تطور سريع وخطير شهده المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مع سيطرة جماعة "أنصار الله
الحوثي"، الجمعة، على منطقة "
باب المندب"، وذلك بعد انتشار قواتها في جزيرة "ميون" الاستراتيجية الواقعة وسط المضيق، ما يجعلها المتحكم الرئيسي في حركة مرور التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا عبر "
قناة السويس".
تلك التطورات في قراءة مراقبين تعني أزمة
مصرية جديدة وممتدة وغير مؤقتة تمس قناة السويس، الشريان المائي الذي يمثل إحدى مصادر القاهرة من النقد الأجنبي، حيث حققت نحو 10.25 مليار دولار كأعلى إيرادات سنوية بتاريخها عام 2023، قبل التوتر الإقليمي الحالي بداية من الحرب الإسرائيلية على غزة (2023-2025)، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران 28 شباط/ فبراير الماضي، والذي تسبب في تراجع إيرادات القناة إلى 3.6 مليار دولار عام 2025.
اظهار أخبار متعلقة
تطورات سريعة ومتلاحقة
وخلال الأسبوع الماضي، اندلعت معارك عنيفة بين الحوثي، وبين القوات اليمنية الحكومية المدعومة من السعودية، بتصعيد عسكري هو الأعنف منذ عام 2022، ليحقق الحوثيون تقدما ميدانيا باتجاه مضيق باب المندب الاستراتيجي، بعد سيطرتهم الخميس، على مدينة "المخا" الساحلية وجزيرة "زقر".
ووفق قراءة محللين، فإن التمدد الحوثي وبسط النفوذ الكامل على الممر البحري الحيوي الذي جاء عقب انسحاب القوات الحكومية برغم ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم استخباراتي وتحديد الأهداف للحملة السعودية على الحوثيين، وفق "سي أن أن" الأمريكية؛ يعد "خطوة لها ما بعدها من تبعات أمنية واقتصادية وتغيرات جيواستراتيجية وتطورات مستقبلية".
ويقع المضيق، الذي يُعرف باسم "باب الدموع" بسبب خطورة الملاحة فيه، عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر بين اليمن وجيبوتي وإريتريا على الساحل الإفريقي، فيما يبلغ عرضه 29 كيلومترا عند أضيق نقطة فيه، مما يُقصّر حركة السفن على قناتين، يفصل بينهما جزيرة "بريم" اليمنية، المعروفة عربيا باسم "ميون".
وإلى الشمال، تقع جزر "حنيش" بين مدينتي "الحديدة" و"المخا" الساحليتين، بما يمنح من يُسيطر عليها موقعا يُتيح له رصد ومراقبة السفن، وذلك في وقت يسيطر الحوثيون على "الحديدة" التي استخدموها كقاعدة للهجمات على السفن الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر خلال حرب "طوفان الأقصى".
وضع معقد وتقلبات وغموض
في قراءته للمشهد قال "عربي21"، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير فرغلي طه، إن "الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وبالتبعية دول الخليج وتأثيراتها على كل تلك الأطراف، ثم أطراف أخرى مثل الصين وروسيا وبعض دول العالم المتأثرة بحصار وإغلاق مضيق هرمز؛ كلها أمور معقد وبدأت منذ شباط/فبراير 2026، وحتى الآن".
الدبلوماسي المصري أضاف: "ثم امتدت بالأمس إلى تدخل سريع أدى إلى وصول الحوثيون نيابة عن إيران إلى مشارف باب المندب على البحر الأحمر لاحتلاله من مدينة المخا اليمنية التي تبعد بين 30 إلى 70 كيلو مترا من باب المندب"، واصفا الوضع بأنه "تطور ينذر بأمور أخطر بالنسبة للتجارة العالمية ومنافذها".
"وبالنسبة لأمن البحر الأحمر، ثم وهو الأهم بالنسبة لمصر، في حركة الدخول من وإلى والخروج من قناة السويس والأمن القومي المصري، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية اقتصادية وعسكرية وأمنية على مصر وأمنها القومي"، أضاف فرغلي.
ولفت إلى أن "هذه الحرب الممتدة تتعدد أطرافها وأهدافها، وهناك غموض كبير بشأن حتى مواقف الأطراف المختلفة، وتقلبات، ثم نشوء تحالفات ظاهرة وأخرى مخفية حتى بين المتحاربين أنفسهم، في أمور كلها لا تمكننا من وضع التصور أو التحليل الجازم النهائي خصوصا مع امتداد الحرب، ومع تقلب فكر القائمين عليها، وتقلب مواقفهم ما بين الانتصارات المؤقتة والهزائم المؤقتة".
اظهار أخبار متعلقة
ماذا عن الموقف المصري؟
وبالنسبة لمصر يرى فرغلي، أنها "اتخذت منذ بداية مشاكل اليمن والحوثيين، وتدخل السعودية، وما سمي وقتها بالتحالف الإقليمي، ثم موقف الإمارات وما وقع من مشاكل بين أبوظبي والرياض، وما حدث من انسحاب للإمارات، وربما كان انسحابا غير كامل أو ترك وراءه تدخلات مخفية أو غير مباشرة".
وإزاء ذلك الوضع المتشابك أكد فرغلي، أن "موقف مصر، ولا يزال هو عدم الانغماس أو الانخراط المباشر في أية حرب خارج الإقليم المصري، وخاصة اليمن التي كانت لنا بها تجارب سلبية كبيرة في الماضي".
وبشأن التطورات الأخيرة ووصول الحوثيين إلى باب المندب، قال إنه "ورغم أنها لم تُحكم السيطرة الكاملة بعد وقد يحدث ذلك خلال ساعات أو أيام قليلة؛ فإن مصر أظن أنها لن تغير موقفها الثابت من عدم الانغماس أو التورط المباشر في أية حروب خارج الإقليم المصري، إلا دفاعا عن أمنها المباشر بالبحر الأحمر، وحماية منفذ التجارة في قناة السويس، ومصالحها الاقتصادية والعسكرية والأمنية".
وأشار إلى أنه "قد يحدث بعض التأثير السلبي؛ لكن للأسف فإن مصر لن تستطيع التحكم كاملا في مواقف الأطراف المتنوعة والمتضادة، خاصة وأنها مواقف دول لها علاقات جيدة مع مصر سواء كانت السعودية، ودول الخليج، أو إيران، أو الصين، أو أمريكا، أو حتى ارتباطها بمعاهدة سلام مع إسرائيل، أو علاقات مع روسيا، وكلها أطراف لها مصالح بدرجة أو بأخرى أو مواقف أو تدخلات في الأزمة الإقليمية الجارية الآن ومنذ 8 أشهر".
استغلال مصر وجرها للأزمة
وفي رؤيته لوضع مصر في ظل هذا التضارب في المصالح بين الأطراف، قال الدبلوماسي المصري: "تعرف معظم الأطراف أن لمصر موقفا يحرص على مصالحها أولا وأخيرا، وعلى الأمن القومي المصري، وعلى أمن البحر الأحمر، وهناك تنسيق بين مصر والسعودية والأردن وهي الدول المشاطئة للبحر الأحمر وربما السودان وإريتريا أيضا".
ولفت إلى أن "بعض أو كل تلك الأطراف ربما تحاول أن تستغل مصر في الدفاع عن أمن البحر الأحمر لمحاولة جرها بطريقة أو بأخرى للدخول المباشر في مواجهات مع الحوثيين، ومن ورائهم إيران، وأظن أن مصر تعرف ذلك وتحرص على عدم التورط في مثل تلك الأمور".
فرغلي، ذهب للقول إن "النشاط الحوثي والإيراني في اليمن ومنطقة البحر الأحمر والمواجهات المباشرة ضد السعودية ودول الخليج ثم اتخاذ بعض دول الخليج مواقف متعارضة حتى مع شركائها في الخليج نفسه، وربما كانت هناك مواقف من خلف الستار لحماية مصالحها مع إيران التي تحاربها في نفس الوقت، كلها أمور معقدة، ولذلك فمن المهم جدا أن تحرص القيادة المصرية السياسية والعسكرية والأمنية على مصالح الدولة المصرية فقط".
لب المشاكل
وحول موقف الولايات المتحدة ومن ورائها "إسرائيل"، ألمح إلى "موقف الإدارة الأمريكية الحالي وضعفها السياسي والعسكري داخليا وخارجيا، خاصة في مواجهاتها التي لم تحقق شيئا ملموسا سوى تدمير الكثير من البنية التحتية الإيرانية دون تحقيق أي من أهدافها التي حارب إيران من أجلها: وهي القضاء على الإمكانات النووية أو إسقاط النظام أو حتى السيطرة الكاملة على مضيق هرمز".
وأكد أنه "يبقى النشاط الخفي التوسعي للكيان الإسرائيلي، وهو الذي لديه أجندة تاريخية وأوهامه التوراتية للتوسع في كل المنطقة العربية أو معظمها والسيطرة عليها، والنية المعقودة رغم كل الجهود التي بذلت لحل القضية الفلسطينية نجد أن هناك توسعا إسرائيليا في دول الجوار لبنان وسوريا ثم الضفة الغربية وغزة ثم العراق، ثم حتى أطماع توراتية في العودة إلى مصر والعراق أيضا".
اظهار أخبار متعلقة
مصر في قلب الأزمة
وتمس تلك التحولات بحسب مراقبين، الواقع الاقتصادي والأمني والاستراتيجي المصري خاصة مع تحول البحر الأحمر من ممر تجاري إلى مسرح مواجهات عسكرية، تُعطل الملاحة وتُغير مسار السفن نحو "رأس الرجاء الصالح"، وتقود لراجع أكبر بإيرادات القناة، ما يحرم القاهرة التي يعاني اقتصادها أزمات هيكلية وبنيوية خطيرة مليارات الدولارات، خاصة مع تفاقم أقساط وفوائد ديون خارجية 164 مليار دولار.
في هذا السياق، لفت الكاتب الاقتصادي مصطفى عبد السلام، إلى تزايد الضغط على الاقتصاد المصري من بوابة قناة السويس، ومن بوابة خط أنابيب "سوميد" المصري بساحل البحر الأحمر، موضحا أنه "يعد شريانا استراتيجيا لنقل النفط السعودي والخليجي لأوروبا عبر أنبوب 320 كيلومترا من العين السخنة على خليج السويس شرقا إلى ميناء سيدي كرير بساحل البحر المتوسط غربا".