"لكل شيء إذا
ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ
من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ"
هكذا كتب أبو البقاء الرندي وهو يرثي
الأندلس، مستحضراً ذلك القانون الغامض الذي يحكم صعود الدول وسقوطها، وازدهار
المدن ثم أفولها، واستقرار الخرائط ثم إعادة رسمها. وفي موضع آخر يقول:
"وهذه الدار لا
تُبقي على أحدٍ
ولا يدوم على حالٍ لها شانُ".
لم يكن الرندي يتحدث عن خريطة سياسية بعينها
بقدر ما كان يكتب عن هشاشة ما يبدو ثابتاً، وعن الإنسان الذي يخلط أحياناً بين طول
عمر الأشياء وخلودها.
ولعل هذه الفكرة تستحق أن تُستعاد اليوم
ونحن ننظر إلى
بريطانيا وأيرلندا الشمالية. فالتاريخ لا يقول إن الكيانات السياسية
تسقط دائماً بالسيف، ولا إن الحدود تتغير بالضرورة بعد الحروب. أحياناً يكفي أن
يتغير الزمن، وتتبدل الأجيال، وتتحول موازين الهوية والديموغرافيا والمصالح، حتى
يبدأ السؤال الذي كان يبدو مستحيلاً: هل سيبقى هذا الاتحاد كما هو؟
لقد تغيرت بريطانيا كثيراً خلال قرن واحد. الإمبراطورية التي كانت تمتد عبر القارات اختفت. والمجتمع البريطاني نفسه تغير. والهويات المحلية عادت إلى الواجهة. وأصبحت اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية تمتلك مؤسساتها وصوتها السياسي الخاص.
لقد عرفت مدن كثيرة في التاريخ هذا التحول.
كانت القيروان، في لحظة من لحظات التاريخ، مركزاً من مراكز القوة والعلم والسياسة
في المغرب الإسلامي، ثم جاءت التحولات السياسية والمذهبية والعسكرية لتعيد ترتيب
مكانتها. ولم يكن أحد من أهلها يستطيع أن يتصور أن المكانة التي بدت راسخة يمكن أن
تصبح جزءاً من الماضي.
ثم جاءت الأندلس، التي بدت لقرون طويلة
وكأنها عالم قائم بذاته، قبل أن تتحول مدنها وقصورها إلى صفحات في كتاب الذاكرة.
ولذلك لم يكن رثاء الرندي مجرد بكاء على مدن ضائعة، وإنما كان تأملاً في طبيعة
التاريخ نفسه: لا شيء يضمن للكيانات السياسية أن تبقى على الصورة التي عرفتها
الأجيال السابقة.
ومن هنا، فإن السؤال عن أيرلندا الشمالية
ليس سؤالاً محلياً ضيقاً، ولا مجرد نزاع قديم بين قوميين واتحاديين. إنه سؤال
أوسع: ماذا يحدث للمملكة المتحدة إذا اختارت أيرلندا الشمالية، عبر المسار
الديمقراطي، أن تنضم إلى جمهورية أيرلندا؟
الإجابة الأولى تبدو واضحة: لن تختفي
بريطانيا في اليوم التالي، ولن تنهار الدولة تلقائياً. لكنها ستستيقظ على حقيقة
سياسية ونفسية عميقة: أن الاتحاد الذي كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره إطاراً شبه
أبدي، يمكن أن يكون قابلاً لإعادة التفاوض.
وهنا تكمن أهمية اتفاق الجمعة العظيمة.
فالدرس الأكبر الذي قدمته أيرلندا الشمالية للعالم ليس أنها حلت خلافاتها، وإنما
أنها وجدت طريقة لإدارة خلاف لا يمكن حسمه بسهولة. لم يقل الاتفاق إن طرفاً انتصر
إلى الأبد، ولم يقل إن الهوية البريطانية ستختفي أو إن الهوية الأيرلندية ستنتصر.
بل جعل المستقبل مفتوحاً أمام إرادة الناس، وأقام مبدأ الموافقة الديمقراطية في
صميم المسألة الدستورية.
وهذا ربما هو أعظم ما يمكن أن تتعلمه الدول
من التاريخ: أن بعض القضايا لا تُحل بإلغاء أحد طرفيها، وإنما بإعطائهما معاً حق
العيش والاختيار.
