بين الجبهة والصندوق.. الانتخابات الإسرائيلية المُقبلة ومآلات الإقليم

إبراهيم عفيفي
"تلاقي الضغوط الأمنية الميدانية، مع الشروخ الاجتماعية، وتراجع فكرة احتكار الدولة لوسائل العنف"- الأناضول
"تلاقي الضغوط الأمنية الميدانية، مع الشروخ الاجتماعية، وتراجع فكرة احتكار الدولة لوسائل العنف"- الأناضول
شارك الخبر
لم تعد الانتخابات المُقبلة في الكيان الصهيوني مجرد محطة دورية لتداول السلطة وإعادة ترتيب المقاعد البرلمانية داخل الكنيست، بل تحوّلت إلى استفتاء مصيري على هوية الكيان ومستقبله. فيأتي هذا الاستحقاق في ظل حروب استنزاف مُتعددة الجبهات متواصلة منذ ثلاث سنوات، يرافقها تآكل حاد في التماسك المجتمعي. ويتزامن ذلك مع انقسام عميق بين النخب العلمانية والمؤسسة العسكرية من جهة، وتيار الصهيونية الدينية المتصاعد من جهةٍ أخرى، وسط أزمة تجنيد حادة كشفت عجز الجيش عن سد احتياجاته البشرية. هذا المشهد المأزوم لا يضع الجبهة الداخلية وحدها أمام اختبار التماسك، بل يلقي بظلاله المباشرة على معادلات الصراع والاستقرار في الشرق الأوسط برمته.

انطلاقاً من تلاقي الضغوط الأمنية الميدانية، مع الشروخ الاجتماعية، وتراجع فكرة احتكار الدولة لوسائل العنف -من خلال سياسات تسليح المستوطنين- يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية للانتخابات المقبلة وانعكاساتها المباشرة على مآلات الإقليم:

1- التكيّف البراغماتي الهش: تبريد ظرفي برعاية أمريكية

يفترض هذا المسار نجاح تحالف يجمع قوى التيار الليبرالي والعلماني مع كتل "يمين الوسط" (بقيادة شخصيات عسكرية وأمنية كغادي آيزنكوت) في تشكيل حكومة مستقرة نسبياً. يركز هذا الائتلاف داخلياً على ترميم الثقة المتدهورة بمؤسسات الدولة، وصياغة تسوية مرحلية لملف تجنيد الحريديم لتخفيف العبء العملياتي عن قوات الاحتياط وتفادي تفكك نموذج "جيش الشعب"، مع لجم الاندفاعة الفجة لوزراء اليمين الفاشي في الأجهزة الأمنية.

إقليمياً، يدفع هذا المسار نحو الانخراط في مسار تهدئة ظرفية برعاية أمريكية ودولية، بهدف خفض التوتر على الجبهات ومحاولة ترميم الاقتصاد، واستيعاب صدمة النزيف الديموغرافي الناتج عن الهجرة العكسية للنخب التكنولوجية، ومحاولة إعادة فتح مسارات التطبيع من خلال الاتفاقيات الثنائية مع الكيان. لكنها تظل تهدئة تكتيكية محكومة باستراتيجية "المعركة بين الحروب" التي ينتهجها آيزنكوت، حيث يجري احتواء المواجهات المباشرة دون تقديم حلول سياسية جوهرية تضمن تحصيل حقوق الشعب الفلسطيني، مع إبقاء الباب موارباً أمام الضربات الوقائية متى اقتضت الضرورات الأمنية.

2- الاستقطاب المستمر والشلل الهيكلي: فوضى السلاح وتآكل الردع

ينطلق هذا السيناريو من عجز المعسكرات المتنافسة عن حسم الأغلبية البرلمانية المطلوبة (61 مقعداً)، مما يُدخل الكيان في دوامة انتخابات متتالية وحكومات تسيير أعمال ضعيفة. وفي مناخ الفراغ هذا، تستغل القوى المتطرفة حالة الشلل لتعزيز نفوذ المليشيات الاستيطانية في الضفة الغربية، التي غذّتها سياسات التسليح العشوائي، لتتحول تلك الجماعات إلى مراكز قوى مسلحة تتصرف وفق توجيهات آنية يصدرها قادة المستوطنين وكبار الحاخامات، وتفرض وقائع الضم الصامت والتهجير في الضفة الغربية بالقوة. وتنعكس هذه الحالة على الإقليم في صورة ارتباك استراتيجي شامل، إذ تفقد المؤسسات الصهيونية القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء بالمضي نحو تسويات إقليمية أو شن عمليات عسكرية واسعة النطاق. ينتج عن ذلك تآكل تدريجي في ميزان الردع التقليدي، واستمرار حرب الاستنزاف دون حسم، ليصبح الكيان أسيراً لإدارة يومية مضطربة لأزماته دون استراتيجية أمنية متماسكة.

3- حالة طوارئ دائمة والهروب إلى الأمام: تعطيل الصندوق وتفجير الجبهات

على النقيض من المسارين السابقين، ينطلق هذا السيناريو من فرضية منع إجراء الانتخابات أصلاً وتأجيلها إلى أجل غير مسمى، حيث يعتمد هذا التوجه على إستراتيجية "الهروب إلى الأمام" التي يقودها بنيامين نتنياهو، عبر افتعال وتعميق الأزمات العسكرية لإبقاء الكيان في حالة حرب وطوارئ دائمة، سواء بتوسيع الضربات في العمق اللبناني وجر المواجهة إلى دوائر الرد والرد المتبادل، أو تصعيد التوتر المباشر مع إيران، أو استئناف حرب الإبادة في غزة. ويهدف هذا التكتيك بالدرجة الأولى إلى خدمة المصالح الشخصية والائتلافية لنتنياهو، وتأمين مستقبله السياسي، والتهرب من المحاكمات وقضايا الفساد التي تنتظره فور مغادرة السلطة. تترتب على ذلك تداعيات خطيرة، إذ يُوظف "الأمن القومي" لابتزاز المعارضة وتهميش المساءلة، مما يفاقم استنزاف الجيش وتدهور الاقتصاد وهجرة النخب. ويفضي هذا النهج إقليمياً إلى تحول الكيان من نموذج يوفر الأمن لمستوطنيه إلى نظام يستنزف أمن المجتمع وموارد المنطقة بأسرها لضمان البقاء السياسي لقيادته.

تكشف هذه السيناريوهات أن جوهر الأزمة الصهيونية لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر حول تشكيل الحكومات، بل هو انعكاس لشرخ بنيوي عميق بين مكوّنات المجتمع نفسه. وأياً كانت النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع، فإن ارتدادات هذا التصدّع الداخلي ستبقى المحرك والناظم الأساسي لخرائط المواجهة والتحولات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل