بدأت بعد
هزيمة الأحزاب في غزوة الخندق مرحلة تفوق الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية،
والتي أعلن عنها رسول الله ﷺ بقوله: "اليوم نغزوهم ولا يغزونا"، وأصبح
للمسلمين قوة يحسب حسابها، وبعد مرور عام على هزيمة قريش وحلفائها، خرج رسول الله ﷺ
في العام السادس من الهجرة قاصدا مكة لأداء العمرة، بعد غياب دام ست سنوات عن أم
القرى، وهو ما قابلته قريش بالرفض والصد عن بيت الله الحرام.
الثامن
عشر: صلح الحديبية والدعوة العالمية
خرج رسول الله
ﷺ إلى مكة المكرمة قاصدا البيت محرما بالعمرة، يسوق الهدي وليس معه من عدة الحرب
شيء، ولكن قريشا اعتبرت هذا تعديا عليها وتأكيدا على ضعفها بعد هزيمتها. وكانت
عادة أهل مكة ألا يصدوا أحدا عن البيت الحرام، ويسقطوا العداوات -مؤقتا- في رحابه،
ويمنحون الأمن لكل من حل فيه، فكان الواحد منهم يرى صاحب ثأره ولا يتعرض له بسوء،
إلا مع رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث تعاملوا معهم بضيق عطن ومن منطلق العداوة
المستمرة، واتخذوا قرار المنع والصد ولو أدى إلى نشوب الحرب وتحركوا لذلك، ولما
بلغ رسول الله ﷺ صنيعهم قال:
"يا ويح قريشٍ لقد أكلتهم الحربُ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائرِ
العربِ. فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا! وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في
الإسلامِ وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوةٌ، فما تظن قريشٌ؟ فوالله لا أزال
أجاهدُ على الذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفردُ هذه السالفةُ- يعني
الموتَ" (جزء من حديث أخرجه البخاري).
وعمد
النبي ﷺ إلى قطع عذرهم وإقامة الحجة عليهم، بأنه ما جاء إلا للعمرة ولا حاجة له
إلا بالبيت الحرام، واختار لهذه السفارة عمر بن الخطاب الذي نصح لله ورسوله، ولم
يقف عند لحظة التكليف والتشريف، وقدم الأقدر على إنجاز المهمة والأكفأ لتوليها،
فقال له يا رسول الله ﷺ أدلك على عثمان بن عفان، ينزل على أبي سفيان وأبان بن
سعيد، وكانت من موافقات عمر رضي الله عنه التي أوصلها الإمام السيوطي إلى أربعين
مرة، وكان أول من لقي عثمان في مكة من سماهم، وقال له أبو سفيان يا عثمان هاك
البيت فتطوف به، فقال رضي الله عنه: ما كنت لأسبق رسول الله ﷺ إليه، وما لبثت قريش
حتى أشاعت مقتل عثمان، وهنا دعا رسول الله ﷺ أصحابه للبيعة، فقيل إنهم بايعوا على
الموت لأنهم لم يكن معهم إلا السيوف في أغمادها، وهي في ذلك العصر من المتعلقات
الشخصية، وليست عدة قتالية كاملة، وكان عدد الصحابة يومها ألفا وأربعمائة بايعوا
تحت شجرة الرضوان: "لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً" (الفتح: 18).
ومن أعظم
مناقب عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بيده على الأخرى، وقال اللهم هذه لعثمان، فأناب
يده الشريفة، عن يد عثمان الكريمة، وهو القائل ما مسست عورتي بيميني مذ بايعت رسول
الله ﷺ على الإسلام.
بعد
البيعة استشعرت قريش الخطر، وأرسلت سهيل بن عمرو للتفاوض مع رسول الله ﷺ، وعقد معه
الصلح الذي نُسب إلى المنطقة التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
"الحديبية" والتي تبعد حوالي عشرين كيلومترا عن مكة.
