في الوقت الذي تعاني فيه إمدادات المورد الموسمي
من مياه نهر
النيل القادمة من النيل الأزرق إلى
مصر والسودان من تراجع كبير هذا العام،
بسبب الإدارة الإثيوبية الأحادية لـ"سد النهضة"، وبفعل تراجع معدلات الأمطار
فوق الهضبة الإثيوبية بفعل ظاهرة "النينيو"؛ تواجه دولتي مصب النيل أزمة
بناء سدود جديدة قد تهدد حصتيهما التاريخية من المياه.
وبدعم من الاتحاد الأوروبي، الذي زار وفده دولة
جنوب
السودان في آذار/مارس الماضي، أكد وزير الطاقة والسدود في
جنوب السودان، أغوك
ماكور كور، الجمعة، استعداد حكومة بلاده للمضي قدما في خطط بناء سد "جراند فولا"
قرب الحدود الأوغندية، باعتباره أحد المشاريع التنموية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي حين أكد أن بلاده لا ينبغي أن تخشى تطوير
مشروعاتها المائية، لفت إلى أن دول حوض النيل، بما فيها مصر، تنفذ مشروعات مائية، قائلا:
"بصفتي وزيرا للطاقة، أؤكد أننا مستعدون لبناء سدنا".
ووفق ما نشره موقع "Pulse of Africa" الإثيوبي، يقع مشروع السد قرب "شلالات فولا" بولاية
"الاستوائية الشرقية" على النيل الأبيض، بقدرة تصميمية وفقا للدراسات الأساسية
نحو 1080 ميغاواط، ما يجعله من أكبر مشروعات توليد الكهرباء هناك، والتي تأخرت 10 سنوات
بفعل "نقص التمويل" و"الاضطرابات الأمنية".
ماذا عن القاهرة؟
تحرص القاهرة على حضور دبلوماسي، وعسكري، وتنموي،
بتلك المنطقة من القارة الأفريقية وبطول امتداد نهر النيل، وبنت العديد من المشروعات
والتي كان آخرها افتتاح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي 21 آب/أغسطس الماضي، سد ومحطة
"جوليوس نيريري" الكهرومائية بتنزانيا، بتنفيذ مصري من "المقاولون العرب"
و"السويدي إلكتريك"، بتكلفة 2.9 مليار دولار، وبقدرة 2115 ميغاوات، ما سبقه
المشاركة في بناء "سد أوين" بأوغندا، وخزان "جبل الأولياء" بالسودان.
مصر التي تطالب دول حوض النيل بالتنسيق والتشاور
والإخطار المسبق حول المشروعات التنموية على حوض النيل وإجراء الدراسات الفنية، علاقاتها
مع جوبا، التي انفصلت عن الخرطوم عام 2011، وطيدة وبين سياسية وعسكرية وتنموية حيث
أصبح على القاهرة تقديم الكثير من الدعم العسكري والفني وغيره، للحفاظ على علاقات ودية
مع جوبا.
وتسعى القاهرة لتقديم خدماتها الفنية لجوبا لقطع
الطريق على تحركات أديس أبابا، وبينها إعادة مشروع قناة "جونجلي"، وتوقيع
اتفاقية عام 2021، لبناء سد "واو" على نهر سيوي (أحد روافد النيل) لإنتاج
10.40 ميغاوات كهرباء وللحد من الفيضانات، وتوفير مياه الشرب والري، وإدارة 3 محطات
لقياس مناسيب وتصرفات بحر الجبل في نيمولي وبور ومنجلا.
إلى جانب تأكيد دراسة مركـز "شاف"،
لدور الجيش المصري في تدريب وتأهيل ضباط جنوب السودان، وفق مذكرة تعاون أمني في كانون
الثاني/يناير 2024، موضحة أن مصر "تحتفظ بقوة لحفظ السلام بمنطقة (إيبي) المتنازع
عليها بين الخرطوم وجوبا".
واعترفت مصر بجنوب السودان فور انفصاله
9 تموز/يوليو 2011، وزار السيسي جوبا تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وذلك قبل زيارة رئيس
جهاز المخابرات المصرية السابق عباس كامل، لها في آب/أغسطس، فيما زار رئيس جنوب السودان
سلفا كير، القاهرة أعوام: (2014 و2017، و2019، و2021، و2023)، لتنقطع الزيارات الرئاسية
بالسنوات الثلاث الأخيرة.
3 ضربات من جوبا
لكن هناك مؤشرات على تغير في العلاقات، ففي أيار/مايو
الماضي، زعمت صحيفة تابعة لقوات "الدعم السريع" في السودان، وموقع بحثي إثيوبي
ممول من الإمارات، أن دولة جنوب السودان، أغلقت قاعدة عسكرية مصرية بمنطقة "جوت"
بولاية أعالي النيل، جنوب السودان، وغرب إثيوبيا.
