من الشراكة إلى القطيعة.. كيف تدهورت العلاقات بين الجزائر والإمارات خلال 50 عاما؟

وصل المشهد الدبلوماسي إلى طريق مسدود، مما جعل من خطوة القطيعة نتيجة طبيعية لانسداد قنوات الحوار وتعارض المصالح الاستراتيجية- الرئاسة الجزائرية
وصل المشهد الدبلوماسي إلى طريق مسدود، مما جعل من خطوة القطيعة نتيجة طبيعية لانسداد قنوات الحوار وتعارض المصالح الاستراتيجية- الرئاسة الجزائرية
شارك الخبر
جاء قرار القطيعة بين الجزائر والإمارات ليتوج سلسلة ممتدة من التوترات التراكمية، بعد أن تضافرت مجموعة من الملفات السياسية المعقدة والتحديات الأمنية الحساسة، إلى جانب التجاذبات الإقليمية المستمرة، لتشكل في مجملها جداراً سميكاً من الجفاء. 

ومع غياب التوافق التام والتباين الجذري في رؤى البلدين تجاه قضايا المنطقة الحيوية، وصل المشهد الدبلوماسي بين الجزائر والإمارات إلى طريق مسدود، مما جعل من خطوة القطيعة نتيجة طبيعية لانسداد قنوات الحوار وتعارض المصالح الاستراتيجية.

وتاليا إليك تسلسل زمني لتطورات العلاقة من الشراكة إلى القطيعة:

بداية العلاقات الرسمية (1971)

بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، كانت الجزائر من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة. وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا عام 1976، ثم تطورت إلى مستوى السفراء عام 1980، كما أُنشئت اللجنة المشتركة بين البلدين عام 1984. أي أن العلاقة بدأت تاريخيًا على أساس من التعاون الرسمي ولم تكن هناك خصومة تقليدية بين البلدين.

اظهار أخبار متعلقة


علاقات متينة استمرت لعقود

تمتعت العلاقات الجزائرية الإماراتية في زمن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمتانة استثنائية ووصفها امحللون بأنها علاقات ممتازة وأخوية قامت على الدعم المتبادل، والتعاون الاقتصادي التأسيسي، والتطابق الكامل في وجهات النظر السياسية.

اتسمت العلاقات بالانسجام تجاه القضايا العربية والإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وقد كان الشيخ زايد حريصًا على حضور كافة المؤتمرات والقمم العربية التي تُعقد في الجزائر لدعم العمل العربي المشترك. 

وتعززت الروابط بين الطرفين عبر لقاءات وزيارات رسمية متواصلة جمعت الشيخ زايد مع القيادات الجزائرية، لا سيما الرئيس هواري بومدين، مما أعطى الزخم للدبلوماسية والتعاون بين البلدين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

شراكة اقتصادية (2009)

شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية تعاونا اقتصاديا واسعا، وحضورا إماراتيا في قطاعات مختلفة داخل الجزائر، من الموانئ إلى الصناعة والاستثمار.

كانت شركة موانئ دبي العالمية قد حصلت سنة 2009 على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، كما نشأت شراكات جزائرية إماراتية في مجالات صناعية واقتصادية مختلفة.

كما نما الاستثمار الضخم في قطاع التبغ بين الطرفين عبر "الشركة المتحدة للتبغ" (شراكة إماراتية-جزائرية) التي هيمنت على سوق التبغ لسنوات طويلة.

وعلى ضوء هذه الشراكة، أُديرت العلاقات الاقتصادية تاريخياً عبر اللجنة المشتركة الجزائرية-الإماراتية، والتي عقدت دورات عديدة لتسهيل التبادل التجاري، وإزالة العقبات الجمركية، وتوقيع اتفاقيات خدمات النقل الجوي.

اظهار أخبار متعلقة


الربيع العربي وبداية تباين الرؤى (2001)

شكلت ثورات الربيع العربي التي اندلعت عام 2011 فرصة لكشف توجهات الدول وإزالة الستار عن موقفها من الأحداث التاريخية التي جرت، ومع صعود الدور الإماراتي في ملفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد موجة "الربيع العربي"، بدأ اختلاف واضح بين مقاربات أبوظبي والجزائر في عدد من الملفات. 

بينما حافظت الجزائر على تقليد يقوم على عدم التدخل العسكري في أزمات المنطقة، تبنت الإمارات سياسة خارجية أكثر نشاطًا في ملفات مثل ليبيا والساحل واليمن. ومع مرور الوقت أصبح التباين السياسي أوسع من العلاقات الثنائية نفسها.

نقطة التحول الكبرى "التطبيع" (2020)

كان توقيع الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي اتفاقات التطبيع عام 2020 من أبرز نقاط الاختلاف مع الجزائر، التي تتخذ موقفًا رافضًا للتطبيع وتربط موقفها بالقضية الفلسطينية. وفي العام نفسه اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فيما اتجهت الإمارات إلى دعم الموقف المغربي بصورة متزايدة.

قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في آب/ أغسطس 2021، بعد سنوات من الخلاف حول الصحراء الغربية والتنافس الإقليمي. وكان ملف الصحراء يمثل جوهر الصراع، فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو ومبدأ تقرير المصير، بينما يتمسك المغرب بسيادته على الإقليم.

بدأ الملف المغربي يتحول إلى عنصر أساسي في التوتر الجزائري–الإماراتي؛ إذ أصبحت أبوظبي أقرب إلى الرؤية المغربية في ملف الصحراء، بينما ترى الجزائر أن دعم المغرب في هذا الملف يمس أحد أكثر الملفات حساسية في أمنها القومي. 

أزمة السفير تكشفت حجم الأزمة (2023)

وفي حزيران/ يونيو 2023، انتشرت أخبار تتحدث عن مطالبة الجزائر السفير الإماراتي بمغادرة البلاد، لكن وزارة الخارجية الجزائرية سارعت إلى نفي هذه المعلومات، ووصفتها بأنها "مزيفة ولا أساس لها من الصحة"، مؤكدة في ذلك الوقت استمرار العلاقات الثنائية.

جرى التحقيق مع المؤسسة التي تناولت خبر طرد السفير، فيما أجرى وزير الخارجية أحمد عطاف اتصالا هاتفيا بنظيره الإماراتي عبد الله بن زايد، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، ورغم ذلك كشفت الواقعة حجم الأزمة بين الطرفين، الذي ظل يراوح مكانه دون إعلان القطيعة.

اظهار أخبار متعلقة


الخلاف حول ملفات ليبيا والسودان (2019- 2023)

وفي كانون الثاني/ يناير 2024، عبر المجلس الأعلى للأمن الجزائري عن أسفه إزاء ما أسماها "التصرفات العدائية تجاه الجزائر، الصادرة عن بلد عربي شقيق" في إشارة إلى الإمارات، لكن الرئيس الجزائري كان أكثر وضوحا بعد أن قال في تصريحات له في آذار/ مارس من نفس العام إن "أموال الإمارات حاضرة في كل بؤر التوتر، سواء في مالي أو ليبيا أو السودان".

في هذه الدول تتبنى الجزائر سياسة دعم وحدة الدولة ومنع تفككها باعتبار ذلك مصلحة جزائرية وعربية، أما الإمارات فقد دأبت على دعم التمرد، ففي ليبيا دعمت اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد الحكومة المعترف بها دوليا، وفي السودان تدعم قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو ضد الجيش السوداني.

اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية

وخلال لقائه بوسائل الإعلام الجزائرية في شباط/ فبراير 2026، اتهم تبون بشكل ضمني الإمارات بالسعي للتدخل في شؤون بلاده، قائلاً إن "علاقات الجزائر مع دول المنطقة العربية جيدة، بخلاف دولة، بل أسميها دويلة، لقد أرادوا أن يتدخلوا في الانتخابات الرئاسية الأولى، ثم الثانية"، في إشارة إلى الإمارات، وفق وسائل إعلام جزائرية.

وليست تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها تبون الإمارات، إذ سبق أن أطلق تصريحات مماثلة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حينما اتهم أبوظبي من دون تسميتها بالتدخل في شؤون بلاده الداخلية.

انتقال الخلاف إلى إجراءات عملية

في شباط/ فبراير 2026 بدأت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية قديمة للنقل الجوي مع الإمارات، كانت قد وُقعت في أبوظبي عام 2013، في مؤشر على أن الخلاف لم يعد مجرد تصريحات سياسية.

كما تزامن ذلك مع استمرار التنافس على النفوذ في منطقة الساحل، التي أصبحت ساحة صراع جيوسياسي بين قوى إقليمية مختلفة، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى استعادة نفوذها جنوبًا، بينما عزز المغرب والإمارات علاقاتهما وشراكاتهما في القارة.

القطيعة

أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن القرار جاء بعد ما وصفته بـ"أعمال استفزازية وعدائية" و"سلوك مؤسف وغير مبرر"، مؤكدة أنها استنفدت جميع السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية.

ولم تقدم الجزائر في بيانها العلني تفاصيل عن الواقعة أو الوقائع المحددة التي دفعتها إلى القرار. وأُبلغ السفير الإماراتي بالقرار ومنح مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.

في المقابل، لم تعلن أبوظبي في الرد الذي صدر حتى الآن قبولها بالرواية الجزائرية، وقال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش إن الدبلوماسية يجب أن تقوم على "العقلانية والتواصل ووضوح المصالح"، في إشارة إلى أن أبوظبي ترى أن إدارة الخلافات ينبغي أن تتم بصورة واضحة ومباشرة.
التعليقات (0)