وكانت
شروط الصلح تقضي بعشر سنوات هدنة، وعدم العمرة هذا العام، ورد من يسلم من قريش،
ولا تلتزم هي برد من يرجع إليها، مما اعتبره الصحابة إعناتا وعنادا، فلم يبادروا
إلى التحلل من الإحرام بداية الأمر من وقع الصدمة، لولا تدخل أم المؤمنين أم سلمة،
التي أشارت على رسول الله ﷺ بالتحلل من الإحرام أمامهم، وعندها كادوا يقتتلون على
الحجام استجابة وامتثالا، وكان الصلح هو بداية الفتح المبين كما أخبر القرآن
الكريم: "إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً" (الفتح: 1).
وفي العام
نفسه راسل النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء والملوك يدعوهم للإسلام، وخص منهم
أصحاب الممالك الكبيرة والبلاد المؤثرة، فأرسل إلى هرقل الروم وكسرى فارس والمقوقس
في مصر وغيرهم من الحكام، وتباينت ردود أفعالهم تجاه الخطاب النبوي الكريم على
التفصيل الوارد في كتب
السيرة، وكان هذا تأكيدا على عالمية الدعوة وتحقيقا لقوله
تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء:
107)، وبعد انقضاء هذا العام توجه رسول الله ﷺ لأداء عمرته المؤجلة، لذا سميت عمرة
القضاء، ودخل مكة في العام السابع من الهجرة.
التاسع
عشر: فتح خيبر
أصبحت
منطقة خيبر التي تبعد عن المدينة المنورة حوالي 160 كيلومترا، مركز تجمع لليهود
ومقصدا لمن أجلاهم رسول الله ﷺ عن مدينته، فقرر عليه الصلاة والسلام فتحها وتفكيك
خيوط المؤامرات التي تحاك فيها، بعد دورهم في تحريض الأحزاب وحضهم بني قريظة على
نقض العهد، وكانت من أكثر القلاع منعة وتحصينا، فحاصرها الصحابة وفتحوا حصونها
تباعا، حتى أعطى رسول الله ﷺ الراية علي بن طالب ففتح الله على يديه، وقتل مرحب
فارس خيبر الأشهر، وفيها تعرض رسول الله ﷺ لآخر محاولات اليهود لقتله واغتياله،
حيث أهدت إليه امرأة يهودية تدعى زينب بنت الحارث شاة مشوية، وسألت عما يحبه عليه
الصلاة والسلام من اللحم، فقيل لها الذراع فسممت الشاة وزادت السم في الذراع، لكن الله
أنطقه له، فقال لا تأكلني فإني مسموم، فلما سألها رسول الله ﷺ عن جريمتها؟ قالت
قلت إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا سيخبر!
العشرون:
الفتح الأعظم
كان فتح
مكة في العشرين من رمضان في العام الثامن من الهجرة، بعد أن نقضت قريش عهدها مع
رسول الله ﷺ، وتدخلت لصالح حلفائها من بني بكر فأمدتهم وأعانتهم على خزاعة حلفاء
رسول الله ﷺ، وجاء زعيمهم يطلب النصرة فأجابه رسول الله ﷺ: نصرت يا عمرو بن سالم.
بل روت أم المؤمنين عائشة أنه قال: لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب، يعني خزاعة،
وهذه الفزعة وتقديم واجب النصرة، فعله رسول الله ﷺ مع حليف لا يتبع دينه ولا يؤمن
برسالته، والأمة الإسلامية تناديها جراح غزة وآلامها منذ ثلاث سنوات ولا مجيب!
ولما
بلغوا مكة كان لواء المسلمين في يد سعد عبادة، فقال اليوم يوم الملحمة، فقال رسول الله
ﷺ اليوم يوم المرحمة، والله لا تدعوني قريش إلى أمر تعظم فيه البيت والرحم إلا
أجبتهم إليه، وحول الراية إلى ولده قيس بن سعد وكان من نجباء شباب الأنصار.
