة مع كلفة اقتناء طائرات تزويد جديدة.

وبين أن مصر لم تشغّل من قبل طائرة تزويد بالذراع الصلبة، وقد تشكل (KC-10 Extender) المستعملة نقطة دخول مفيدة لأي سلاح جو، ليشير إلى احتمال ألا تكون الطائرات مخصصة للتزويد بالوقود بل للنقل الجوي، خاصة وأن نقل الشحنات كان مهمة أساسية للطائرة التي تخدم لدى القوات الجوية الأمريكية منذ عام 1981، وجمعت بين: تزويد الطائرات الأخرى بالوقود أثناء الطيران، ونقل الأفراد والمعدات والإمدادات.

المنصة السويسرية "MiGFlug"، قالت إن طائرة "KC-10" نسخة عسكرية معدلة من طائرة "DC-10"، وقد كانت دائماً أكثر من مجرد ناقلة وقود، وتتيح محركاتها الثلاثة من طراز "GE CF6-50C2" حمل 356 ألف رطل وقود (160 طنًا)، كما يمكنها حمل 75 شخصًا و170 ألف رطل بضائع، وفقًا للموقع الرسمي للقوات الجوية الأمريكية.

وأكد الموقع السويسري أن مصر لا تمتلك طائرات تزويد بالوقود جواً، وقد تجلى هذا النقص بوضوح خلال مناورات "نسور الحضارة 2026"، عندما قامت طائرة التزود بالوقود الصينية "YY-20" بتزويد طائرة رافال مصرية بالوقود، فيما وُصف بأنه أول عملية تزويد صينية موثقة علنًا لطائرة مقاتلة غربية الصنع بالوقود.

وأوضح أن (YY-20) الصينية تزود بالوقود عبر (المسبار والخرطوم) بما يناسب طائرات (MG 29) و(رافال) التي تمتلك منها مصر 54 وطلبت 24 أخرى من شركة (داسو) الفرنسية مطلع أيلول/سبتمبر الماضي، مبينا أن الطائرة الصينية لا يمكنها تزويد (F16) المصرية بالوقود، في المقابل، تستطيع (KC-10) القيام بذلك، وقد تدرب طيارو (F16) المصريون على التزود بالوقود خلف طائرات أمريكية بمناورة "النجم الساطع 2023".

ورغم أن إشعار إدارة دورة حياة سلاح الجو الأمريكي" (AFLCMC)، لم يفصح عن الوجهة الأساسية للطائرات الأربعة، وأشارت المواقع الأمريكية إلى احتمالين هما مصر أو المغرب، إلا أن مصادر عسكرية إسرائيلية، بينها المحلل الدفاعي والأمني الإسرائيلي بابك تقوايي، أكدت أن الصفقة للجيش المصري، وهو ما نقله أيضا موقع "Pronews" اليوناني، عن مصادر إسرائيلية.

لكنه ومع ما تسوقه المواقع الغربية عن أهمية الطائرة لمصر، فإن الصفقة تعني وفق رؤية الصحفي الاستقصائي ناجي عباس، أن "الطائرات مستعملة وهي من الطراز الكبير والثقيل وثلاثي المحركات مكلف التشغيل، كما أن بعضها في المخزون الأمريكي ينقصه محركات، حيث حلت محله تدريجيا ناقلات (KC-46)"، وفق إعلان واشنطن حين أخرجت تلك الطائرات من الخدمة، ما يجعل العبء الحقيقي في الصيانة وقطع الغيار والتدريب، بحسب عباس.

وفي واقعة مماثلة، وإثر رفض أمريكي لحصول مصر على الطائرة الروسية "SU 35" أعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية فرانك ماكنزي، في آذار/مارس 2022، أن مصر مرشحة لتلقي 46 طائرة مقاتلة من طراز "F-15EX"، في صفقة رفضها  لاحقا المشرعون الأمريكيون، أشارت التقارير إلى إمكانية حصول مصر –في صفقة لم تكتمل- على بديل يتمثل في طائرات "F-15C/D" المستعملة من مخزون القوات الجوية الأمريكية التي يبلغ عمرها قرابة 40 عامًا ولا تمتلك قدرات جو-أرض قوية مثل طائرة "F-15EX" الأكثر تطورًا.

أمر وارد ومعتاد دوليا.. ولكن


وحول مدى صحة ما تثيره المواقع العبرية حول كون الصفقة للجيش المصري، وأهميتها، وأيضا أسباب القبول بسلاح مستعمل، وهل لوجود تخفيضات بالسعر أو تسهيلات في الدفع أو لتحميل الجانب الأمريكي بند الإصلاح والصيانة، وتكرار مثل تلك الصفقات سابقا، والبديل غير الأمريكي الذي كان يمكن لمصر أن تحصل عليه وتكلفته، تحدث الباحث المصري والمتخصص في تحليل البيانات حسام عبدالكريم، لـ"عربي21".

وقال إنه: "رغم تداول أنباء نقلًا عن مصادر عسكرية إسرائيلية غير موثقة، بأن مصر هي الدولة المستفيدة، فلا توجد حتى الآن تصريحات أمريكية أو مصرية رسمية تؤكد ذلك".

