تتجاوز الأنظمة
المستبدة كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها في العلوم السياسية والقانون الدولي حينما
ينتقل
القمع من مواجهة الخصم السياسي في الميدان أو عبر الفضاء العام، إلى ملاحقته
في منافيه القسرية عبر أساليب غير تقليدية. إن ما يشهده الملف الحقوقي
المصري في السنوات
الأخيرة لم يعد مجرد إجهاز على ما تبقى من الهامش المدني للداخل، بل تحول بنيوياً إلى
نمط خطير يُعرف دولياً بـ"القمع العابر للحدود" (Transnational
Repression).
تعتمد هذه
الاستراتيجية على مسارين متوازيين: الأول رقمي تقني يتوسل القرصنة والهجمات السيبرانية
لاختراق حسابات المعارضين والنشطاء في الخارج، والثاني ميداني قمعي يتخذ من الآباء
والأمهات والأشقاء داخل مصر "رهائن أحياء" للضغط على أصحاب الفكر الحر والأقلام
التنويرية في أوروبا والغرب. يسعى هذا المقال إلى تفكيك أبعاد هذه الظاهرة، ويسلط الضوء
على حالات صارخة للإخفاء القسري والتنكيل بالأُسَر، بالتوازي مع قراءة تفكيكية لعقيدة
السلطة العسكرية التي أطلقتُ عليها مبكراً وصف "وكلاء الاستعمار"، وصولاً
إلى حصار جزيرة الوراق التي لم أتردد في تسميتها بـ"غزة المصغرة المصرية".
اختطاف خالد
الغيطاني واعتقال أسرة منى الشاذلي: العقاب الجماعي كسياسة دولة
تترافق سياسة اختطاف العائلات مع حرب إلكترونية قذرة تشرف عليها أجهزة استخباراتية وأمنية تابعة للنظام
لم يعد السرطان
الأمني يقف عند حدود الزنازين التي تكتظ بعشرات الآلاف من معتقلي الرأي، بل بات يمتد
ليعاقب بالميلاد والنسب كل من تجرأ شقيقه أو نجلته على كشف فساد النظام المطالب بالديمقراطية
والدولة المدنية. وتبرز حالة أخي خالد الغيطاني كشاهد حيّ على هذه الجريمة المكتملة
الأركان، فقد قامت الأجهزة الأمنية باختطاف خالد قسرياً من مقر عمله في مدينة الإسكندرية،
ليختفي تماماً وراء جدران المقار السرية للنظام دون سند قانوني أو عرض على نيابة مفبركة
في أيامه الأولى، وهو ما وثقه وأدانَه بأشد العبارات مركز الشهاب لحقوق الإنسان. إن
إخفاء خالد الغيطاني لم يكن لسبب اقترفه، بل جرى استخدامه كأداة ضغط وانتقام مباشر
ورسالة ابتزاز أمني موجهة لي؛ لشخصي ولنشاطي السياسي والإعلامي المناهض للحكم العسكري.
تتطابق هذه
الجريمة تماماً مع المأساة التي تشهدها المعارضة والناشطة السياسية المقيمة في بريطانيا
المهندسة منى الشاذلي. فبعد سنوات من نضالها السلمي وممارسة حقها المكفول في التعبير
عن رأيها وتأسيس منصات إعلامية من منفاها اللندني، شن النظام المصري حملة انتقامية
موسعة طالت عائلتها في مصر. وثقت المنظمات الحقوقية الدولية والدفوعات القانونية في
بريطانيا قيام أجهزة الأمن باقتحام منازل عائلة المهندسة منى الشاذلي، واعتقال شقيقتها
وأكثر من خمسة من أفراد أسرتها والمقربين منها في الإسكندرية ومحافظات أخرى، في إطار
سياسة "العقاب الجماعي" المحرمة بموجب اتفاقيات جنيف والإعلان العالمي لحقوق
الإنسان.
إن استهداف
خالد الغيطاني وعائلة المهندسة منى الشاذلي يكشف عورة نظام يفتقر للحد الأدنى من الأخلاق
السياسية؛ نظام لا يتورع عن استغلال الروابط الأسرية والإنسانية لتحويل الأهالي إلى
"أهداف أمنية" يُساوم بها الأحرار في الخارج: "إما السكوت عن فساد المؤسسة
العسكرية، وإما
تنكيل دائم بذويكم في الداخل".
القرصنة السيبرانية
ومعركة "غزة المصغرة": التصدّي لوكلاء الاستعمار ونصرة الورّاق
تترافق سياسة
اختطاف العائلات مع حرب إلكترونية قذرة تشرف عليها أجهزة استخباراتية وأمنية تابعة
للنظام. تُوجّه هذه الأجهزة هجمات سيبرانية متطورة وبرمجيات تجسس خبيثة تستهدف حسابات
النشطاء والمفكرين السياسيين في الشتات فقط، محاولةً اختراق بريدهم الإلكتروني، والسطو
على صفحاتهم على وسائل التواصل، وتتبع موقعهم الرقمي. والسبب واضح ومباشر: لأن هؤلاء
الأحرار يُصرّون على كشف قضايا الفساد المالي والهدر الاقتصادي، ويفضحون عسكرة الاقتصاد
الوطني، ويدعون جهاراً إلى ضرورة الانتقال السلمي للسلطة وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية
تقوم على المواطنة والتداول السلمي لا على عقيدة الثكنات والتعيينات المباشرة.