كانت
سياسة تولية الشباب وإفساح مجال القيادة لهم من معالم السنن النبوية، لذا رأيناه
يوم الفتح قد استخلف عتاب بن أسيد وكان في العشرين من عمره، ووالده كان من رؤوس
بني أمية، وهو أول من حج بالناس بعد الفتح الأعظم.
وأعلن
رسول الله ﷺ مع الفتح العفو العام، وتجاوز كل ما فات من عداوات "اذهبوا فأنتم
الطلقاء". وقد أحيا قادة أفغانستان هذه السنة بعد هزيمة الأمريكان ودخول
كابل، حيث أعلنوا العفو العام وإسقاط الجرائم التي وقعت خلال عشرين سنة من
الاحتلال، وعدم مساءلة أكثر من 300 ألف جندي كانوا ضمن الجيش الذي كونته أمريكا ودربته،
لكن هذا العفو العام لن تجد من يتحدث عنه في الإعلام!
الحادي
والعشرون: غزوة تبوك في 9ه
كانت هي
آخر غزوة غزاها النبي ﷺ بعد مسيرة من الجهاد الحربي استمرت عشر سنوات، خرج بنفسه
في سبع وعشرين غزوة، وعقد لواء ثلاث وسبعين سرية خرج فيها أصحابه. وتبعد تبوك عن
المدينة المنورة قرابة 700 كليومتر، ولم يحدث فيها التحام بالقتال، واشتهرت في كتب
السير باسم جيش العسرة، لبعد الشقة وقلة النفقة، وفيها وقع حديث المخلفين، وفي
المقابل شهدت تنافسا كبيرا بين الكبار، فجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله أملا في سبق
أبي بكر مرة، ثم جاء أبو بكر بكل ماله، وجاء عثمان بالذهب ينثره في حجر رسول الله ﷺ
ليتأسى به الناس، وذلك بعد أن جهز ألف راحلة بأحلاسها وأقتابها حتى العُقل التي
ستعقل بها، لذا قال رسول الله ﷺ: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.
وفي العام
التاسع أيضا استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر ليحج بالناس، حيث كان المشركون يخالطون
المسلمين في الحج، وأعلمهم أنه لن يحج بعد العام مشرك ولن يتطوف بالبيت عريان،
وأرسل في إثره علي بن طالب ليقرأ على أهل الموسم سورة براءة، وكانت هذه بداية
استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر، ثم استخلفه في مرضه لإمامة الصلاة، وفي العام العاشر حج
رسول الله ﷺ بالناس
حجة الوداع، وشهدها من أصحابه أكثر من 120 ألفا، في مشهد لم
تعهده العرب، وهي الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله ﷺ واعتمر أربع مرات.
الختام:
وفاة النبي عليه الصلاة والسلام
في رمضان
العام العاشر اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم عشرين يوما، وكانت سنته اعتكاف العشر
الأواخر من الشهر، وعرض القرآن الكريم على جبريل مرتين، وكان يعرضه عليه في كل
رمضان مرة، فكان ذلك استعدادا للقاء الله، ثم حج البيت، وقال لعلي: لا ألقاكم بعد
عامي هذا، وكانت حجة الوداع، وفيها نزل عليه قوله تعالى: "الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِيناً (المادة: 3). وتوفي بعد نزولها بواحد وثمانين يوما، وترك أمته
على المحجة البيضاء، ولولا أن الله أعان الصحابة على دفنه ما طابت نفوسهم بذلك وما
استطاعوه، وهذا سر سؤال ابنته وبقيته في الدنيا أم الحسنين رضي الله عنهم، عندما
قالت: يا أنَسُ، أطابَت أنفُسُكُم أن تَحثوا على رَسولِ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم التُّرابَ؟! (رواه البخاري).
وكما أنار
الكون بميلاد رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول، لحق أيضا بالرفيق الأعلى في يوم
الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول في العام الحادي عشر من الهجرة، بعدما أدى
الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن قومه ورسولا
عن أمته، وجمعنا به في مستقر رحمته ودار كرامته.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.