لكن قيام أيرلندا موحدة، إذا أصبح واقعاً
يوماً ما، لن يكون مجرد تغيير في لون الخريطة. فماذا سيكون مصير المؤسسات؟ الشرطة
والقضاء والتعليم والصحة والضرائب؟ كيف ستتم إدارة الاقتصاد؟ كيف ستُحفظ مصالح
الذين يعتبرون أنفسهم بريطانيين؟ وماذا سيكون شكل الدولة الجديدة؟ وهل ستكون
الوحدة اندماجاً كاملاً، أم صيغة دستورية مرنة تحفظ خصوصية أيرلندا الشمالية؟
هذه أسئلة أكبر بكثير من الشعارات التي
تُرفع في المهرجانات السياسية. والأهم أن خروج أيرلندا الشمالية من المملكة
المتحدة لن يبقى بالضرورة حدثاً أيرلندياً.
فإذا أصبح من الممكن أن تعيد منطقة داخل
المملكة المتحدة تعريف علاقتها بالدولة الأم عبر الاستفتاء والاتفاق، فإن السؤال
الاسكتلندي سيعود بقوة أكبر. وإذا قالت أيرلندا الشمالية: لقد اخترنا مستقبلاً
آخر، فقد تقول اسكتلندا بدورها: ولماذا لا نختار نحن؟
وعندها لن يكون السؤال: هل ستخسر بريطانيا
أيرلندا الشمالية فقط؟ بل: ما الذي سيبقى من مفهوم المملكة المتحدة نفسه؟
لقد عرفت المنطقة معنى أن تأتي قوة من
الخارج فتجلس أمام الخرائط، بالقلم والحبر، لتقرر أين تنتهي أرض وأين تبدأ أخرى.
وعرفت شعوب كثيرة كيف يمكن لخط على الورق أن يتحول، بعد سنوات، إلى حدود وهوية
وصراع وذاكرة.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف اليوم أن
بريطانيا، التي كانت في مراحل من تاريخها واحدة من القوى التي ساهمت في إعادة رسم
خرائط العالم، تجد نفسها أمام مشهد معكوس: خريطتها هي التي أصبحت موضع نقاش.
ولعل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
إلى دبلن في سبتمبر/أيلول 2026 جاءت لتمنح هذا المشهد بعداً رمزياً إضافياً. فقد
أعلن ترامب خلال زيارته أنه "يحب أن يرى" أيرلندا موحدة، وقال إن الوحدة
"ستحدث في النهاية"، ولذلك "قد يكون من الأفضل أن تحدث الآن"،
واصفاً الأمر بأنه سيكون شيئاً رائعاً. وقد أثارت تصريحاته اعتراضاً في لندن وبين
قادة التيار الوحدوي في أيرلندا الشمالية، الذين شددوا على أن مستقبل الإقليم يجب
أن يقرره سكانه، لا واشنطن ولا لندن ولا دبلن.
ليس المهم هنا أن ترامب يستطيع أن يقرر
مستقبل أيرلندا الشمالية؛ فهو لا يستطيع. وليس المهم حتى أن نعرف إن كان موقفه
سيؤثر فعلياً في مسار الوحدة الأيرلندية. الأهم هو المفارقة التاريخية.فالرئيس
الأمريكي يتحدث من دبلن عن احتمال إعادة رسم خريطة المملكة المتحدة، في الوقت الذي
كانت فيه بريطانيا، في مراحل سابقة من تاريخها، حاضرة بقوة في رسم خرائط مناطق
أخرى من العالم.
ليس المقصود أن التاريخ جاء لينتقم. التاريخ
لا ينتقم. لكنه أحياناً يعيد الأسئلة إلى أصحابها.
لقد عرفت المنطقة العربية، أكثر من غيرها،
معنى الخرائط التي تُرسم من الخارج. من اتفاقية سايكس ـ بيكو إلى وعد بلفور، ومن
الانتدابات إلى الحدود التي ورثتها الدول الحديثة، ظلت آثار القرارات الإمبراطورية
حاضرة في السياسة والوعي والذاكرة.
ولذلك فإن المشهد البريطاني الراهن يحمل
مفارقة تستحق التأمل: الدولة التي كانت ذات يوم جزءاً من القوة التي تصوغ النظام
الدولي وتعيد ترتيب خرائطه، أصبحت هي نفسها مضطرة إلى مواجهة أسئلة الحدود والهوية
والسيادة.
لكن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى شماتة.
