"وعليكم".. كيف أدار النبي ﷺ الاستفزاز دون أن يُستدرج إليه؟

محمد الصاوي
"تكتسب عبارة النبي ﷺ "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" دلالة مهمة في سياق هذه القراءة"- CC0
"تكتسب عبارة النبي ﷺ "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" دلالة مهمة في سياق هذه القراءة"- CC0
شارك الخبر
تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رهطاً من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: "السَّام عليكم". لم يحملوا سيوفاً، ولم يعلنوا حرباً؛ كانت المواجهة أكثر خفاءً: تحريفاً لغوياً يحوّل "السلام" إلى "السَّام"، أي الموت، ويمرر الإساءة داخل عبارة تشبه التحية. فهمت عائشة رضي الله عنها مقصدهم، فردّت عليهم بشدة، لكن النبي ﷺ، وهو المستهدف بالإساءة، قال لها: "مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله". ولما سألته: ألم تسمع ما قالوا؟ أجاب: "قد قلت: وعليكم".

قد تبدو الواقعة صغيرة إلى جوار المعارك والمعاهدات والأزمات الكبرى التي شهدها العهد النبوي، لكنها تطرح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز زمنها: ماذا يفعل القائد عندما لا يريد خصمه إلحاق الضرر المباشر به بقدر ما يريد استفزازه ودفعه إلى رد فعل يخدم حساباته؟

حين تكون الكلمة فخاً لا مجرد إهانة

يكشف القرآن الكريم جانباً أعمق من المشهد: "وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ" (المجادلة: 8). ويربط الطبري في تفسير الآية بينها وبين قول "السَّام عليكم"، ويبين أن أصحاب هذا القول كانوا واعين بما يقولون ويتساءلون عن عدم تعجيل العقوبة عليهم.

القيادة لا تستطيع اتخاذ قرارها دائماً بمنطق اللحظة الغاضبة؛ لأن الجمهور يرى الإهانة التي وقعت، بينما يجب على صانع القرار أن يرى أيضاً ما الذي يريد الخصم أن يحدث بعدها

وهنا ينبغي التمييز بين النص التاريخي وقراءتنا المعاصرة له. فلا يصح وصف الواقعة بأنها "حرب هجينة" أو "عملية معلوماتية" بالمفهوم الفني الحديث، لكن أدوات التحليل الاستراتيجي تساعدنا على إدراك قاعدة أقدم من هذه المصطلحات: قد يستهدف الخصم قرارك من خلال استهداف إدراكك وانفعالك قبل أن يستهدف قدراتك المادية. فالمشكلة ليست دائماً في الكلمة التي قيلت، بل فيما يريد قائلها أن تفعله أنت بعد سماعها.

الجمهور يرى الإهانة.. والقيادة يجب أن ترى ما بعدها

كان رد عائشة رضي الله عنها مفهوماً في سياقه الإنساني؛ فالاستفزاز الموجه إلى رمز القيادة ينتقل بطبيعته إلى المحيطين به. وفي السياسة يحدث الأمر نفسه: تتعرض دولة لإهانة أو استفزاز، فيطالب الجمهور برد سريع، ويرتفع منسوب الغضب، وقد يصبح التريث نفسه عرضة لأن يُفسَّر ضعفاً.

لكن القيادة لا تستطيع اتخاذ قرارها دائماً بمنطق اللحظة الغاضبة؛ لأن الجمهور يرى الإهانة التي وقعت، بينما يجب على صانع القرار أن يرى أيضاً ما الذي يريد الخصم أن يحدث بعدها.

ولهذا تكتسب عبارة النبي ﷺ "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" دلالة مهمة في سياق هذه القراءة. فالرفق لم يكن إنكاراً للإساءة؛ فقد فهم ﷺ مرادهم ورد عليهم، وإنما كان ضبطاً للاستجابة. وهنا يظهر فارق أساسي في إدارة الأزمات: إدراك العدوان شيء، والسماح للمعتدي بأن يحدد لك مستوى ردك شيء آخر.

"وعليكم".. رد لا يمنح المستفز ما يريد

تكمن قوة "وعليكم" في اقتصادها. فقد أظهرت أن الرسالة فُهمت، وردّت مضمونها إلى أصحابها، لكنها لم تمنح الموقف وقوداً إضافياً. لم يحصل المستفزون على تجاهل يوحي بأن مقصدهم لم يُدرك، ولم يحصلوا، في المقابل، على انفعال متصاعد يتيح لهم التحكم في إيقاع المواجهة. لقد اختاروا الاستفزاز، لكنهم لم يختاروا الاستجابة.

ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة أوسع في القيادة: السيادة على القرار تبدأ، في جانب منها، بالسيادة على الاستجابة. فالخصم لا يحتاج دائماً إلى إجبارك بالقوة على اتخاذ قرار يخدم مصالحه؛ قد يكفي أحياناً أن يعرف كيف يستفزك حتى تتخذ ذلك القرار بنفسك.

