إخوان سوريا ورفض حل الجماعة.. وجدل إسلامي حول القرار!!

عصام تليمة
لقد كشف قرار الإخوان بعدم حل جماعتهم في سوريا، عن علل في عقول وأفكار كثيرين ممن ينتمون للتيار الإسلامي، وبخاصة خارج سوريا، علل على مستوى الفكر، وعلى مستوى الفقه، وعلى مستوى السياسة وممارستها.
لقد كشف قرار الإخوان بعدم حل جماعتهم في سوريا، عن علل في عقول وأفكار كثيرين ممن ينتمون للتيار الإسلامي، وبخاصة خارج سوريا، علل على مستوى الفكر، وعلى مستوى الفقه، وعلى مستوى السياسة وممارستها.
شارك الخبر
أصدر مجلس شورى إخوان سوريا منذ بضع أيام قرارات، كان من أهمها ما يتعلق بدعوات بعض السياسيين والشخصيات السورية والإسلامية للجماعة للتفكير في حل التنظيم، وانتهى قرار الإخوان لعدم الحل، وكانت صيغة القرار ضمن عدة قرارات ما يلي: (يؤكد المجلس أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية ستبقى جماعة وطنية مستقلة القرار، متمسكة بنهجها الإسلامي الوسطي، ومنحازة إلى كرامة الإنسان السوري وحقوقه، وتعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية والفئوية، وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك، من خلال الحوار مع مختلف القوى الوطنية).

وهو قرار لا ينكر أحد أحقية الإخوان في التوصل إليه، رغم ما بدر من نصح الناصحين لهم بحل التنظيم، وإن كنت أحد من كتبوا عن تجارب الإمام حسن البنا في هذا المجال، حين قرر فصل الحزبي عن الدعوي، ولكني كنت أتحدث من موقع الباحث الناصح، لا من يملي على إخوان سوريا، وهو ما وقع فيه للأسف بعض إسلاميين كان سلطويين أكثر من السلطة في سوريا.

(يؤكد المجلس أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية ستبقى جماعة وطنية مستقلة القرار، متمسكة بنهجها الإسلامي الوسطي، ومنحازة إلى كرامة الإنسان السوري وحقوقه، وتعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية والفئوية، وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك، من خلال الحوار مع مختلف القوى الوطنية).
قرار الإخوان عباراته واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، يحسن قراءتها كل إنسان عاقل، يتأمل فيها بروية، فهو قرار يؤكد على استمرار الجماعة على نهجها الوطني المستقل، بخط وسطي معهود عنها، ونفى عنها أي تبعية لقرارها، وهو ما حاول البعض من قبل التخويف والتحريض ضد الإخوان في سوريا، بدعوى انتمائها للتنظيم الدولي للإخوان، وإن أثبتت المواقف صدق كلام إخوان سوريا في قرارهم، فرغم تقديرهم للمقاومة الإسلامية الفلسطينية، فقد خالفوهم في علاقتهم بإيران، وخالفوا إخوان مصر في تغريدة لهم في وفاة رئيس إيران السابق، ومواقف أخرى كثيرة، كان موقف إخوان سوريا واضحا، بل كان حادا وشديد اللهجة على إخوانهم، وهو ما كان يصدر بسبب الضغوط والتحريض المستمر من شخصيات تريد أن تجعلهم في موضع التهمة، وللأسف كثير منهم من الإسلاميين!!

اللافت للنظر في الأمر، أن جل من هاجموا الإخوان السوريين في قرارهم، كانوا من غير السوريين، وبخاصة من الشريحة المصرية، من إسلاميين تحول خطابهم منذ فترة للهجوم على الإخوان، بشكل مفتعل، حتى وصل بهم الهجوم إلى إخوان سوريا، رغم أن كثيرا منهم لا يعرف الفروق المهمة بين التنظيمين، ولا خبرة لهم بالواقع الذي يتحدثون عنه في سوريا.

أفهم أن يحرض على إخوان سوريا بسبب قرارهم شخصيات تنتسب للأمن في مصر، لكن الملاحظ أن جل من هاجم الإخوان السوريين كانوا من جماعات إسلامية مصرية كانت لهم تجارب في استخدام العنف ضد السلطة، ثم قاموا بمراجعات، وبعضهم يتحدث عن السلطة في مصر بلين ورفق، لا يحلم الإخوان أن يعاملهم به في حديثه عنهم، وهو أمر عجيب ولافت للنظر.