لقد كنتُ أول
من أطلق على العسكر في مصر وصف "وكلاء الاستعمار"، وهو توصيف لم يأتِ من
فراغ بل من قراءة دقيقة لسلوك هذه السلطة عبر العقود الأخيرة. إن الوكيل الاستعماري
لا يحتاج إلى جندي أجنبي يرتدي خوذة الاحتلال، بل هو سلطة محلية تُنفذ أجندة تجريف
مقدرات الوطن، وتفريط في أصوله التاريخية، وتكبيل أجياله المقبلة بديون ثقيلة لصالح
القوى الإقليمية والدولية. وما يحدث في ملف السيادة المائية، والموانئ الاستراتيجية،
وبيع الأراضي الفريدة، إلا تطبيق عملي لدور الوكيل الذي يدمر البنية الإنتاجية للدولة
ويحوّل المجتمع إلى مجرد زبائن محاصيل وخدمات ومستأجرين في أرضهم.
وفي قلب هذا
المشهد التجريفي، تبرز تجربة جزيرة الوراق؛ هذه البقعة النيلية الماجدة التي يخوض أهلها
الصامدون معركة بقاء استثنائية تحت حصار أمني وإداري مشدد ممتد لأكثر من ثماني سنوات
متواصلة. لقد كانت قراءتي المبكرة لهذه المأساة هي التي دفعتني لأكون أول من يطلق على
الوراق وصف "غزة المصغرة المصرية".
إن أوجه الشبه
بين ما يمارسه الاحتلال في قطاع غزة وما تمارسه السلطة العسكرية ضد أهالي الوراق لا
تخطئها عين:
* الحصار الممنهج: التضييق على المعديات والمنافذ، وقطع المرافق والخدمات،
وحظر إدخال مواد البناء أو استكمال الخدمات الطبيعية للأهالي.
* الترهيب والتهجير القسري: استخدام القنابل المسيلة للدموع، والمداهمات الفجرية،
واحتجاز عشرات الشباب من أبناء الجزيرة لكسر إرادتهم المتمسكة بأرض الآباء والأجداد.
ليس دليلاً على قوة هذا النظام أو تحكمه الميداني، بل هو النتيجة المباشرة لإفلاسه السياسي وحال الرعب التي تسيطر عليه من الكلمة الحرة والتحقيق الاستقصائي الموثق
* الاستثمار القسري على حساب السكان: تجريف النسيج الاجتماعي والعمراني للجزيرة
تمهيداً لتسليمها لمستثمرين أجانب وتحويلها إلى أبراج خرسانية ومجتمعات مغلقة للأثرياء.
إن دعم أهالي
جزيرة الوراق والنضال لأجل حريتهم ليس مجرد تضامن مع قضية مطلبية محددة، بل هو دفاع
عن أصل الهوية الوطنية المصرية ومقاومة مباشرة لمشروع "التجريف والبيع الإجباري"
الذي يمارسه وكلاء الاستعمار ضد جغرافيا مصر وسكانها.
ختام: الكلمة
الحرّة لا تُكسر بالرهائن
إن لجوء السلطة
العسكرية في مصر إلى اختطاف الأشقاء والأقارب -كما حدث مع أخي خالد الغيطاني وعائلة
المهندسة منى الشاذلي- بالتوازي مع القرصنة الرقمية وحصار أهالي جزيرة الوراق، ليس
دليلاً على قوة هذا النظام أو تحكمه الميداني، بل هو النتيجة المباشرة لإفلاسه السياسي
وحال الرعب التي تسيطر عليه من الكلمة الحرة والتحقيق الاستقصائي الموثق.
ستبقى الدولة
المدنية الحديثة، المبنيّة على التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون ومكافحة الفساد،
هي الهدف الأسمى الذي لا تفريط فيه. وسيبقى صمود أهالي "غزة المصغرة" في
الوراق، وأصوات الأحرار في الشتات، كفيلين ببدد أوهام الاستبداد وإثبات أن الشعوب هي
الصانع الوحيد للتاريخ، وأن سياسة الرهائن والتنكيل العابر للحدود إلى زوال.
سؤال للقراء
كيف يمكن للمجتمع
الدولي والمنظمات الحقوقية العالمية تطوير أدوات رادعة تُجرم أساليب "القمع العابر
للحدود" وتمنع استغلال عائلات المعارضين كرهائن سياسيين داخل مصر
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.