صراع النفوذ يتسع.. الجزائر والإمارات في مواجهة مفتوحة بالساحل

الجزائر لا تنظر بالضرورة إلى المغرب والإمارات باعتبارهما طرفا واحدا - جيتي
الجزائر لا تنظر بالضرورة إلى المغرب والإمارات باعتبارهما طرفا واحدا - جيتي
شارك الخبر
دخلت العلاقات بين الجزائر والإمارات مرحلة جديدة من التوتر، في وقت تتحرك فيه الجزائر لاستعادة حضورها الإقليمي في منطقة الساحل، بينما تواصل أبوظبي توسيع نفوذها وعلاقاتها في عدد من دول المنطقة، وهو ما يضع المغرب في موقع حساس داخل هذه المعادلة، باعتباره حليفا وثيقا للإمارات وخصما إقليميا للجزائر.

وقالت مجلة "جون أفريك" الفرنسية إن القطيعة بين الجزائر وأبوظبي قد تتجاوز تداعياتها حدود العلاقة الثنائية بين البلدين، لتؤثر في توازنات إقليمية مرتبطة بالمغرب والساحل وليبيا والسودان، خصوصا أن الإمارات أصبحت من أقرب حلفاء المغرب، بينما تسعى الجزائر إلى استعادة موقعها كقوة إقليمية مؤثرة في محيطها.

وأشارت المجلة إلى أن الجزائر تتحرك في وقت كثفت فيه قوى أجنبية حضورها وتدخلاتها في المنطقة، وتحتل الإمارات موقعا خاصا بين هذه القوى، بسبب علاقاتها الوثيقة مع المغرب، الذي تعتبره الجزائر منافسها الإقليمي الرئيسي.

وبحسب إبراهيم أومانسور، مدير مرصد المغرب العربي في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS)، فإن التقارب الإماراتي المغربي يغذي داخل الجزائر شعورا بالحصار.

وتابعت "جون أفريك" أن أبوظبي تدعم الموقف المغربي من قضية الصحراء الغربية، وكانت في عام 2020 أول دولة عربية تفتح قنصلية في مدينة العيون، كما شهد العام نفسه تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، ثم المغرب وإسرائيل.

لكن ما يثير قلق الجزائر، وفقا للمجلة، لا يتعلق فقط بموقف الإمارات من الصحراء الغربية، وإنما أيضا بالأساليب التي تستخدمها أبوظبي في إدارة علاقاتها وتدخلاتها الإقليمية.

ففي ليبيا، دعمت الإمارات وسلحت قوات خليفة حفتر، بينما تواجه أبوظبي اتهامات بأنها الداعم الخارجي الرئيسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، في السودان، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.

وأشارت "جون أفريك" إلى أن منظمة العفو الدولية حددت هوية قنابل موجهة ومدافع هاوتزر صينية، وقالت إن هناك شبه تأكيد على إعادة تصديرها عبر الإمارات واستخدامها من جانب قوات الدعم السريع.

وفي يناير 2025، خلصت الولايات المتحدة إلى أن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية، كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات موجودة في الإمارات بسبب تمويلها أو تزويدها قوات الدعم السريع بالأسلحة.

وترى المجلة أن هذه السياسة الإماراتية، التي وصفتها بأنها تدخلية وأحيانا محفوفة بالمخاطر، تتعارض مع النهج الجزائري، كما أن تداعياتها باتت تقترب من الحدود الجزائرية.

ونقلت "جون أفريك" عن جلال حرشاوي، الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، أن خطوط التوتر التي بدأت من السودان تمر حاليا عبر تشاد وتصل إلى النيجر.

اظهار أخبار متعلقة


وفي نهاية أغسطس الماضي، وبعد يوم واحد من محاولة انقلاب في العاصمة النيجرية نيامي، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز Su-30 إلى النيجر، ترافقها طائرة للتزود بالوقود في الجو، بحسب المجلة.

وقال إبراهيم أومانسور إن الجزائر لم تعد تريد الاكتفاء بمراقبة تدهور الأوضاع في منطقة الساحل، مشيرا إلى أن عقيدة عدم التدخل التي قيدت تحركاتها خارج حدودها لفترة طويلة لم تعد تدفعها إلى الاكتفاء بالمراقبة.