فالبريطاني الذي يعيش اليوم في لندن أو مانشستر أو بلفاست ليس مسؤولاً شخصياً عن
قرارات إمبراطورية اتخذت قبل أجيال. كما أن الأيرلندي المعاصر ليس أسير كل صفحات
التاريخ القديمة.
المسألة أعمق من ذلك. إنها تتعلق بقانون
تاريخي بسيط: ما يبدو دائماً ليس بالضرورة دائماً. ربما لهذا السبب يجب أن
تنظر بريطانيا إلى احتمال تغير وضع أيرلندا الشمالية بهدوء أكبر، لا بخوف ولا
باستعلاء.فالاتحاد السياسي الناجح ليس هو الذي يمنع أفراده من التفكير في مستقبله،
وإنما الذي يجعل بقاءه خياراً مقنعاً.
إذا كان الاتحاد البريطاني يريد أن يستمر،
فإن أفضل دفاع عنه ليس القول إن بريطانيا ستبقى موحدة إلى الأبد، وإنما أن يثبت
هذا الاتحاد للأجيال الجديدة أنه قادر على منحها مستقبلاً أفضل من البدائل.
وهذا ينطبق على أيرلندا الشمالية كما ينطبق
على اسكتلندا وويلز، بل على العلاقة بين لندن والأطراف المختلفة في المملكة
المتحدة كلها.
لقد تغيرت بريطانيا كثيراً خلال قرن واحد.
الإمبراطورية التي كانت تمتد عبر القارات اختفت. والمجتمع البريطاني نفسه تغير.
والهويات المحلية عادت إلى الواجهة. وأصبحت اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية
تمتلك مؤسساتها وصوتها السياسي الخاص.
لقد رسمت بريطانيا خرائط كثيرة للعالم. واليوم، ربما حان الوقت لكي تنظر إلى خريطتها هي. لا بوصفها حقيقة نهائية، وإنما بوصفها سؤالاً مفتوحاً. فـالخرائط ليست أبدية، وما يبدو اليوم ثابتاً قد يصبح غداً سؤالاً مفتوحاً.
والآن يبدو أن السؤال الدستوري الكبير عاد
من جديد: هل المملكة المتحدة دولة نهائية، أم مشروع سياسي قابل لإعادة التشكيل؟
إنها ليست نهاية بريطانيا بالضرورة. لكنها
نهاية لفكرة أن شكل بريطانيا لا يمكن أن يتغير. وهنا يعود أبو البقاء
الرندي من القرن الثالث عشر ليبدو، بصورة غريبة، معاصراً:
"هي الأمور كما
شاهدتها دولٌ
من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ".
فالدول، مثل البشر، تمر بمراحل لا تستطيع أن
تعرف نهايتها وهي تعيش بداياتها. وقد تكون أيرلندا الشمالية اليوم مجرد سؤال داخل
المملكة المتحدة، وقد تصبح غداً مفتاحاً لسؤال أكبر عن مستقبل الاتحاد كله.
وحينها ستكتشف بريطانيا أن المسألة لم تكن
يوماً مجرد قطعة أرض في أقصى الغرب، وإنما كانت تتعلق بفكرة الدولة نفسها: هل
تستطيع دولة أن تبقى موحدة فقط لأنها كانت موحدة في الماضي؟
التاريخ يقول لا. لكن الديمقراطية تقول إن
المستقبل لا يُحسم مسبقاً أيضاً. وبين الاثنين، التاريخ والديمقراطية، ستجد
المملكة المتحدة نفسها أمام امتحان بالغ الأهمية: هل تستطيع أن تقبل بأن خريطتها
ليست مقدسة، وأن وحدتها ليست قدراً أبدياً، وأن أفضل طريقة للحفاظ على ما يمكن
الحفاظ عليه هي أن تسمح لشعوبها بأن تختار؟
لقد رسمت بريطانيا خرائط كثيرة للعالم.
واليوم، ربما حان الوقت لكي تنظر إلى خريطتها هي. لا بوصفها حقيقة نهائية، وإنما
بوصفها سؤالاً مفتوحاً. فـالخرائط ليست أبدية، وما يبدو اليوم ثابتاً قد يصبح غداً
سؤالاً مفتوحاً.
وربما كان هذا هو الدرس الأعمق من أبي
البقاء الرندي: أن الذي يظن أن التاريخ ملك له، سرعان ما يكتشف أن التاريخ لا يملك
أحداً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.