طائرة نتنياهو التي تهبط اضطراريا ولا تسقط

ياسر عبد العزيز
"هذا هو نتنياهو، وهذه طائرته التي قد تهبط اضطراريا، لكنها لا تسقط، لأن سقوطها يعني له الموت، لا سياسياً فقط، بل جنائياً أيضاً"- جيتي
"هذا هو نتنياهو، وهذه طائرته التي قد تهبط اضطراريا، لكنها لا تسقط، لأن سقوطها يعني له الموت، لا سياسياً فقط، بل جنائياً أيضاً"- جيتي
شارك الخبر
تشير الرواية الرسمية لحكومة تل أبيب إلى أن السبب الذي جعل طائرة فلا دبي تضطر إلى الهبوط اضطراريا في مطار تبوك، هو حادث عنيف داخل قمرة القيادة، بعد أن هاجم مساعد الطيار العماني همام الهمامي، قائدها بسكين، وحاول إسقاط الطائرة، قبل أن يتدخل أحد الركاب ويسيطر على الموقف، ليضيف الرئيس الأمريكي بعض التفاصيل للصحفيين، بأن من أنقذ الطائرة هو سبّاك، واستطاع أن يسيطر على الطائرة حتى وصل الطاقم البديل للطيارين والهبوط بها. ويضحك ترامب متعجباً أن السباك تعلم قيادة الطائرة من مشاهداته لبرنامج وثائقي يبث على القنوات الأمريكية.

لكن وزير الحرب "الإسرائيلي" كان له رأي آخر من اللحظة الأولى، إذ صرح يسرائيل كاتس بأن المعلومات الأولية تشير إلى أن ما حدث كان محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة وقتل جميع من فيها، ووصف الحادث بأنه محاولة اعتداء "جهادية"، فبدا أن هذه الرواية تكتسب دعما إعلامياً، حتى أصبح السؤال: هل كان مساعد الطيار ذئباً منفرداً أم أنه يعمل ضمن جماعة خططت له؟ لتظهر التحليلات الإسرائيلية، وتتكشف معلومات عن أن جهاز الموساد كان يبحث في ميول مساعد الطيار الذي تم رفضه في الطيران العماني بسبب ميوله الأيديولوجية، واستطاع أن يجد له فرصة في شركة فلاي دبي.

دور البطل المنقذ الذي يجيده نتنياهو قبل كل استحقاق انتخابي يلعبه بإتقان؛ فعلها أكثر من مرة، ونجح فيها كلها إلا ما ندر، لكن في السنوات الأربع الأخيرة استطاع نتنياهو أن ينجو من حافة الهاوية السياسية أكثر من مرة

وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى وجود علاقة بين المنفذ وإيران، قبل أن يخرج مسؤول إسرائيلي أمني رفيع لينفي هذا الاحتمال بالكلية، لكن هذا النفي جاء بعد أن ترك الأمر للتشاور. وقد تكون واشنطن تدخلت لاستبعاد الفرضية، لحساسية التوقيت الذي تبحث فيه عن مخرج لأزمة إيران التي أدخلت العالم كله فيها، فاشتكى العالم كله منها إلا تل أبيب.

مشهد 11 أيلول/سبتمبر الذي حاول نتنياهو استدعاءه في تصريحاته الأولى على الحادث كان حاضراً بقوة، في سيناريو يبدو أنه كان معداً مسبقاً يتماشى مع الأجواء الانتخابية التي تُدق طبولها بقوة، وتتعالى على صوت نتنياهو الذي يسعى لولاية جديدة تبدأ في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مع تقارب حظوظه بشكل كبير مع أقرب منافسيه (آيزنكوت) في استطلاعات الرأي، ففيما يبدو أراد الرجل الذي يصدر نفسه على أنه حامي الكيان الاحتلالي وحافظ مصائر مغتصبي الأرض، ومع حالة الحرب التي يعيشها الكيان، فإن طبائع البشر تتجه دوماً إلى التمسك بالموجود، وعدم المراهنة بالتجديد.

