قررت محكمة النقض
المصرية، إدراج المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب مصر القوية والمعتقل منذ العام 2018، الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح على قائمة الكيانات الإرهابية والإرهابيين نهائيا.
الحكم قانونا، يعني وصما دون رجعة عن تلك التهمة، وعدم وجود فرصة قانونية للخروج من ذلك التصنيف الذي يُفقد السياسي المصري شرط "حسن السمعة والسيرة" اللازم لتولي المناصب العامة أو الترشح مستقبلا للرئاسة، ما يمثل وفق معارضين إزاحة نهائية لأبو الفتوح من مشهد سياسي يسطر عليه رئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي منذ العام 2013.
أُوقِف أبو الفتوح من منزله بالقاهرة في 14 شباط/ فبراير 2018، بعد يوم واحد من عودته من لندن وظهوره في فضائية "الجزيرة" التي انتقد فيها السلطات المصرية ووصف مصر في عهد السيسي بأنها "جمهورية الخوف"، لتوجه له النيابة تهم الاتصال بكيانات معادية للدولة (تنظيم
الإخوان المسلمين الذي كان قياديا سابقا فيه)، وتولى قيادة جماعة أُسست على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة، ليتم تأييد الحكم بسجنه 15 عاما نهائيا في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
الإدراج النهائي لأبو الفتوح بقائمة الإرهاب، يرى فيه حقوقيون ومتحدثون لـ"عربي21"، أنه "كيدي، ويأتي للتنكيل بشخصية سياسية لها تأثيرها في قطاع عريض من المصريين"، إذ أنه حصل في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2012، على أكثر من 4 ملايين صوت وحل رابعا عقب المرشحين: محمد مرسي، وأحمد شفيق، وحمدين صباحي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي رؤيتهم لدلالات الحكم، أكدوا أن قرار محكمة النقض "ليس له أية مبررات على أرض الواقع، وأنه يُسقط تهمة الإرهاب عن أبو الفتوح، وبالتالي عن قيادات جماعة الإخوان المسلمين المعتقلين عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس الراحل محمد مرسي 3 تموز/ يوليو 2013، والذين تمت محاكمتهم في (اتهامات مسيسة)، بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية".
ولتبيان رؤيتهم تلك، لفتوا إلى أن "أبو الفتوح تم فصله من جماعة الإخوان المسلمين في حزيران/ يونيو 2011، وتوجه نحو العمل السياسي بعيدا عن الجماعة بتأسيس حزب (مصر القوية) 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ليتقدم بأوراق ترشحه للرئاسة في 29 آذار/ مارس 2012، وواصل انتقاد سياسات الرئيس مرسي، خلال عام حكمه (30 حزيران/ يونيو 2012- 3 تموز/ يوليو 2013)".
وبينوا أنه "لم يكن من المشاركين في اعتصام أنصار مرسي في ميداني (رابعة العدوية) و(النهضة) بالقاهرة، وأنه أيد بيان الانقلاب العسكري الذي أذاعه السيسي، وظل حرا حتى دون ملاحقات أمنية حتى عام 2018، رغم رفضه مجزرة فض رابعة، وانتقاده سياسات السيسي".
ولفتوا كذلك إلى أنه "لم يتم توجيه له اتهامات كالتي وجهت لقيادات جماعة الإخوان المسلمين كالاتهام بارتكاب عنف أو الدعوة له على خلفية رفض الانقلاب العسكري ومنها قضايا: "أحداث رابعة والنهضة"، "العدوة"، و"مسجد الاستقامة"، و"البحر الأعظم"، و"قطع طريق قليوب"، فيما لم يتم وضع اسمه في القضايا الكبرى مثل (أحداث الاتحادية 2012)، و(اقتحام السجون 2011) و(التخابر مع حماس وحزب الله وقطر)، وغيرها.
وأشاروا إلى "التنكيل بنجل أبو الفتوح، أيضا، رغم عدم ظهوره في أية أحداث أو وقائع"، حيث أصدرت محكمة أمن دولة طوارئ، 28 تموز/ يوليو 2025، حكمها على أحمد أبو الفتوح بالسجن 5 سنوات، يعقبها 5 سنوات مراقبة شرطية، مع إدراجه على قوائم الكيانات الإرهابية، واعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ضمن منطوق الحكم.
وأكدوا أن "إصرار نظام السيسي، على وضع أبو الفتوح، ونجله، ضمن قائمة العقاب كقيادات الإخوان رغم أنه انفصل عن الجماعة، ورغم أنه لم يكن في أحداث عام حكم الرئيس مرسي بل وكان من معارضيه، ووضعه ونجله على قائمة الإرهاب نهائيا وبلا جريمة ارتكبها أي منهما؛ تؤكد أيضا كيدية الاتهامات الموجهة لقيادات جماعة الإخوان المسلمين".