وفي حين نفت القاهرة وجوبا وجود تلك القاعدة
من الأساس في حزيران/يونيو 2020، تزعم تقارير إثيوبية تواجد قوات مصرية منذ ذلك العام،
بممر (جوت-باغاك) بولاية أعالي النيل عند ملتقى حدود جنوب السودان، والسودان، وإثيوبيا،
وقرب روافد النيل الأزرق التي تغذي سد النهضة الإثيوبي الذي يشهد نزاعا مصريا سودانيا
حوله مع إثيوبيا.
وسبق الحديث غير المؤكد رسميا عن غلق جوبا القاعدة
العسكرية المصرية لديها، تقديم حكومة جوبا في نيسان/أبريل الماضي، شكوى غير مسبوقة
منها بحق مصر للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن أوضاع مواطنيها اللاجئين
في مصر، على خلفية عمليات ترحيل قسري.
وفيما اعتبره محللون ضربة موجعة من جوبا، للقاهرة،
جاء انضمام جنوب السودان لاتفاقية "عنتيبي"، تموز/يوليو 2024، لتنضم إلى
إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبورندي، ليكتمل النصاب القانوني للاتفاقية التي
ترفض مصر والسودان التوقيع عليها منذ 16 عاما، لتتخذ جوبا موقفا مخالفا للقاهرة والخرطوم
من اتفاقية تقودها أديس أبابا وتسلب دولتي المصب بعض حقوقها التاريخية بمياه النيل.
ورغم الجهود المصرية كان مصير العديد من مشروعات
التنمية بين القاهرة وجوبا الفشل، وخاصة مشروع قناة "جونجلي" على نهر النيل
المتوقف منذ سنوات والذي يزيد من حصة المياه القادمة لمصر والسودان عبر المورد الدائم
لنهر النيل، بسبب معارضة "جهات قبلية في الموقع للمشروع، بالإضافة إلى منظمات
بيئية دولية تعترض على القناة بدعوى أنها تعيق انتقال حركة الحيوانات كالفيلة مثلا؛
وناهيك عن التكلفة"، وفق تأكيد الخبير في الشأن الأفريقي الدكتور مصطفى الجمال
في حديث سابق لـ"عربي21".
أدوار خارجية مثيرة
وتتشابه ضجة حديث وزير الطاقة والسدود أغوك ماكور
كور، مع ذات الضجة التي أحدثها في حزيران/يونيو 2021، تصريح نائب وزير خارجية جوبا
دينق داو دينق، لصحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية حول بناء سد كبير على
نهر النيل، لتوفير الكهرباء ومنع الفيضانات المدمرة بتمويل صيني.
وردا على احتمال حدوث صدام مع مصر كما حدث بين
القاهرة وأديس أبابا في شأن سد النيل الأزرق، أكد دينق، أنه حق سيادي لبلاده،
وذلك رغم توقيع وزير الري المصري محمد عبدالعاطي في جوبا، قبلها بأيام مذكرة تفاهم
لتنفيذ مشروعا للحد من مخاطر الفيضان بحوض بحر الجبل، وبحث دعم مصر لتطوير قطاعي الموارد
المائية والزراعة، وتوفير إمدادات مياه الشرب للأهالي والثروة الحيوانية.
لكن ومع تجدد الحديث الجنوب سوداني عن بناء سد
"جراند فولا"، تظل زيارة وفد من الاتحاد الأوروبي لموقع السد المقترح بصحبة
الوزير كور، في آذار/مارس الماضي، علامة استفهام لدى المصريين حول مدى وجود تمويل أوروبي
للسد، للدولة المقربة من "الفاتيكان".
كما تظل علاقات جنوب السودان مع جارتها إثيوبيا
التي لعبت دورا مهما في دعم انفصال جوبا عن الخرطوم، ومع إسرائيل التي قدمت السلاح
والتدريب لحركات التمرد في جنوب السودان، نقاط تثير مخاوف المصريين، من وجود دعم من
أديس أبابا وتل أبيب لهذا المشروع في سياق الضغط على مصر في ملفات مياه النيل وتهجير
الفلسطينيين، وغيرهما.
"الإثارة وخلق جو من العداء"
كذلك فإن إثارة الحديث عن السد الآن تحتاج إلى
قراءة في دلالات التوقيت، خاصة وأن جوبا لم تعلن بعد عن دراسات فنية حول السد، ولم
تكشف عن حصولها على التمويل الكافي، كما أنه حال تنفيذ المشروع فإنه وفق المتداول يحتاج
8 سنوات.