وأوضح أن طائرات "KC-10A Extender"، "تُستخدم في تزويد المقاتلات بالوقود أثناء الطيران، بما يسمح بتوسيع نطاق عملياتها وزيادة مدة بقائها في الجو، فضلًا عن استخدامها في النقل العسكري الاستراتيجي، وتتميز بحمولة وقود تصل إلى نحو 160 طنًا، وهي مناسبة لدعم المقاتلات من طراز F-16 الأمريكية، وRafale  الفرنسية".

وبين أن الطائرة "KC-10A"، "دخلت الخدمة في سلاح الجو الأمريكي عام 1981، وشغَّلت أمريكا 60 طائرة من هذا الطراز، قبل إخراج آخر طائرة منها من الخدمة في 26 أيلول/سبتمبر 2024، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة وصعوبة توفير قطع الغيار، كما لا تمتلك أي دولة أخرى في العالم طائرات من هذا الطراز ضمن أسطول قواتها الجوية".

ويرى الباحث المصري، أن "عملية شراء سلاح قديم لا تعتبر مشكلة في حد ذاتها، فهو أمر وارد وتقوم به العديد من الدول طبقًا لاحتياجاتها العملية والتشغيلية، طالما السلاح يلبي ذلك بكفاءة عالية، وذلك بصرف النظر عن ذرائع خروج تلك الأسلحة من الخدمة".

ولفت إلى أن "الأمر لا يتعلق بالضرورة بتراجع كفاءة السلاح، حيث يقف خلف ذلك العديد من الأسباب الأخرى، بعضها يتعلق بعمليات التحديث، وبعضها بعمليات التكامل مع المنظومات الأخرى، وبعضها يتعلق بوجود فائض غير مستغل وغيره من الأسباب".

معضلة الأزمات الفنية


واستدرك: "لكن في حالتنا التي نتناولها، يتعلق الأمر بوجود مشكلة فنية رئيسية في الناقلة  (KC-10A)، حيث أنها  تعتمد على هيكل الطائرة المدنية (DC-10)، التي أنتجتها شركة (McDonnell Douglas)، وتوقف إنتاجها منذ عقود، قبل استحواذ بوينج على الشركة عام 1997، كما تعمل بـ3 محركات قديمة من طراز (General Electric CF6-50C2) ما يزيد أعباء صيانتها، خاصة مع تقلص الموردين وتوقف تصنيع العديد من مكوناتها، إضافة إلى توقف العديد من الفنيين عن صيانة هذا النوع من الطائرات".

وعلى النقيض، فلا تزال تشغل أمريكا الناقلات من طراز (KC-135 Stratotanker)، على الرغم من أنها أقدم في العمر حيث دخلت الخدمة عام 1957، كون تصميمها يقوم على طراز (Boeing 367-80)، وهو ما يتيح لسلاح الجو الأمريكي الاستمرار في عمليات تحديث محركاتها وأنظمتها مع توافر شبكة دعم فني وقطع غيار أوسع، كما يعتمد سلاح الجو الأمريكي على الناقلات من طراز (KC-46A) الأحدث، المصممة على هيكل (Boeing 767)، الذي لا يزال أيضًا يحظى بدعم إنتاجي وفني كبير؛ وبالتالي فإن أزمة (KC-10A) لا ترتبط فقط بعمر الطائرة، وإنما بتراجع منظومة تصنيع مكوناتها وصيانتها ودعمها اللوجستي".

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح عبدالكريم، أنه "لذلك، فستكون مصر أمام معضلة كبيرة، في حال اشترت هذا الطراز من الطائرات، فالأمر لا يتعلق فقط بفرصة الاستحواذ على طائرات نوعية منخفضة التكلفة، تلبي احتياجًا أساسيًا لدى الجيش المصري لا يتوافر لديه أي بديل لتلبيته، حيث تمثل تكلفة إعادة تأهيل الطائرات وتوفير المحركات الجديدة المحدَّثة، فضلًا عن تكلفة التشغيل من توفير قطع الغيار والتدريب والصيانة".

"إضافة إلى وجود شكوى من سلاح الجو الأمريكي نفسه من عدم توفر قطع الغيار المطلوبة والصيانة المستمرة اللازمة باستمرار، يمثل ذلك كله أعباءً مالية وفنية كبيرة، تتزايد كل عام بشكل تصاعدي مركب".

وكشف مقطع مصور عن سوء حالة الطائرة تظهر فيه هبوط شديد الدخان لـ"KC-10A".


فرض العباءة الأمريكية


وفي السياق، أشار الباحث المصري أيضا أن "ذلك سيجعل مصر شديدة الاعتماد على الولايات المتحدة وشركاتها في توفير المكونات والدعم الفني اللازم لاستمرار جاهزية هذا الطراز النادر، دون وجود بدائل في السوق العالمية، وهو اعتماد يتعارض مع توجه مصر خلال السنوات الماضية إلى تنويع مصادر تسليحها وتقليل اعتمادها النسبي على الولايات المتحدة".

وفي نهاية حديثه يعتقد أنه "لذلك، ففي حال كانت مصر هي بالفعل العميل المقصود، فإن ذلك سيثير تساؤلات جادة عن جدوى إدخال منظومة جوية جديدة إلى سلاح الجو المصري، ستصبح مسألة استدامة تشغيلها مرهونة بالدعم الأمريكي، وليس بمجرد امتلاك الطائرات نفسها، في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات بضرورة الخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية على مصادر التسليح المصري".
التعليقات (0)