في الوقت الذي تشهد فيه
السجون المصرية حراكا واسعا للمعتقلين السياسيين بسجون "المنيا" و"العاشر" و"بدر1"، والذي من المقرر أن يبلغ قمته بإضراب جماعي بجميع سجون البلاد، تحت عنوان حراك "أكتوبر البداية" أيام 7 و8 و9 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، للمطالبة بإخلاء سبيلهم وانتزاع بعض حقوقهم، بدأت تحركات غاضبة بالتزامن في الشارع المصري.
وكشف حقوقيون ونشطاء عن أوضاع صعبة في السجون وصلت حد حدوث اشتباكات بين الأمن والمعتقلين، إذ أكد الحقوقي عبدالرحمن البدراوي، وقوع "معركة" بسجن المنيا، بعد صلاة الجمعة الماضية، ناقلا عن مصادره أن أمن سجن المنيا شديد الحراسة دخل غرف وزنازين المعتقلين المضربين وأطلق عليهم الغاز المسيل للدموع، وقطع عنهم الكهرباء.
وأعرب بيان من أسر المحتجزين عن قلقهم بشأن ما جرى داخل سجن "العاشر"، وتعرض محتجزين للاعتداء بالضرب، واستخدام قنابل الغاز داخل أماكن الاحتجاز ووقوع إصابات، و"تغريب" مجموعة من المحتجزين ونقلهم إلى أماكن أخرى دون علم ذويهم أو محاميهم.
ونقلت منظمات حقوقية، رسالة من سجن "بدر"، إلى رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، تقول إن "هذه الموجة التي تشكلت اليوم في كافة سجون مصر، بجميع أشكالها، تعبّر عن مدى الأسى والألم، وانقطاع الأمل"، موضحة أن "الموت أصبح أهون على أنفسنا من استمرار تلك المأساة"، داعينه إلى اتخاذ إجراءات "مصالحة"، و"قرارات العفو والمصالحة المجتمعية".
الرسالة أضافت: "مرت الأعوام، بكل ما تحويه من أسى وألم، ونحن في انتظار حلولكم السياسية والأمنية والقانونية، فما كان منكم إلا أن حطمتم أحلامنا وآمالنا في الحرية بقراركم بتأجيل قانون الإجراءات الجنائية"، قائلين إن "انتفاضتنا تلك ما هي إلا صرخة مكلوم، فقد عمره وأهله وماله"، داعينه إلى "الإسراع في معالجة هذا الملف وعدم التأجيل فيه قبل فوات الأوان".
ووقع مئات السياسيين والنشطاء والصحفيين ونحو 13 منظمة حقوقية عريضة تطالب بالحرية للمعتقلين، والمطالبة بالوقف الفوري لجميع الإجراءات العقابية بحق المحتجزين، وخاصة عقب حراك البعض وإضرابهم إثر إقرار مجلس النواب المفاجئ بتأجيل "قانون الإجراءات الجنائية الجديد" قبل ساعات من موعد سريانه مطلع الشهر الجاري، وما كان يحمله من بوادر أمل للمعتقلين وأسرهم في إنهاء أزمة البعض منهم.
حراك الصحفيين
وإثر توقيف السلطات المصرية بداية من الاثنين الماضي 6 صحفيين من صفحة "متصدقش"، هم: محمد أشرف، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، ومحمد محمود، وعمر هلال؛ وتشهد أروقة "نقابة الصحفيين" حراكا غاب لسنوات، ما استدعى قوات الأمن المصرية لمحاصرة المقر (وسط القاهرة) عصر السبت، وفرض طوقا أمنيا لمنع وصول المشاركين بالوقفة التي اكتفت بالبهو الرئيسي دون الخروج على السلالم المعروفة بوقفاتها الداعمة لملفات حقوقية وقضايا فلسطين.
وتقدمت نقابة الصحفيين بطلبين للنائب العام ونيابة أمن الدولة العليا حول حبس صحفيي "متصدقش"، لينظم عشرات الصحفيين وقفة احتجاجية ويدخلون في إضراب داخل النقابة مساء السبت، ليطالب البعض بعد إنهاء وقفتهم بتصعيد التحرك في حال استمرار احتجاز الصحفيين الستة، بتنظيم وقفة احتجاجية بالنقابة ومواصلة الاعتصام عقب اجتماع مجلس النقابة لمناقشة الأزمة، والمقرر الاثنين.
وأكد المحامي المصري
إسلام سلامة، أن نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس الصحفي محمد أشرف أبوعميرة 15 يوما ووجهت له تهم الانضمام لجماعة إرهابية ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، بالقضية (رقم 8083 لسنة 2026)، في انتظار التحقيق بعد مع باقي الصحفيين.
اظهار أخبار متعلقة
مبادرات ونداءات
وبالتزامن مع حراك الصحفيين، ومساء السبت الماضي، أطلق تحالف نساء من أسر المعتقلين، يدعمه متضامنون، وهيئة استشارية تضم: حقوقيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وأكاديميين، وشخصيات عامة، وبرلمانيين، وممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية، مبادرة: "كفاية سجون–نساء من أجل العدالة"، بمطالب "إنهاء الملف سياسيا وقانونيا"، "بما يشمل المحبوسين احتياطيا، والمحالين للمحاكمة، والمحكوم عليهم".
