كانت الحجة التي حاول أصحابها أن يضفوا عليها طابعاً تبريرياً واضحاً قبل
سقوط نظام بشار الأسد هي أننا في حرب ولا نستطيع العمل السياسي، وكان صوت النقد
السياسي بطيئا خفيفاً خافتاً خجولاً، ولكن بعد سقوط هذا النظام الذي أجرم بحق
السوريين جميعاً لم نر ذلك الجو النقدي السياسي الذي يعقب عادة سقوط أنظمة شمولية
تحكم بالحديد والنار.
فإذا أخذنا الجانب السوري العام لم نشهد
حراكات سلمية شبابية للمطالبة
بحقوق سياسية ومطلبية شاملة لكل السوريين، ولم نشهد حراكا ثقافيا وسياسيا للنخبة
السورية سواء في الداخل أو في الخارج، أي في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا؛
شاهدنا حروباً جزئية داخلية مدعومة من الحكومة السورية مع فصائل تتبع لمكونات
سورية أساسية، وتم إلهاء الشعب بهذه الحروب ونسيان الوضع الاقتصادي وضرورة تطبيق
قانون العدالة الاجتماعية ومحاسبة المجرمين بحق الشعب؛ عندما كان يحكم بشار الأسد
بالحديد والنار وقمعه الشديد للثورة والثوار السوريين مدعوماً من دول إقليمية كإيران
ومن دول كبرى كروسيا والصين.
وعلى الصعيد الكردي بقيت
الأحزاب على حالها رغم انتهاء الحرب الداخلية في
سوريا وسقوط نظام بشار الأسد، بقيت الأحزاب في حالة جمود كبيرة وكأن حدثا كبيراً
كسقوط نظام حَكَم بشكل قاس جدا طيلة أكثر من نصف قرن ونيف، لم يحصل.
فحزب "ب ي د" الذي يتبع لحزب العمال الكردستاني (التركي) ظل على
سياساته، وبعد ما جرى من صراع مع السلطة السورية ارتأى أن يقبل الاندماج مع أجهزة
الدولة وأخذ مناصب هنا وهناك كنصيب في الكعكة السورية. ويواجه هذا الحزب النقد
الشعبي الكردي الشديد، ويتلخص بمجمله في أن الشعب الكردي قدم آلاف الضحايا شهداء
ضد تنظيم داعش في دير الزور والرقة أيام حكم الأسد، لكن النتيجة أنه لم يحصل حقوقا
كردية واضحة المعالم والتجليات ما عدا المرسوم 13 الذي أصدره الشرع والذي يشير إلى
نشر الثقافة الكردية واعتماد اللغة الكردية كلغة وطنية في المدارس في المناطق ذات
الغالبية الكردية والاعتراف بعيد نوروز القومي الكردي واعتبار ذلك اليوم (21 من
آذار/مارس) عطلة رسمية في كل أنحاء البلاد.
أما على صعيد الطرف الكردي الآخر، وهو المجلس الوطني الكردي المعروف بـ"انكسي"،
فهو الآخر بقي جامدا، ورغم انعقاد مؤتمره الأخير إلا أن النقد الكردي لجمود هذا
الطرف لا زال مستمرا ويتلخص في أنه طيلة الـ14 سنة الماضية لم ينظم صفوفه ولم
ينخرط في نضال سلمي وبقي في حالة ستاتيكية غير فاعلة. ولم يطعّم المجلس بالمستقلين
والمثقفين والنساء والشباب الطموح، فبقيت الحالة الكردية مشتتة غير قادرة على فعل
أي شيء يساهم في نيل الحقوق القومية الكردية في سوريا. أي أن حالة من الصدمة باغتت
الشعب الكردي هناك، والمشكلة أن الأجندات الخارجية لا تسمح بنهوض كردي يساهم في إنعاش
الحالة الكردية ويدعم الوضع السوري عموما، فالطاقات إما هاربة من جحيم الحرب
السورية أو هي هناك تبحث عن لقمة العيش في ظل وضع اقتصادي رديء جدا.
ما أريد قوله هو أن الحراك السياسي السوري العام أصابه الشلل بعد سقوط
النظام، وكذلك الحراك الكردي أصابته الصدمة والشلل، ويبدو أنه غير قادر على فعل
المزيد، والدعوات الآن بعد فشل "ب ي د" إما إلى تجديد الأحزاب الكردية
القديمة أو إنشاء تنيسيقيات أو ما يماثلها لإحداث تقدم في المشهد الكردي السوري
وبالتالي المشهد السوري العام.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.