المغرب بين الإمارات والجزائر


في الرباط، لم تصدر السلطات تعليقا على القطيعة بين الجزائر والإمارات، في وقت كانت فيه العلاقات المغربية الإماراتية قد شهدت تقاربا واضحا خلال الفترة الأخيرة.

وقبل ثلاثة أشهر فقط من القطيعة، التقى العاهل المغربي الملك محمد السادس بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد في الرباط، خلال زيارة خاصة أجراها الأخير، وأشاد الديوان الملكي آنذاك بما وصفه بـ"الشراكة الاستراتيجية" و"التضامن الفاعل" بين البلدين.

وأوضحت "جون أفريك" أن هذا اللقاء جاء بعد عودة التقارب بين الرباط وأبوظبي، عقب فترة من التوتر الدبلوماسي بين عامي 2017 و2020، على خلفية خلافات بشأن قطر واليمن وليبيا وملفات أخرى.

لكن المجلة أشارت إلى أن الجزائر لا تنظر بالضرورة إلى المغرب والإمارات باعتبارهما طرفا واحدا في جميع الملفات.

وقال أومانسور إن ما يفعله المغرب في المنطقة يختلف عما تفعله الإمارات، موضحا أن المغرب والجزائر، رغم وصول التنافس بينهما إلى مستويات مرتفعة، يتقاسمان الجوار الجغرافي والمخاطر نفسها.

وأضاف أن البلدين يدركان أن استمرار حالة عدم الاستقرار أو تفاقمها لا يخدم مصالحهما.

وفي ليبيا، لم يساير المغرب الموقف الإماراتي بالكامل، فعندما كانت أبوظبي تدعم هجوم خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس، تبنت الرباط ما وصفته الباحثة ياسمينة أبو الظهور من جامعة برينستون بـ"الحياد النشط".

واستند الموقف المغربي إلى اتفاق الصخيرات الموقع عام 2015، حيث حافظت الرباط على اتصالات مع المعسكرين المتنافسين في ليبيا، كما انتقدت التدخلات الخارجية في الصراع.

وبحسب "جون أفريك"، كان الدعم الإماراتي لحفتر يتعارض بصورة مباشرة مع جهود الوساطة التي قادها المغرب في الملف الليبي.

اليمن يكشف حدود التقارب


وفي اليمن، ظهرت أيضا حدود التقارب بين المغرب والإمارات، إذ انضم المغرب عام 2015 إلى التحالف الذي قادته السعودية والإمارات في الحرب اليمنية.

لكن الرباط قلصت مشاركتها في التحالف بشكل كبير بعد إسقاط طائرة F-16 مغربية، قبل أن تنسحب منه بشكل كامل عام 2019.

وبعد 11 عاما من بدء التدخل في اليمن، لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد، بينما انقسم المعسكر المناهض لهم.

وأشارت المجلة إلى أن الرياض وأبوظبي تدعمان حاليا فصائل متنافسة في جنوب اليمن.

كما رصدت "جون أفريك" انتكاسات أخرى في ساحات مختلفة، ففي ليبيا أصبح خليفة حفتر يتعامل مع تركيا، التي كانت لفترة طويلة خصما للإمارات.

وفي السودان، تجد الإمارات نفسها في مواجهة الجيش النظامي، الذي يحظى بدعم دول من بينها مصر والسعودية.

أما في الصومال، فألغت السلطات في يناير الماضي شراكات الموانئ واتفاقيات الأمن والدفاع التي كانت تربطها بأبوظبي.

وقالت المجلة إن الإمارات، رغم إنفاقها موارد مالية وعسكرية كبيرة على توسيع نفوذها، لم تنجح دائما في بناء تحالفات طويلة الأمد، وربطت بين تدخلاتها في عدد من الملفات وبين استمرار حالة عدم الاستقرار في بعض الساحات.

المغرب يراهن على الاقتصاد والموانئ


في المقابل، تتبع الرباط نهجا مختلفا في منطقة الساحل، بحسب "جون أفريك"، إذ تعتمد على العلاقات الاقتصادية وشبكاتها التجارية، إلى جانب التعاون الديني والمبادرة الأطلسية.