ووقع عدد من العلماء والدعاة بيانا يطالب العقلاء من ذوي القدر والمكانة، وفي الطليعة منهم فضيلة شيخ الأزهر، لمحاولة طي ملف المعتقلين واصفينه بـ"الأليم"، محملين المسؤولين المصريين بداية من رأس الدولة وحتى أصغر جندي فيها، ذنب هؤلاء المعتقلين، مؤكدين في الوقت ذاته على دعمهم "كل حراك يسعى إلى الإفراج عن المعتقلين والأسرى"، مجمعين على فتوى تقول: "إذا سقط في هذه الانتفاضة أحد من الأسرى أو من الساعين في فك أسرهم، فإنه بإذن الله ينال أجر الشهادة".
وأكد جهات مصرية معارضة بينها "
حزب تكنوقراط مصر"، على دعمها "حق المعتقلين في الإضراب والتعبير السلمي عن مطالبهم، والاستماع إلى أصواتهم والتعامل مع مطالبهم بجدية، لأن خلف كل معتقل سنوات من العمر لا يمكن استعادتها".
وشدد مراقبون مصريون للمشهد على أهمية قضية المعتقلين وضرورة إنهائها لخطورتها على علاقة المجتمع والدولة، حيث كتب الأكاديمي
عمار فايد، عبر "فيسبوك" يقول: "قضية المعتقلين القضية الوطنية الأكثر أولوية في رأيي، ليس لوزنها الإنساني والأخلاقي فحسب، ولكن لاتساع عمقها الاجتماعي وبالتالي ارتباطها المباشر على مجمل علاقة المجتمع بالدولة، وعلى تماسك النسيج الوطني نفسه، وارتباطها بترسيخ حكم القانون الذي هو أساس شرعية أي تعاقد اجتماعي مستقر وقوي".
ويطالب نشطاء نساء وأسر المعتقلين السياسيين بالذهب إلى السجون للاطمئنان على ذويهم، والاعتصام إن لزم الأمر أمام مقرات الاحتجاز لمعرفة مصير من تم الاعتداء عليه وتعذيبه ومن تم تغريبه لسجون أخرى، والتأكيد على دعم مطالبة المعتقلين في الحرية والحياة.
وتشير المعتقلة السابقة وزوجة المعتقل محمود عبدالمؤمن،
نهي قاسم، إلى واقعة مماثلة تضامنت فيها أسر المعتقلين مع ذويهم في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، عقب مجزرة سجن "برج العرب" بالإسكندرية حيث كان يقبع زوجها، ردا على انتفاضة للمعتقلين تحت شعار: "كرامتنا خط أحمر".
ولفتت الطبيبة المصرية إلى بعض الإجراءات التي قامت بها أسر المعتقلين حينها، والتي وصفتها بـ"السبل القانونية والاحتجاجية الممكنة قبل 10 سنوات والتي قد لا تصلح بعضها الآن"، مشيرة لما دفعته أسر المعتقلين من ثمن لهذا الحراك، موضحة أن الأمور أخطر الآن.
وأوضحت أن ذلك الحراك تمثل حينها في: "إرسال برقيات للنائب العام باعتباره التحرك القانوني الأولي"، و"الذهاب للاطمئنان على ذويهم"، و"الاعتصام أمام باب السجن"، و"تقديم بلاغات للنيابة العامة بالإسكندرية وفي القاهرة، ولمجلس حقوق الإنسان"، و"تنظيم وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين"، و"عقد مؤتمر صحفي".
ودعا نشطاء المصريين إلى النزول للشارع، لدعم انتفاضة المعتقلين في السجون، ما يتزامن مع تظاهرات طلاب فرنسا الذين بدأوا احتجاجاتهم في 17 أيلول/سبتمبر الماضي بباريس قبل أن تنتشر بجميع البلاد، وسط اشتباكات مع الشرطة واعتقال نحو 5 آلاف شخص، ما تبعه دعوة نقابات المعلمين إلى الإضراب.
إلا أنها الدعوات التي قوبلت بمخاوف على المعتقلين ومن نتيجة أية حراك في الشارع، خاصة وأن التقارير الحقوقية أكدت أن قوات الأمن واجهت حراك المعتقلين بالبطش والتعامل بالقوة المفرطة ما تسبب في نقل عدد من المعتقلين للمستشفيات وسط محاولات انتحار للبعض.
كما تشن السلطات الأمنية حملة
اعتقالات موسعة بينما اعتقال قوات الأمن بمركز ناصر بمحافظة بني سويف (جنوب القاهرة) باعتقال أكثر من 100 مصري دفعة واحدة وفي أيام متتابعة وإخفاء أغلبهم قسريا، دون ظهور أي منهم أمام النيابة.