وعلى المستوى السوري، وجد من يحرض على إخوان سوريا أيضا، بشكل مفتعل، ولا يتسم بأدنى درجات التعقل أو الروية، ويصور الإخوان على أنهم كيان موازي، يريد أن ينقض على الدولة، متذرعا بلافتة الثورة السورية، وكأنه يشرعن لمستبد جديد، ولتجربة الحزب الواحد، والكيان السياسي الواحد، وما عداه يكون خائنا للوطن، وهو نفس عهد بشار وحافظ الأسد من قبل، وكأن سوريا قد تحولت من البعث، إلى بعث جديد، لكنه بعث إسلامي، وهو ما لا يقول به عاقل، أو حر، أو متدين، أن يتحول سعيه لمجرد تحسين شروط العبودية، والاستبداد، ويحكم على من يرفض ذلك بالخيانة، أو إضمار الشر للتجربة السورية!!

ولذا خرجت أصوات عاقلة من ثوار سوريا، تبين أن من يريد فرض كيان سياسي واحد على المجتمع السوري، فهو يريد تكرار نموذج الدولة السابق في عهد بشار، ومطالبة الإخوان بالحل، بينما هناك أحزاب أخرى موجودة من أيام النظام السابق لم تحل، هي مطالبة غريبة، فالحق في العمل السياسي إما أن يكون مكفولا للجميع، أو يكون ممنوعا عن الجميع، ولم تقم ثورة سوريا لتختزل السياسة والعمل السياسي في كيان شخص رئيس سوريا ومن يختارهم، وقد بين ذلك بوضوح يشكر عليه صديقنا العزيز الأستاذ أحمد أبا زيد، في ظل هياج وهجوم شديد على الجماعة، كان صوته وأصوات أخرى عاقلة تتناول الموضوع بحياد وإنصاف، كصديقنا الدكتور عبد الرحمن الحاج، وغيرهما.

الذين يطالبون الإخوان بحل جماعتهم، ما البديل لهم؟ هل يذوب الإخوان وينمحوا تماما، ولماذا يطلب منهم ذلك وهم شركاء أصليون في هذه الثورة، وليسوا غرباء عنها، وقدموا تضحيات منذ عشرات السنين، لا ينكرها إلا جاحد أو متعصب.

اللافت للنظر في الأمر، أن جل من هاجموا الإخوان السوريين في قرارهم، كانوا من غير السوريين، وبخاصة من الشريحة المصرية، من إسلاميين تحول خطابهم منذ فترة للهجوم على الإخوان، بشكل مفتعل، حتى وصل بهم الهجوم إلى إخوان سوريا، رغم أن كثيرا منهم لا يعرف الفروق المهمة بين التنظيمين، ولا خبرة لهم بالواقع الذي يتحدثون عنه في سوريا.
حاول البعض تصدير عبارة: من يحرر يقرر، في إشارة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو كلام ساذج يشرعن للفردية والاستبداد، ولا يختلف كثيرا عن العبارات التي كانت تصك لبشار وحافظ الأسد، ولغيرهم من الطغاة، كان عبد الناصر يقف خطيبا في المصريين سنة 1954م فيقول: لقد غرست فيكم الكرامة، وعلمتكم الحرية. وهو لم يحكم بعد، بعد أقل من عامين من حركة الضباط، تقمص شخصية من حرر المصريين من نير الاستعباد، فهذا التكرار لهذه العبارات والشعارات خطر عظيم على الثورة السورية.

وهل حرر الشرع ورفاقه وحدهم سوريا؟ هل هذا قول يصدر عن عاقل، إن الثورات والعمل السياسي والتغيير، عمل تراكمي، لا ينسب لقاطف الثمرة الفضل، وينسى من غرسوا وسقوا ورعوا البذور من قبل، وبخاصة من ينتمون للتيار الإسلامي، والذي لا ينسى فيهم اللاحق فضل السابق، وقد كان ممن غرسوا ورعوا في كل هذه السنوات: الإخوان المسلمون في سوريا، وغيرهم من الفصائل، والشخصيات والكيانات من كل التوجهات السياسية.

