المولد النبوي: مواقف مفصلية من حياة خير البرية ﷺ (3-5)

محمد الصغير
"غيرت هجرة النبي ﷺ إلى يثرب كل شيء فيها حتى الاسم، فأصبحت المدينة المنورة"- CC0
"غيرت هجرة النبي ﷺ إلى يثرب كل شيء فيها حتى الاسم، فأصبحت المدينة المنورة"- CC0
شارك الخبر
في شهر رمضان من العام العاشر من بعثة النبي ﷺ توفيت زوجه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين الأولى رضي الله عنها، وكان قد توفي قبلها في العام نفسه عمه أبوطالب، وحزن رسول الله ﷺ على فراقهما حزنا كبيرا، حتى سُمي هذا العام بعام الحزن، حيث فقد رسول الله ﷺ الظهير الخارجي الذي كان يبسط عليه حمايته ورعايته، حتى قال فيه: "ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب" (رواه ابن هشام مرسلا)، وفقد داخليا كل ما كانت تمثله خديجة، فهي لم تكن مجرد زوجة يسكن إليها، إنما كانت أول من آمن به، وأول صِدِّيقة لدعوته، وكان لها من رجاحة العقل والخبرة ما جعلها مستشارة له، ووظفت ما آتاها الله من رزق فسخّرت ذلك لبيتها وزوجها، ورزقه الله منها الولد ولم يرزق من غيرها من زوجاته. لكن مع شدة الظلمة يولد الفجر، والعسر يلازمه اليسر، وإذا اشتدت الأزمة انفرجت، فبدأ رسول الله ﷺ بين هذه الأحزان يعرض نفسه على أهل الموسم.

الثاني عشر: دعوة القبائل

استثمر رسول الله ﷺ موسم الحج، فأخذ يعرض دعوته على القبائل، وحاولت قريش عمل دعوة مضادة لتحذير الحجاج من صاحب الدين الجديد، فجاءت دعوتهم بنتيجة عكسية، إذ عَرَّفت برسول الله ﷺ من لم يصل إليهم. كان ذلك في العام الحادي عشر من البعثة النبوية، وأثمرت هذه الدعوة إسلام ستة من أهل يثرب. وكان جيرانهم اليهود يذكرون لهم صفات نبي أطل زمانه، فرجعوا إلى قومهم يدعونهم إلى اتباعه لئلا يسبقهم إليه يهود، فعادوا في حج العام التالي بضعف العدد، والتقى بهم رسول الله ﷺ في منى عند العقبة، ولذا نسبت البيعة إليها، وكانت على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن ينصروا النبي ﷺ إذا أوى إليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم.

وأرسل معهم رسول الله ﷺ الصحابي الجليل مصعب بن عمير في أول سفارة دعوية في الإسلام، وكان من ثمرة دعوته بين أهل يثرب دخول عدد كبير منهم لا سيما وجهاء القوم وسادتهم، فقدم على النبي ﷺ منهم في حج العام الثالث عشر من البعثة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الثانية، وفيها الهجرة إليهم والإقامة معهم. وشهد هذه المرة مع رسول الله ﷺ عمه العباس ليستوثق من عهد القوم والتزامهم به، لأن العرب سترميهم عن قوس واحدة، لكن غبطة الأوس والخزرج برسول الله ﷺ كانت كبيرة، وبشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب فعلت الأفاعيل، وصدقوا ما عاهدوا الله عليهم حتى غلب عليهم وصف النصرة، وإذا أطلق لفظ الأنصار فلا ينصرف إلا إليهم، وقال رسول الله ﷺ في شأنهم: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق" رواه مسلم.

الثالث عشر: الهجرة إلى يثرب

تهيأت يثرب لاستقبال رسول الله ﷺ بعد مبايعة عدد من أهلها له في عامين متتالين، وبدأ يأذن للصحابة في الهجرة محددا لهم وجهتهم: "إني أُرِيت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخيل بين لابتين" (رواه البخاري).

واستبقى النبي ﷺ أبا بكر فحاز واحدة من أكبر مناقبه: "إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.." (التوبة: 40).

ومثلت الهجرة النبوية المرحلة المفصلية الكبرى في مراحل سيرة رسول الله ﷺ ومسيرته، حيث أصبحت الهجرة المرحلة الفاصلة بين الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية، التي بدأت ملامحها تتشكل مع أول يوم أطل فيه رسول الله ﷺ على المدينة، لذا استقر إجماع الصحابة بعد ذلك على اعتماد الهجرة، دون غيرها من الأحداث الكبرى للتأريخ الإسلامي، ومما يؤسف له أنه لا توجد دولة إسلامية تعتمده رسميا في معاملاتها، فإما عالة على الأمم السابقة، أو رجوعا إلى التأريخ القومي قبل دخولهم للإسلام قال الله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ..." (البقرة: 189).

الرابع عشر: أول الأعمال بعد الهجرة

غيرت هجرة النبي ﷺ إلى يثرب كل شيء فيها حتى الاسم، فأصبحت المدينة المنورة برسول الله ﷺ حيّا وميتا، وبعد أن كانت مقرونة بالمرض "حمى يثرب" أصبحت طيبة التي طابت من الشر والشرك، وأصبح أهلها الأوس والخزرج هم الأنصار وبهم تضرب الأمثال:

سيدرك ثأر الله أنصار دينه   ولله أوس آخرون وخزرج

وأول الأعمال التي بدأ بها رسول الله ﷺ بناء المسجد، حيث قال لكل من أراد أن يأخذ بزمام ناقته "دعوها فإنها مأمورة"، وبالفعل بركت حيث بنى رسول الله ﷺ مسجده وبيوت أزواجه. وبناء المسجد وعمارته هما أولى لبنات أي مشروع عند المسلمين، ولا ينبغي لجماعة منهم نزلوا أرضا إلا أن يبدأوا ببناء المسجد، ومن داخله تبنى بقية المشاريع.

ثم آخى رسول الله ﷺ بين من هاجروا من مكة، ومن آووا ونصروا من أهل المدينة المنورة، وذلك للقضاء على أهم صورة من صور الجاهلية، وهي العنصرية التي تطل بقرنها كلما رق الدين وضعف اليقين. وضرب الصحابة أروع الأمثلة في تطبيق المؤاخاة حتى همّ سعد بن الربيع بشطر ماله مع أخيه عبد الرحمن بن عوف، وأن يطلق له من يرغب من زوجته، فدعا له بخير وقال له دلني على السوق، فتاجر مع أهل المدينة حتى تجمع له في فترة وجيزة ما تزوج به.

وحرصا على سلامة نسيج المجتمع واستقراره كتب رسول الله ﷺ معاهدة بينه وبين اليهود عرفت بوثيقة المدينة، والتي توالت قبائل اليهود على نقضها تباعا في ظروف عصيبة كما سيأتي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)