بعد أن طوّر نفسه.. كيف يمكن تمييز النص البشري من نص الذكاء الاصطناعي؟

أكّد تقرير بريطاني أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إنتاج نصوص سلسة وقريبة من الأسلوب البشري بشكل كبير - cco
أكّد تقرير بريطاني أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إنتاج نصوص سلسة وقريبة من الأسلوب البشري بشكل كبير - cco
شارك الخبر
لم يعد الأمر هيناً كما في السابق، حين كان من السهل اكتشاف النصوص المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر إعادة استخدام التعابير ذاتها، فضلاً عن وجود بعض العلامات مثل كثرة استخدام علامات الترقيم وغيرها.

فاليوم أصبح الأمر أكثر تعقيداً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلمها كيف يمكن أن تبدو أكثر بشرية، حيث بات من الصعب اكتشاف هذه النصوص والتعرف عليها حتى مع استخدام الأدوات المخصصة لذلك، وفق تقرير نشرته صحيفة "ذا كونفرزيشن" البريطانية.

ويؤكد التقرير الذي نشره موقع "لو بوان" الإخباري الفرنسي أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت الآن قادرة على إنتاج نصوص سلسة وقريبة من الأسلوب البشري بشكل كبير.

اظهار أخبار متعلقة


بهذا الشأن، تناولت الـ"بي بي سي" دراسة جديدة حملت عنوان "ما مقدار المحتوى المكتوب بالذكاء الاصطناعي على شبكة الإنترنت؟"، حيث جرى فحص مئات الآلاف من النصوص والمواد المنتشرة على الشبكة العنكبوتية، لقياس مدى تكرار ظهور علامات تشير إلى أن محتوى ما قد أُنشئ أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وحللت الدراسة نحو 490 ألف صفحة ويب باللغة الإنجليزية، لتكتشف أن نحو عشرة في المئة من جميع الصفحات التي نشرت في عيّنة تموز/يوليو 2026 أظهرت مؤشرات قوية على إنشائها بالذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت النسبة الثلث بين الصفحات المنشورة بعد إطلاق النسخة الأحدث من تشات جي بي تي.

وتكشف الدراسة التي أجراها مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة مدى تحول الذكاء الاصطناعي اليوم إلى سمة أساسية في عملية إنشاء المحتوى، فيما يطرح تساؤلاً حول مدى القدرة بالفعل على التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

كما تُطرح تساؤلات حول الأدوات الأكثر استخداماً لهذه التقنيات، فضلاً عما يتضمنه المحتوى العربي، وهل يسير استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاجه بالوتيرة نفسها التي تم اكتشافها في المحتوى باللغة الإنجليزية؟

ما هي بصمة الذكاء الاصطناعي في النَّص؟

يتقصّى الباحثون مجموعة من المؤشرات اللغوية والأسلوبية بحثاً عن علامة واضحة يتركها الذكاء الاصطناعي في النص، مثل الكلمات المستخدمة وطريقة تركيب الجمل وعلامات الترقيم وأنماط الكتابة المتكررة.

بهذا الشأن، تقول هدى بوعمر، الخبيرة في معالجة اللغة الطبيعية وتعلّم الآلة، وأستاذة مشاركة في جامعة كارنيغي ميلون في الدوحة، إنه "نظرياً، يمكن اكتشاف النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، لكن المهمة تزداد صعوبة مع تطور النماذج".

وتقول هدى لـ"بي بي سي" نيوز عربي: "في الإنجليزية، الأدوات أكثر تطوراً بينما لا تزال محدودة في العربية بسبب غياب مجموعات بيانات مرجعية كبيرة من ناحية، وتنوع الأنماط الكتابية العربية مثل الفصحى والعامية المكتوبة من ناحية أخرى؛ علاوة على ذلك، النصوص المولّدة آلياً قد تبدو أكثر كمالاً من الكتابة البشرية، ما يجعل التمييز بينها وبين النصوص البشرية أكثر تعقيداً".

وبحسب الدراسة آنفاً، تضاعف استخدام علامات مثل (ـــ) الشرطات الطويلة تقريباً منذ عام 2023، كما زاد استخدام كلمات وعبارات معينة حددها الباحثون بوصفها سمات مرتبطة بالنصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

ومع هذا، تؤكد الدراسة أن علامة واحدة بمفردها لا تستطيع إثبات أن نَصاً ما كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، فالفكرة هي جمع عدد من المؤشرات لتقدير احتمال وجود مشاركة للذكاء الاصطناعي.

هل يستوعب الذكاء الاصطناعي تنوّع اللغة العربية؟

ترى الخبيرة هدى بوعمر أن اللغة العربية تواجه تحديات مع الذكاء الاصطناعي أكثر من اللغات الأخرى، والسبب هو "قلة كمية البيانات الرقمية المتاحة باللغة العربية اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي مقارنة بالإنجليزية".

كذلك، فإن التنوع الكبير بين الفصحى واللهجات واللكنات سيزيد من تعقيد تركيب الكلمات الموثوقة، وكلها عوامل تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي تفهم الإنجليزية وتتعامل معها بشكل أفضل في كثير من الحالات.

من جهتها، تقول نهى ميللر، وهي بروفسورة في جامعة الشارقة وباحثة متخصصة في الإعلام العربي والصحافة الرقمية، لـ"بي بي سي" نيوز عربي: "صحيح أن فهم الذكاء الاصطناعي للغة العربية آخذٌ في التحسن، لكن التحدي لا يقتصر على اللغة فقط بل يشمل الثقافة أيضاً".