وأعجب الحجج التي سيقت في الهجوم على الإخوان في رفضهم حل الجماعة، ما كتبه المهندس عاصم عبد الماجد، من أن بيعة الإخوان تتعارض مع بيعة الدولة، وأخذ يقرر مقررات شرعية لا تمت للبحث الفقهي والشرعي بصلة، سوى التعبير عن قناعات شخصية، تتضارب مع قناعاته الشخصية السابقة والحالية، فهو نفسه ينتمي لجماعة، وفيها بيعة، وكان من قبل أميرا في جماعة وله بيعة، رغم اختلاف بيعة الإخوان عن بيعة الجماعة الإسلامية.

راح عاصم عبد الماجد يصف بيعة الإخوان في جماعتهم، بأنها بيعة متوازية ومتعارضة مع بيعة السلطة، ولا أدري هل هو هنا يقرر فقه الخلافة والسلطنة على أحمد الشرع في سوريا، والشرع نفسه يتبرأ من هذا الفقه السياسي، ويكتفي بحدود سوريا، وأعلن اعتزاله كل ما سبق من فكر الجماعات، ولا أدري هل تم مبايعة الشرع في سوريا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رغم أن الشرع لم يأت بانتخاب مباشر أو غير مباشر، بل جاء بالأمر الواقع، وهو ما كان يصفه به الخارجية المصرية تعريضا به!!

ولي مقال على موقع "عربي21" بعنوان: البيعة للإسلام لا الإخوان، بينت فيه أنه لا بيعة في الإسلام إلا بيعة الإسلام على الدين نفسه، وما عدا ذلك من بيعات، سواء للحكام أو الجماعات، فهي بيعة سياسية، لا يتعلق بها إيمان وكفر، ولا سمع ولا طاعة إلا في حدود المعروف، وبيعة الحكام مع الشعوب، هي عقد بين طرفين، وليست من طرف واحد، ليست عقد إذعان، بل عقد مشترك، يولى بناء عليها، ويعزل بمخالفتها، ولها وقت ومدة محددة، وفقط شروط واضحة، يحكمها الدستور والقانون.

ولا أدري منذ متى يعلي عاصم عبد الماجد من شأن الحكام والقوانين لدرجة أن تلغى الجماعات الإسلامية لوجودهم؟ والباحث الحصيف ينظر لبيعة الجماعات نظرة أقل بكثير من البيعات الأخرى، فهي أشبة بكارنيه عضوية في نادي، أو اشتراك في مدرسة، فمن لم يعجبه يستطيع الانتقال إلى مدرسة أخرى، أو أشبه بالالتزام الفقهي بمذهب فقهي، وكم من أئمة وأفراد تحولوا من مذهب إلى مذهب، دون أن يمثل ذلك جرحا لعدالته، ولا خرقا لتدينه وإيمانه. هذا هو التكييف الشرعي للبيعة في الجماعات الإسلامية، وأي وصف يزيد عن ذلك فهو من أخطاء الناس في هذه الجماعات.

لقد كشف قرار الإخوان بعدم حل جماعتهم في سوريا، عن علل في عقول وأفكار كثيرين ممن ينتمون للتيار الإسلامي، وبخاصة خارج سوريا، علل على مستوى الفكر، وعلى مستوى الفقه، وعلى مستوى السياسة وممارستها. وكشف عن سلوكيات ترعب لو تمكن بعض هؤلاء من رقاب الناس، أو ملكوا لونا من ألوان الحكم، أو التحكم، فإذا كان موقفهم وهم خارج السلطة التحريض على من يتخذ قرارا قد اقتنع به، فما بالنا لو كانوا هم من يحكمون، أو يشيرون على أهل الحكم؟ أعتقد أن هذه النقاشات كشفت عن الحاجة إلى مراجعات جادة حول الموقف الحقيقي من الحريات، والموقف الحقيقي من الاستبداد بكل أشكاله وألوانه، فليس مقبولا أن نرفض استبداد غير الإسلاميين، لنرحب باستبداد الإسلاميين، بدعوى: الحكم الإسلامي!!

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)