وزير الري المصري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين
علام وفي إجابته على تساؤلات "عربي21"، كتب يقول: "بالطبع المقصود بالإعلان
عن هذا السد الذي لم يتم حتى الآن توفير التمويل له بعد؛ هو الإثارة وخلق جوا من العداء
بين مصر وجنوب السودان ودول الهضبة الاستوائية، بدون داع أو حتى وجود أسباب للخلاف".
ويرى علام، أن "بناء السدود في حد ذاتها
ليس تهديدا لمصر وغيرها من دول الحوض، فالسدود أنواع وأشكال، منها سدود كهربية بعضها
يعتمد على التخزين أمام السد لخلق ارتفاع مائي لتوليد الطاقة، ومثال على ذلك السدود
الإثيوبية".
وأضاف: "البعض الأخر يعتمد على سرعة جريان
النهر، والتي تُستخدم لإدارة التوربينات وتوليد الطاقة كبعض سدود الهضبة الاستوائية
خاصة في أوغندا، وكالسد المقترح في جنوب السودان، وهناك سدود التخزين للري والشرب وغيرها،
ومثل هذه السدود لا يحتاجها معظم دول منبع حوض النيل".
وخلص للقول: "دول منبع حوض النيل لا تحتاج
مياه سواء للري أو المراعي، بل تعاني من مشاكل تصريف المياه الزائدة نتيجة للفيضانات
الضخمة، ولكنها بالطبع تحتاج الكهرباء للاستخدامات السكانية وأغراض التنمية الأخرى؛
ومصر كانت ومازالت وستظل تدعم ماليا وفنيا احتياجات العديد من دول الحوض".
حجم المخاوف والأضرار
ولفت الصحفي محمود الأنصاري، إلى أنه هناك مجموعة
من المواقع الكهرومائية الكبرى المخطط لها على النيل الأبيض بجنوب السودان، من بينها
"فولا" و"بدن" و"لاكي" و"شوكولي"، ضمن خطط
طويلة الأجل لاستغلال النهر في إنتاج الكهرباء، مبينا أن أي منشأة مائية ضخمة على نهر
دولي لا تقيم فقط بعدد الميغاواط التي تنتجها، وإنما بحجم خزانها، وطريقة ملئه، ونظام
تشغيله، والتصرفات المائية التي سيطلقها، وفواقد التبخر، وأي توسعات زراعية أو تحويلات
للمياه قد ترتبط به مستقبلا.
وقال إن "المعلومات الرسمية تتحدث عن قدرات
(جراند فولا) الكهربائية وعن التمويل ودراسات الجدوى والربط الإقليمي، بينما لا تزال
تفاصيل حاسمة بالنسبة لدول المصب، مثل السعة النهائية للخزان وقواعد الملء والتشغيل
والتأثير الهيدرولوجي التفصيلي على التدفقات المتجهة شمالا، غير واضحة".
وأكد أنه "قد يبدو المشروع أقل خطورة للوهلة
الأولى لأن النيل الأبيض لا يقدم لمصر الكمية الأكبر من مياه النيل"، لكنه أوضح
أن "أهمية النيل الأبيض ترتبط كذلك باستقرار تدفقاته نسبيا على مدار العام، بينما
تتسم مياه النيل الأزرق بتذبذب موسمي كبير".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار الباحث في الشأن الإفريقي، هاني إبراهيم،
إلى أن سد "فولا"، بقدرة من (٨٩٠ إلى ١٠٨٠ ميجاوات)، وبتكلفة حالية ٢ مليار
دولار، ويحتاج لسنوات طويلة للانتهاء منه، إذا ما وجد التمويل، موضحا أن أضراره لم
تتضح بعد، قائلا: "لا توجد دراسات متاحة عن سعة التخزين أو أغراض أخرى للسد بخلاف
الكهرباء، وبالتالي تحديد الأثر بدون إطلاع ووصول لدراسات نهائية بشأنه أمر غير دقيق".
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أكد أنه
"لو الغرض كهربي والحماية من الفيضانات فلا أعتقد أن يكون له ضررا، أما لو كان
لأغراض الري فهنا المساحة المستهدفة تحدد مقياس الضرر، وسعة الخزان"، ملمحا إلى
أن مصر لا تعارض أي مشروعات تنموية حقيقية طالما تحقق منافع مشتركة، بل وتتقاسم أيضا
الأضرار .
وبين أن القاهرة دعمت جوبا "في سد واو متعدد
الأغراض على نهر الجور بسعة ٢ مليار متر مكعب، بخلاف مشروعات أخرى ودعم فني ومالي"،
ملمحا إلى أن "مخطط السدود للأغراض الكهربية لجنوب السودان يشمل قدرات أقل من
فولا، مثل سد بدن من ٥٤٠ إلى ٧٨٠ ميجاوات وسد لاكي ٤١٠ ميجاوات، وسد شوكولي ٢٣٥ ميجاوات،
لكن لا توجد دراسات لها ولا تمويلا".