وتستهدف المبادرة الأطلسية المغربية مساعدة دول الساحل غير الساحلية، وفي مقدمتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، على تجاوز عزلتها الجغرافية من خلال توفير منفذ إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية اللوجستية والموانئ المغربية.

وترى المجلة أن التقارب المغربي الإماراتي يمكن أن يمنح هذه الاستراتيجية دعما إضافيا، خصوصا في ظل الاستثمارات الإماراتية الكبيرة.

وفي عام 2023، وقع المغرب والإمارات مجموعة من اتفاقيات الاستثمار، شملت قطاعات من بينها الموانئ، إلى جانب مشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب.

وتعتبر "جون أفريك" أن هذه المشروعات تعزز ما وصفته بالامتداد المغربي باتجاه غرب أفريقيا.

عودة الجزائر إلى الساحل


وتكتسب القطيعة بين الجزائر والإمارات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بحسب المجلة، لأنها تأتي بالتزامن مع عودة الجزائر إلى التحرك على المستوى الإقليمي.

وخلال السنوات الماضية، تمكن المغرب من تعزيز نفوذه في منطقة الساحل، بينما دخلت الجزائر في خلافات مع باماكو وتراجع حضورها في بعض الملفات الإقليمية.

اظهار أخبار متعلقة


لكن أومانسور قال إن الجزائر تبنت حاليا موقفا جديدا وتسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها محورا ومستقرا إقليميا.

وفي هذا السياق، يتحرك المغرب والجزائر عبر مشاريع مختلفة في منطقة الساحل.

فالرباط تعمل على فتح دول الساحل غير الساحلية أمام المحيط الأطلسي، مستفيدة من موانئها وبنيتها التحتية وشبكاتها الاقتصادية.

أما الجزائر، فتعتمد على موقعها الجغرافي واستمراريتها الإقليمية، إضافة إلى بنيتها التحتية في مجال الطاقة وقدراتها الأمنية.

وبحسب "جون أفريك"، يمتلك المغرب في هذه المنافسة ميزة إضافية تتمثل في حليف يملك إمكانات مالية كبيرة، إذ يمكن لرأس المال الإماراتي أن يساعد الرباط على تنفيذ مشروعاتها الكبرى في غرب أفريقيا بوتيرة أسرع.

وترى المجلة أن القطيعة بين الجزائر وأبوظبي يمكن أن تمنح دفعة جديدة للتكامل بين المغرب والإمارات، خاصة في المشروعات الاقتصادية والاستثمارية المرتبطة بأفريقيا الغربية.

وفي المقابل، قد تدفع القطيعة الجزائر إلى البحث عن مساحات جديدة للتقارب مع قوى تختلف مصالحها مع الإمارات في عدد من الساحات، ومن بينها السعودية ومصر وتركيا.

لكن التداعيات المباشرة للقطيعة على البلدين قد تظل محدودة من الناحية الاقتصادية، بحسب أومانسور، الذي أشار إلى عدم وجود اعتماد متبادل كبير بين الجزائر والإمارات، معتبرا أن الخلاف يرتبط بموقف سياسي أكثر من كونه عقوبة اقتصادية.

واشنطن أمام معادلة صعبة


وتظل الولايات المتحدة أحد الأطراف المهمة في هذه المعادلة، إذ تدعم واشنطن خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، كما تعتبر المغرب شريكا عسكريا رئيسيا لها.

وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز تعاونها الأمني مع الجزائر، وهو ما يضع واشنطن أمام علاقات متوازية مع البلدين.

ويرى أومانسور أن خسارة الجزائر بالنسبة إلى الولايات المتحدة قد تدفعها إلى تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا.

وبذلك، فإن القطيعة الجزائرية الإماراتية، وفق الصورة التي ترسمها "جون أفريك"، لا تقتصر على خلاف بين دولتين، وإنما تتقاطع مع تنافس أوسع على النفوذ في المغرب العربي والساحل، ومع اختلاف واضح بين أدوات المغرب والجزائر في التعامل مع المنطقة، في وقت يمكن أن تمنح فيه العلاقة المتنامية بين الرباط وأبوظبي للمغرب دعما اقتصاديا إضافيا، بينما تسعى الجزائر إلى إعادة تثبيت حضورها الإقليمي.
التعليقات (0)