وتضيف: "قد تنتج نصاً سليماً لغوياً لكنه يعكس مرجعيات غربية أكثر من العربية. ناهيك عن أن الأنظمة العربية نفسها تواجه صعوبة في فهم بعض اللهجات بسبب التنوع الثقافي واللغوي الكبير في العالم العربي".

بدوره، يرى نزار حبش، وهو بروفسور في علوم الكمبيوتر في جامعة نيويورك أبوظبي وباحث متخصص في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية رقمياً، أن التحدي وتأثير الذكاء الاصطناعي بالنسبة للغة العربية "يتمثل في الازدواجية بين اللهجات والفصحى".

والسبب وفقاً لحبش "لأن الأخيرة ليست اللغة الأم التي يكتسبها الناس بصورة تلقائية، ويحتاج إتقان الكتابة بها إلى الكثير من التدريب والممارسة، وبما أن قراءة أي نص وتقييمه أسهل من كتابته من الصفر، فهنا يأتي دور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تقدم مساعدة هائلة ألا وهي خفض عتبة الكتابة بالفصحى وإتاحة التعبير لعدد أكبر من الناس عن أفكارهم بلغة سليمة، وهذا في اعتقادي هدية حقيقية للغة العربية".

هل يعزز استخدام الذكاء الاصطناعي من الإبداع أم يقلل من المهارة؟

بعد إطلاق تطبيق "تشات جي بي تي"، بات عدد من مستخدمي اللغة العربية يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في صياغة بعض رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية وحتى في الترجمة بدلاً من أدوات الترجمة التقليدية وإنشاء محتوى من الصفر.

ورغم عدم وجود إحصاءات خاصة بمستخدمي اللغة العربية، إلا أن البروفسور حبش يعتقد أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لا تختلف كثيراً عن اللغات الأخرى، وبخاصة في المراسلات وتنقيح الأسلوب وتصحيح الأخطاء والترجمة، إلى جانب إعداد الوثائق الرسمية وتلخيص النصوص وتوليد مسودات أولية للمحتوى.

ووفقاً لحبش، فإن فائدته في العربية قد تكون أكبر، لأنه يساعد المستخدم على الانتقال من الفكرة أو اللهجة المحكية إلى نص فصيح وواضح.

وهنا يطرح تساؤل مفاده "هل بإمكاننا القول إن مجرد الاستعانة بإحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي يجعل المستخدم (البشري) أكثر براعة في صياغة الكلمات أم يقلل من القدرة على تطوير الأفكار الخاصة به والتعبير عنها؟".

وفقاً للبروفسور نزار فإن "الذكاء الاصطناعي هو مجرد أداة، يمكن استخدامه كبديل عن التفكير ومحاورة أفكارنا واختبارها وتوسيعها. من يستخدمه لإنتاج أفكار لا يفهمها قد يبدو بليغاً من دون أن يمتلك مضموناً حقيقياً، ومن يستخدمه لمراجعة أفكاره وتحدّيها قد يصبح أكثر دقة وإبداعاً، وهذه المشكلة سبقت الذكاء الاصطناعي".

هل سيغير الذكاء الاصطناعي أسلوب البشر في الكتابة؟

وفقاً لتقرير الـ"بي بي سي"، ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في القصة كلها؛ فالمشكلة ليست فقط أن الآلات أصبحت قادرة على تقليد الكتابة البشرية، بل ماذا يحدث عندما يبدأ البشر أنفسهم في الكتابة بالطريقة التي تقترحها الآلات؟ وهل يُمكن للكتابة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي أن تُؤثر على أسلوب كتابة الصحفيين والكتّاب باللغة العربية؟".

بهذا الصدد، تقول البروفسورة نهى ميللر، إن احتمال توليد العربية الاصطناعية، واردٌ جداً، مستدركة بالقول: "إننا بحاجة إلى دراسات مطولة لإثبات هذه الاحتمالية، وعلى أية حال فإن الأنظمة الحالية تميل إلى توليد محتوى باللغة الفصحى أكثر من محاولة فهم جميع اللهجات".

ورجحت ميللر أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور نمط من الكتابة الرقمية يميل أكثر إلى العربية الفصحى، فضلاً عن أن الدراسات الموجودة حالياً تشير إلى استخدام عدد من الصحفيين العرب الذكاء الاصطناعي في الترجمة والتلخيص والتحرير، وهذا كله يؤثر على الأسلوب الصحفي".

اظهار أخبار متعلقة


من جهتها، ترى ميللر أن العلاقة تفاعلية، أي أن "الذكاء الاصطناعي يتعلم من لغة الصحفي، والصحفي بدوره يستخدم الذكاء الاصطناعي في الكتابة. لكن قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى التكرار أو تشابه الأساليب اللغوية".

وهنا يتكرر السؤال حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الكتابة باللغة العربية؛ هل سيكون إيجابياً أم سلبياً؟

يقول البروفسور نزار حبش إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مزيج من الفرصة والقلق، مع ميل واضح إلى الإيجابية. فبحسب رأيه، يمثل الذكاء الاصطناعي تطوراً بالغ الأهمية من ناحية تشجيع العرب على استخدام العربية بدلاً من التحول إلى الإنجليزية أو الفرنسية".

في الوقت نفسه، أثار حبش مخاوف جدّية بشأن تراجع الإبداع والمعرفة الأساسية والقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والتفكير المستقل. بعبارة أخرى، يرى أن المستقبل الإيجابي لا يكمن في تولّي الذكاء الاصطناعي الكتابة نيابةً عنا، بل في مساعدتنا على أن نكتب ونفكر بصورة أفضل.

التعليقات (0)