سلوك متدن بحق قامات
وفي حديثه لـ"عربي21"، قال السياسي المصري والبرلماني السابق الدكتور جمال حشمت: "هذا ظلم بين يؤكد أن القضاء في مصر تمت السيطرة عليه، ويؤكد السلوك المتدني للنظام الحاكم الذي ينتقم من الكبار دون النظر إلى حرمة أعمارهم وتاريخهم الذي يشهد لهم على الفهم الصحيح، والعمل الجاد، من أجل دينهم ووطنهم، وهم كثر مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح".
واستدرك حشمت: "لكن هذا الحكم يؤكد أن الخوف يسيطر على أداء النظام هذه الفترة من الزمان؛ فالإدراج النهائي يعني ضمان عدم التبرئة، وهو معنى غريب لأن كل نظام يسقط تسقط معه أحكامه وقراراته، لكنه الكيد والتنكيل الذي يسيطر علي عقول هؤلاء".
وأضاف: "لعل هذا الغل والتهور في أحكام قضائه تؤكد بطلان التهم التي لا تستند لوقائع، بل هي في مخيلة من كتبها كذبا وافتراء، كما تؤكد اعتماده على التلفيق لضمان بقائه وتبرير تصرفاته، وقد انكشف ذلك لأغلبية الشعب المطحون".
وختم قائلا: "ولو بدل تصرفاته تلك بالعفو والصفح وفتح باب المصالحة لتوحيد الشعب أمام البلاء القادم والذي يجهزه أعداء الوطن لمصر لكان أولى وأرحب وأفضل لكل الأطراف".
الإرهاب من جريمة إلى تهمة سياسية
وفي رؤيته، قال الباحث الحقوقي أحمد هلال: "لا يمكن قراءة قرار محكمة النقض المصرية بإدراج الدكتور أبو الفتوح، على قوائم الإرهابيين بمعزل عن سياق أوسع تعيشه مصر منذ سنوات: تحويل قانون الإرهاب من أداة لحماية الأمن إلى سلاح لتصفية الخصوم السياسيين، وتقويض الحقوق والحريات العامة".
هلال، وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن "من يتابع مسار أبو الفتوح يدرك أنه انفصل عن جماعة الإخوان، وأسس حزبا خارجها، واختلف مع قياداتها، ولم يكن طرفا في اعتصام رابعة، وكان من معارضي الرئيس مرسي. ومع ذلك، تُصرّ السلطة على محاكمته وتصنيفه إرهابيا، لا لفعله، بل لموقفه السياسي واستقلاليته عن ثنائية (النظام/ الإخوان)".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن "هذا التناقض ليس تفصيلا عابرا، بل كشف لهيكل منظومة قمعية؛ فحين يُدرج سياسي لم يرتكب جرما في قائمة الإرهاب، فإن التهمة تفقد معناها القانوني وتتحول إلى عقوبة سياسية، وحين تُستخدم محاكم أمن الدولة الطوارئ، وتُعتمد تعريفات فضفاضة للإرهاب، وتُمنع محاكمة عادلة، ويُحرم المتهم من ضمانات الدفاع، يصبح السؤال ليس هل ارتكب؟ بل من هو العدو؟ وهنا ينتقل القانون من حماية الحقوق إلى إدارة الصراع السياسي".
نظام عقابي مواز
ويرى أن "الأخطر هو أن هذا المسار لا يستهدف فردا أو جماعة، بل يستهدف الحقوق والحريات العامة؛ فحرية الرأي والتعبير، وحق التنظيم السياسي، وحرية التجمع السلمي، والحق في محاكمة عادلة، كلها تنتهك عندما يُصنّف المعارض إرهابيا".
ويعتقد أن "هذا الوضع يخلق مناخا من الخوف والإرهاب القانوني، يدفع المواطنين إلى الصمت، ويمنع أي معارضة حقيقية، ويفرغ الحياة العامة من التعددية، فالمجتمع الذي يعاقب فيه السياسي على موقفه، لا على جريمته، هو مجتمع فقد شرطاً أساسياً من شروط الشرعية الديمقراطية".
وبين أنه "لا تقف الآثار عند المعتقل وحده، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه: تجميد الأموال، منع السفر، الملاحقة الإدارية، والتشهير العلني، وهي عقوبات توقع دون محاكمة عادلة، وتنتهك مبدأ قرينة البراءة، وتخالف أبسط قواعد القانون الدولي، وهكذا يتحول قانون الإرهاب إلى نظام عقابي مواز، يمنح السلطة تقديرا مطلقا على حياة المواطنين وحرياتهم".
تآكل مصداقية الاتهامات
وقال الحقوقي المصري، إنه "إذا كان أبو الفتوح، وهو خصم تاريخي للإخوان ومنشق عنها، يُدرج على قائمة الإرهاب، فإن مصداقية الاتهامات ذاتها الموجهة لقيادات الإخوان تتآكل، لا يسقط حكم النقض هذه التهم قانونيا عن الآخرين، لكنه يسقط الرواية الرسمية عنها سياسيا وأخلاقيا".