اظهار أخبار متعلقة
"يعلن موت السياسة"
وفي قراءته لتلك التطورات ورؤيته لاحتمالات اتساعها، وإمكانية أن يشعل حراك السجون شرارة الغضب الثوري في الشارع المصري، يرى الباحث المصري والناشط الحقوقي سيف الإسلام عيد، أن "حملات الإضراب والحراك الحالي الذي انطلق في الأساس من داخل السجون المصرية يعلن موت السياسة والعمل السياسي في مصر".
نجل المعتقل المصري، السيد صبحي أحمد عيد (63 عامًا)، المعتقل في مصر منذ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ضمن ما يُعرف بسياسة "العقاب بالوكالة" لأسر المعارضين في الخارج، وفق وصف "
لجنة العدالة"، أكد لـ"عربي21"، أن "المعتقلين أنفسهم أصبحوا بمفردهم في مواجهة السلطات الأمنية، والأمر يمكن توصيفه بأنه لم يعد هناك أمل، وبلغت القلوب الحناجر لدى آلاف المعتقلين السياسيين".
ولفت إلى أن "ما أشعل هذا الغضب هو حالة التعشيم الزائدة كنوع من أنواع الأمل الزائف للأسف مع تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد مطلع الشهر الحالي"، مستدركا: "ولكن الأم وئد في مهدة وقبل التطبيق بيوم وفي 30 أيلول/سبتمبر الماضي، وعبر جلسة استثنائية لمجلس النواب تم تأجيل العمل بالقانون مدة عام، بينما كان قد تم تصويره لبعض المعتقلين بأنه سيكون طوق نجاة، بينما هو للأسف لم كذلك ولم يكن ليُنصفهم".
وفي رؤيته، حول إصرار السلطات على المعالجة الأمنية للأزمات كاعتقال الصحفيين والاعتداء على المعتقلين واحتمالات أن يكون السبب في انتقال الحراك للشارع، أكد عيد، أن "القبضة الأمنية وسطوة الدولة تقول إنها لن تسمح بأي فرصة لحدوث حراك حتى لا يفكر أحد أنها من الممكن أن تتراجع وأنه لو تراجعت مرة فسوف يتكرر الأمر وهذا وفق العقلية الأمنية الحاكمة للبلاد".
وخلص للقول: "لهذا لن يحدث حراك في الشارع، وذلك إضافة إلى عدم وجود من يمكنه أن يحرك الشارع وأن المعتقلين مجموعة من الأسرى الذين قرروا خوض هذا الحراك بأنفسهم".
"فكوا العاني"
وفي حديثه لـ"عربي21"، قال السياسي المصري، المتحدث باسم "الجبهة السلفية"، الدكتور خالد سعيد: "هذا هتاف نبوي شريف مازال يدوي عبر الزمان لتقرير حق الإنسان في الحياة وحفظ حقه في الحرية، والتي هي قيمة من أهم القيم الإسلامية التي جاءت (لتحرير) الإنسان وعتقه من كافة الآصار والأغلال".
وأكد أن "حراك السجون هو انفعال طبيعي نحو استرداد الحقوق، واستمرار للكفاح من حملة قضية الدين والوطن من أبناء مصر الشرفاء والذين هم أولى الناس بهذه المقاومة والدفاع عن الحق والخير والعدل".
واستدرك: "لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن ذلك يضيف إلى معاناتهم ما لا يتحمله إنسان، وأن الواجب على كل مصري حر وشريف أياً كان توجهه أن يبذل كل ما يستطيع لفك أسرهم وإطلاق سراحهم، بل يجب ذلك على أحرار العالم والذين نطالبهم بالتضامن وإطلاق يوم عالمي لدعم عشرات الآلاف من المعتقلين سياسيا في مصر".
وأوضح أن "في كلامنا بالضرورة يدخل الصحفيين المعتقلين مؤخراً من مجموعة (متصدقش) الذين عملوا على الحياد لكشف ما يمكن من (الحقيقة) وسط سيل الأخبار والشائعات والفوضى الفكرية والمعلوماتية والسياسية التي أغرق فيها النظام مصر، كما تتحمل القوى الرافضة له قسطاً منها".
وأشاد السياسي المصري، بـ"الحراك النسوي الصحيح ووقوف نساء مصر الكريمات صفاً من أجل حرية أبنائهن وأزواجهن وإخوانهم وآبائهن، وهو موقف معروف ومشهور يميزهن ويشرفهن عبر التاريخ".
وفي نهاية حديثه يرى أن "حراك السجون سياق طبيعي في إطار لا ينفصل عن تململ الشارع المصري وتحفزه ضد النظام، والذي ظهر جلياً في مخاوف النظام متمثلة في خطاب السيسي المضطرب والخائف والتحركات الأمنية العشوائية والاعتقالات الممنهجة".
ويعتقد أنه "لابد لنجاح أي تحرك في الشارع من ربط قضية المعتقلين بقضية الوطن ككل، فهم أبناء هذا البلد وليسوا منفصلين عنه، كما أن ما يعانيه الناس من جرائم النظام يعاني منه أهل هؤلاء المعتقلين، ونحن جميعاً من أبناء هذا الشعب ولا ينبغي أن نقبل ما يفعله النظام بفصلنا عنه".