بعيداً عن زيارة نتنياهو السرية للإمارات، وبعيداً عن السؤال الكبير حول كيفية دخول السكين ومروها من الإجراءات الأمنية في أحد أكثر المطارات تأميناً، وبعيدا عن سؤال من الذي ضغط على رمز 7500، أي رمز التدخل غير المشروع/الاختطاف، وبعيداً عن نقل مساعد الطيار سريعا إلى الإمارات، بعد هبوط الطائرة في تبوك السعودية، فإن دور البطل المنقذ الذي يجيده نتنياهو قبل كل استحقاق انتخابي يلعبه بإتقان؛ فعلها أكثر من مرة، ونجح فيها كلها إلا ما ندر، لكن في السنوات الأربع الأخيرة استطاع نتنياهو أن ينجو من حافة الهاوية السياسية أكثر من مرة، كان أقصاها تلك الهزة العنيفة التي صاحبت أزمة "الإصلاح القضائي"، قبل أن يصل إلى أدنى مستويات شعبيته بعد طوفان الأقصى، ليستعيدها بعد أن أظهر دموية منقطعة النظير على مدنيي غزة، قبل أن يدخل في 2026 مرحلة جديدة من المنافسة الحادة مع قيادات مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت.

بقراءة في الخط البياني لاستطلاعات الرأي الشعبية لمسيرة نتنياهو خلال السنوات الأربع الأخيرة، تجده يعلو في مراحل هوان الساسة "الإسرائيليين"، لكن شعبيته تهبط بفعل سياساته وتقديراته. فمثلا في عام 2022 وفي استطلاع للرأي للقناة 12 العبرية وردا على سؤال: "من هو الأنسب لرئاسة الحكومة"، جاء نتنياهو بنسبة 46 في المئة متقدماً على بيني غانتس ويائير لابيد. فالساحة السياسية اتسمت بالانقسام بين المعسكرات الإسرائيلية في حينها، بينما اختار نتنياهو الذهاب لليمين الديني المتطرف كرافعة، فحاز مقعد رئاسة الوزراء حاصدا 64 مقعداً من أصل 120، ليبدأ نتنياهو عام 2022 وهو يمتلك تفوقاً شخصياً وانتخابياً. لكن هذا التفوق لم يدم إلا أشهر، بعد أن شهدت حكومته انقساماً كبيراً على خلفية مشروع قانون الإصلاح القضائي، والذي فجر الاحتجاجات الشعبية تبعه انقسام سياسي حاد.

في ظل حالة التراجع التي شهدتها شعبية نتنياهو المرتبطة بحالة الاضطراب المصاحبة بقانون "الإصلاحي القضائي"، والتي جعلت بيني غانتس يتقدم عليه في استطلاع القناة 12 العبرية في آذار/مارس 2023 بنسبة 6 في المئة، مع تبني ما يزيد عن 63 في المئة من المصوتين فكرة أن نتنياهو وحزبه سلموا أنفسهم لـ"الحريديم" (اليهود المتدينين) ترتفع شعبية بنيامين بعد جولة قتال في غزة استمرت خمسة أيام استطاع نتنياهو خلالها اغتيال عدد من قادة حركة الجهاد، لترد الأخيرة مع غرفة عمليات غزة بإطلاق مئات الصواريخ على عدة بلدات ومستوطنات إسرائيلية، وكذا محيط تل أبيب؛ قبل أن توقف الحرب بتفاهمات إقليمية ودولية.

بعد أيام قليلة من عملية طوفان الأقصى، التي أذلت جيش الاحتلال، وكشفت حقيقة مخابراته، وأظهرت مدى هشاشة المنظومة الأمنية بالكلية، حتى في ظل التعاون المعلوماتي لدول الجوار، أظهرت استطلاعات الرأي أن 85 في المئة من الإسرائيليين يحملون نتنياهو مسئولية الإخفاقات الأمنية التي أوصلت الوضع لما هو معروف من نتائج عملية السابع من أكتوبر، حتى مؤيدو الليكود أيدوا ذلك في استطلاع أجرته "معاريف"، ليتقدم غانتس على نتنياهو 49 في المئة مقابل 28 في المئة، ليتسع الفارق في نهاية كانون الأول/ديسمبر أكثر ليصبح 52 في المئة لغانتس مقابل 31 في المئة لنتنياهو.