وأكد أنه "يكشف أن الإرهاب في خطاب النظام ليس جريمة تُثبت، بل تهمة تُمنح لمن يخرج عن طاعته؛ ويصبح من حق كل متابع أن يتساءل: إذا كان هذا مصير من لم ينتمِ إلى الجماعة، فكيف بمن انتمى إليها؟".
هلال، بين أن "استمرار هذه السياسة لا يهدد الحريات العامة فقط، بل يهدد سيادة القانون ومصداقية القضاء؛ فالمحاكمة العادلة ليست ترفا، بل شرط لشرعية أي عقوبة، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، من الإعلان العالمي إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تكفل حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتشترط محاكمة عادلة".
وأوضح أن "المطلوب ليس فقط إسقاط التهم عن أبو الفتوح ورفاقه، بل مراجعة شاملة لقانون الإرهاب، وإنهاء المحاكم الاستثنائية، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وضمان الحقوق والحريات العامة، فبدون ذلك، لن يكون هناك أمن حقيقي، بل خوف دائم، ولن يكون هناك قضاء، بل أداة سياسية".
تفصيل قانون الإرهاب
وتجري محاكمة أبو الفتوح، وأكثر من 60 ألف معتقل سياسي مصري وفقا لبنود القانون (رقم 8 لسنة 2015) بشأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين وتعديلاته، والذي يرى حقوقيون أنه جرى تفصيله عام 2014، لينطبق على معارضي نظام السيسي، لتصدر عشرات الأحكام تحمل آلاف الأسماء بينها في 12 كانون الثاني/ يناير 2017، حين وضعت محكمة الجنايات المصرية 1538 مصريا دفعة واحدة على قائمة "الإرهابيين".
حينها قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن "الحكم عكس استخدام السلطات التمييزي لقوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة، مؤكدة أن الأشخاص الصادر الحُكم ضدهم لم يتمكنوا من الطعن فيه، ومبينة أن "وضع المئات على قائمة بالإرهابيين المزعومين، بما يجرّه هذا عليهم من تبعات خطيرة على حريتهم ومعيشتهم وحتى دون إخبارهم، هو استهزاء بسلامة الإجراءات القانونية".
ووجه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومنظمات حقوقية أخرى في شباط/ فبراير 2015، الكثير من الانتقادات لـ"قانون الإرهاب"، منها: استخدام عبارات غير دقيقة في تعريف "الإرهاب" والكيانات الإرهابية، مثل "الإخلال بالنظام العام"، أو "الإضرار بالسلام الاجتماعي"، أو "تعطيل أحكام الدستور"، ليؤكد المركز الحقوقي أن هذه المصطلحات الفضفاضة تتيح تفسيرات واسعة قد تؤدي إلى إدراج المعارضين السياسيين السلميين، والنشطاء الحقوقيين، والأحزاب، والصحفيين على قوائم الإرهاب.
اظهار أخبار متعلقة
ومع ما يترتب عليه ذلك الإدراج من إجراءات قاسية مثل تجميد أموال المعتقل وعائلته، يؤكد حقوقيون أن الإجراءات القضائية الخاصة بالطعن على قرارات الإدراج على قوائم الإرهاب لا توفر الضمانات الكافية للمتضررين لدحض الاتهامات المقدمة ضدهم.
وفي قائمة الكيانات الإرهابية والإرهابيين ووفقا لقانون عام 2015، جرى إدراج أسماء بينهم: المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، والقائم بأعمال المرشد العام محمود عزت، ورئيس مجلس الشعب الأسبق ورئيس حزب "الحرية والعدالة" محمد سعد الكتاتني، والقيادي البارز وعضو برلمان 2012 محمد البلتاجي، وأيضا: رشاد البيومي، ومحمود غزلان، وعبد المنعم أبو الفتوح، وغيرهم.
ودانت منظمات حقوقية محلية ودولية وضع الكثير من الأسماء على قائمة الكيانات الإرهابية والإرهابيين إثر الأحكام القضائية الصادرة بالإعدام والسجن المؤبد بحق الكثيرين في قضايا مثل فض اعتصام رابعة وأحداث المنصة وغيرها، واعتبرتها أحكاما تفتقر لمعايير العدالة.
حيث أكدت البيانات الحقوقية لمنظمات بينها "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، أن المحاكمات جماعية وتفتقر لضمانات التقاضي العادل ولا تحترم الحق في دفاع حقيقي، فيما رأت أن هذه الأحكام تأتي في سياق تصفية الخصوم السياسيين والانتقام منهم تحت غطاء مكافحة الإرهاب، مما يتعارض مع الحق في الحياة، ودعت إلى إعادة النظر في تلك الأحكام القاسية وفتح تحقيقات مستقلة في أحداث العنف المرتبطة بها بدلاً من إصدار أحكام جماعية ترسخ سياسة الإفلات من العقاب.