حين يحاول خصمك أن يكتب ردك نيابة عنك

هذه هي المفارقة التي تجعل الواقعة شديدة المعاصرة. فقد يمتلك الطرف المستهدف تفوقاً مادياً هائلاً، لكنه يستخدم قوته في التوقيت أو المكان أو بالطريقة التي أراد خصمه استدراجه إليها. عندها لا يعود السؤال: ماذا تستطيع أن تفعل؟ بل يصبح: من الذي يحدد لك متى تفعل، وكيف، ولماذا؟

لهذا فإن ضبط الاستجابة ليس مرادفاً للسلبية، بل يمكن أن يكون وسيلة للاحتفاظ بأحد أثمن موارد القيادة والدولة: حرية القرار. فالقدرة على اختيار توقيت الرد وحجمه وأداته جزء من القوة نفسها.

من "السَّام عليكم" إلى حروب السرديات

في عالم اليوم أصبحت المشكلة أكثر تعقيداً. فحملات التضليل والتلاعب بالمعلومات والتأثير المنسق تستطيع استهداف التصورات والمواقف والسلوك، وأصبحت البيئة المعلوماتية مجالاً يمكن من خلاله التأثير في المجتمعات وعمليات صنع القرار، لا مجرد مساحة لتبادل الأخبار.

ولا يعني ذلك أن حادثة "السَّام عليكم" نظير تاريخي مباشر لحروب المعلومات الحديثة، لكن المقارنة تكشف جوهر المشكلة بصورة لافتة: الكلمة قد لا تستهدف أذنك بقدر ما تستهدف القرار الذي ستتخذه بعد سماعها.

وفي عصر المنصات الرقمية أصبحت المسافة بين الاستفزاز ورد الفعل أقصر من أي وقت مضى؛ تصريح ملتبس، أو مقطع مبتور، أو خبر مضلل، أو حملة منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يضغط على مؤسسات الدولة قبل اكتمال الصورة لديها. وقد لا يكون المطلوب إقناع الطرف المستهدف بمضمون الرسالة أصلاً؛ ربما يكون المطلوب أن يغضب، أو ينقسم، أو يبالغ في الرد، أو يتخذ قراراً تحت ضغط اللحظة.

أخطر اختراق ليس للحدود.. بل للقرار
حين يستطيع خصمك أن يحدد متى تغضب وكيف ترد، فقد امتلك جزءاً من قرارك؛ أما حين تفهم استفزازه ثم تختار استجابتك وفق تقديرك للمصلحة، فإنك تكون قد حرمت أداته من أهم وظائفها. عندها لا يعود ضبط النفس مجرد فضيلة أخلاقية؛ بل يصبح جزءاً من حماية القرار

هنا تصبح حماية القرار جزءاً من الأمن القومي. فالدولة تستطيع امتلاك الطائرات وأنظمة الدفاع وأجهزة الاستخبارات، لكن إذا استطاع خصمها أن يحدد لها توقيت الغضب، أو يدفعها إلى استخدام قوتها بالطريقة التي تخدم حساباته، فإنه يكون قد اقترب من مركز الثقل الذي تُدار منه بقية أدوات القوة.

وينبغي هنا ألا نخلط هذا المنطق بـ"الردع" بمعناه الفني. فالردع في الأدبيات الاستراتيجية يستهدف ثني الخصم عن فعل غير مرغوب فيه، إما بجعله يعتقد أن هدفه لن يتحقق، أو بأن كلفة الفعل ستتجاوز مكاسبه. لذلك لا نحتاج إلى وصف "وعليكم" بأنها "ردع استراتيجي" اصطلاحاً؛ الأدق أن الواقعة تكشف منطقاً مهماً في إدارة الصراع: حرمان الاستفزاز من العائد الذي يبحث عنه.

ولا يعني ذلك أن ضبط النفس هو الاستجابة الصحيحة لكل تهديد، فهناك عدوان يحتاج إلى قوة، وتهديد يحتاج إلى ردع، وخطر يستوجب مواجهة حاسمة. لكن هناك أيضاً استفزاز يكون أكبر هدية يمكن تقديمها لصاحبه؛ أن ترد بالطريقة التي صمم استفزازه كي يدفعك إليها. فالاستراتيجية ليست أن يكون ردك دائماً ضعيفاً أو قوياً، بل أن يكون مقدار الرد وتوقيته ووظيفته نابعاً من هدفك أنت، لا من انفعال صممه خصمك لك.

بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، تغيرت أدوات الصراع تغيراً هائلاً، لكن السؤال بقي مألوفاً: كيف تمنع خصمك من تحويل غضبك إلى أحد أسلحته؟

في ذلك المجلس بالمدينة، امتلك المستفزون الكلمة الأولى، لكنهم لم يمتلكوا القرار الذي أعقبها. اختاروا الاستفزاز، بينما احتفظ النبي ﷺ بما هو أهم: حق تحديد الاستجابة.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق لـ"وعليكم": حين يستطيع خصمك أن يحدد متى تغضب وكيف ترد، فقد امتلك جزءاً من قرارك؛ أما حين تفهم استفزازه ثم تختار استجابتك وفق تقديرك للمصلحة، فإنك تكون قد حرمت أداته من أهم وظائفها. عندها لا يعود ضبط النفس مجرد فضيلة أخلاقية؛ بل يصبح جزءاً من حماية القرار.

__________
المراجع:

* القرآن الكريم، سورة المجادلة، الآية 8.
* البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، حديث رقم 6024.
* مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، حديث رقم 2165.
* الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة المجادلة، الآية 8.
* Mazarr, Michael J. (2018), Understanding Deterrence, RAND Corporation.
* NATO (2024), NATO’s Approach to Counter Information Threats, 18 October 2024.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)