في عام 2024 استعاد نتنياهو شيئا من بريقه بعد أن استغل الخلافات التي افتعلها مع غانتس الذي ظل متقدماً عليه، عندما قرر غانتس الرحيل عن حكومة الحرب ما أضر بسمعته، إذ كان أحد الأعضاء الثلاثة المتمتعين بحق التصويت واتخاذ القرارات في مجلس إدارة الحرب المصغر، ما جعل النظرة إليه كجندي فار من الحرب الهارب من مسئوليته في وقت عصيب يعيشه الكيان.

لكن هذا التعافي لم يدم طويلاً، إذ عاد نفتالي بينيت بقوة ليهز ثقة الناخب في نتنياهو بعد عدة إخفاقات وحديث عن مسئولية أحداث السابع من أكتوبر واستمرار الحرب. إلا أن الحرب في لبنان أعاد نتنياهو إلى الواجهة مجددا، وأظهر مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي أن تقييم الإسرائيليين للوضع العام تحسن في تشرين الأول/أكتوبر 2024 مقارنة بأيار/مايو، بالتزامن مع التطورات العسكرية ضد حزب الله، كما ارتفعت الثقة بالجيش إلى 77 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر، لتعود الثقة برئيس الوزراء مجددا، وتستقر أوضاع نتنياهو ما استمرت الحرب على لبنان، ليمر عام 2025 ومعه قرابة الستة أشهر من 2026 بسلام على نتنياهو، رغم الحرب في جبهتين متوازيتين، لكن ما أظهره جيشه من وحشية على الجبهتين دعمت شعبيته، مدفوعة بخطابات شعبوية، استطاع بها أن يتخطى تظاهرات أسر الأسرى.

الثعلب البولندي لا يعدم حيلة؛ لتأتي حادثة طائرة فلاي دبي كدليل تشغيل للحالة السياسية الذي حفظه نتنياهو عن ظهر قلب، وجربه ونجح في كل مرة في معادلة كيميائية حفرها تاريخ مسيرته السياسية

في حزيران/يونيو 2026 بدأت تظهر أول إشارة كبيرة على التراجع في شعبية نتنياهو من جديد، وهو ما أظهره استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلية، الذي انتهى إلى أن 61 في المئة من الشريحة المستطلع رأيها لا يريدون نتنياهو أن يترشح مجددا، وذلك قبل استئناف القتال بين إسرائيل وإيران، ليظهر مع هذا الاستطلاع منافس جديد أكثر جدية، وهو رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يمثل خطراً حقيقياً على نتنياهو، وحصل في تموز/يوليو على ثقة 59 في المئة في استطلاع الرأي الذي أجري في حينها.

وحتى أيلول/سبتمبر الماضي ظلت شعبية نتنياهو تراوح مكانها مع ثبات شعبية آيزنكوت متقدماً عليه، وإن تقاربت الأرقام في تشرين الأول/أكتوبر، لكن الثعلب البولندي لا يعدم حيلة؛ لتأتي حادثة طائرة فلاي دبي كدليل تشغيل للحالة السياسية الذي حفظه نتنياهو عن ظهر قلب، وجربه ونجح في كل مرة في معادلة كيميائية حفرها تاريخ مسيرته السياسية: تهديد أمني + خوف جماعي + استقطاب داخلي + إضعاف البديل السياسي = إعادة إنتاج الحاجة إلى نتنياهو

ويمكن قراءة هذه المعادلة في تصريحاته الأخيرة، بأن حماس ستحاول خلال الأسابيع المقبلة مهاجمة الكيان أو اختطاف جنود، ثم يعلق بأن "حماس تعتقد أن ذلك سيبقى دون عتبة الحرب. سنعمل على منع هذه الهجمات، وإذا نجحوا فيها، فسيكون الرد قاسيا جدا".

هذا هو نتنياهو، وهذه طائرته التي قد تهبط اضطراريا، لكنها لا تسقط، لأن سقوطها يعني له الموت، لا سياسياً فقط، بل جنائياً أيضاً. فعلى المستوى الدولي، سيحاكم على الجرائم التي اقترفها في حق الشعوب العربية، وداخلياً سيحاكم على الاتهامات بالفساد والفشل السياسي والأمني، وهو يرى في نفسه الملك داود الثاني الذي أحيا سلالة الملوك، لكنه في عقيدتهم ليس بلا أخطاء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)