واقعة مديرة المدرسة الحكومية تكشف المسكوت عنه في ملف التعليم المصري

المحافظ وجه إهانة لمديرة المدرسة رغم تأكيدها إهمال الوزارة- إكس
المحافظ وجه إهانة لمديرة المدرسة رغم تأكيدها إهمال الوزارة- إكس
شارك الخبر
كشف حديث مسؤول محلي مصري كبير، مع مديرة مدرسة (شمال القاهرة) عن كارثة غياب التمويل الحكومي للعملية التعليمية، وعدم الصرف على المدارس، وسوء حالتها قبل أيام من بدء العام الدراسي السبت المقبل، وتولي المديرة مسؤولية الصرف على عمليات توصيل المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، وإصلاح المقاعد، والدهان، والنظافة، والحراسة، من مالها الخاص.

وخلال جولة تفتيشية لمحافظ القليوبية حسام عبدالفتاح، (عميد كلية الهندسة سابقا) على المدارس الثلاثاء، وإثر محاولته إهانة مديرة مدرسة كفر الجزار التابعة لمدينة بنها، صالحة عبد الفضيل، بلفظ مسيء لوجود تقصير بأعمال النظافة، أثبتت المديرة له بأنها تحملت والعاملين بالمدرسة من مالهم الخاص تكاليف أعمال الدهانات وإصلاح المقاعد وأعمال الكهرباء والمياه ودورات المياه والصرف الصحي، كاشفة بالمستندات عن عدم استجابة المسؤولين في الوزارة لمكاتباتها الرسمية.


وفي واقعة ثانية، انتقد المحافظ مدير مدرسة برقطا الإعدادية بكفر شكر لارتدائه جلبابا، وقرر استبعاده لتدني مستوى النظافة وعدم استكمال الاستعدادات اللازمة للعام الدراسي، ليرد المدير بالصور بأنه يقوم بنفسه بأعمال النظافة والدهان والإصلاح في المدرسة دون دعم حكومي.

وفجر المشهدان الملتقطان من قبل طاقم الوزير، جدلا واسعا في مصر، وانتقادات لحجم الإهمال الحكومي للمدارس وللعملية التعليمية وللطلاب، لحساب مشروعات إنشائية وترفيهية دشنها ويواصل تدشينها رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وتركيز الجمهورية الجديدة على تعليم بعض فئات من المصريين بالتعليم الخاص، وتدريب البعض الآخر بالأكاديمية العسكرية ليكونوا أداة النظام في تنفيذ سياساته.

اظهار أخبار متعلقة



ويبلغ عدد التلاميذ بالتعليم قبل الجامعي 28.9 مليون عام (2024/2025)، يشملون التعليم الحكومي والأزهري والخاص والمدارس الدولية، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فيما يبلغ إجمالي عدد المدارس نحو 62 ألفا و690 مدرسة حكومية وخاصة طبقا لبيانات وزارة التعليم، يخدمها أكثر من مليون و260 ألف معلم وسط عجز بالمعلمين قدره نحو 460 ألف معلم، بحسب تصريح وزير التعليم محمد عبداللطيف تموز/يوليو 2024، فيما بلغت مخصصات التعليم نحو 442.3 مليار جنيه بموازنة (2026/2027).

مسؤولية وإهانة


"عربي21"، اطلعت على العديد من نماذج غياب الدور الحكومي، وقيام المديرين بأعمال تبدأ بالإنفاق من رواتبهم وجمع التبرعات بشكل غير رسمي، وتنتهي بالقيام بأعمال الصيانة والدهان والنظافة بأنفسهم وبمعاونة أبنائهم.

(ص. د) مدير مدرسة ابتدائية بمحافظة الشرقية، يقول لـ"عربي21"، إنها "مسؤولية وإهانة، ولا مقابل مالي أو حتى معنوي"، مؤكدا أن "الإدارات والمديريات التعليمية لا ترد على المكاتبات، ويأتي الرد غير الرسمي ليقول: ليس لدينا مخصصات وعليك أن تتصرف".

ويوضح أنه "لا يوجد عامل نظافة، وجلبنا عاملة ندفع راتبها من جيوبنا الخاصة، ومن بعض التبرعات من أولياء الأمور، ومن بعض الجمعيات نطلب دفع أجرة نجار أو كهربائي أو سباك وتكلفة أدوات الإصلاح، بل نضطر أحيانا إلى التواصل مع بعض أهل الخير بطلب مبلغ مالي عاجل لإنقاذ موقف، كإصلاح كولدير مياه، وليس لدينا رفاهية زراعة ورود أو تجميل فناء أو دهان أسوار، أو إقامة نشاط، وبالطبع لا سبورات جديدة ولا مقاعد جديدة".

ويقسم أنه "وأبناءه وبعض أصدقائهم من يقومون سنويا بدهان مدخل المدرسة وبعض الفصول والأبواب والشبابيك"، موضحا أن له صورا وهو يقوم بـ"أعمال الدهان وتنظيف الفصول والطرقات وحوش المدرسة"، ولكنه بحسب قوله: "لن أتاجر بها، وما يهمني هو الخروج للمعاش دون إهانة مسجلة بالصوت والصورة من محافظ أو مسؤول".

متاجرة سياسية


ويلفت متحدثون لـ"عربي21"، إلى جانب ثان، مؤكدين أن "الحكومة تهمل ملف المدارس وخاصة في الريف، وتتركه لبعض نواب البرلمان من حزب (مستقبل وطن)، و(حماة وطن)، و(الجبهة الوطنية)، الذين يقدمون تبرعات رمزية لا تكفي مع قرب حلول انتخابات مجلسي (النواب) و(الشيوخ) للحصول على أصوات المديرين والمعلمين والأهالي".

(أ‌. ع) مدير معهد ديني، في الشرقية، يقول لـ"عربي21"، إنه "عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية في كانون الثاني/يناير الماضي، وبعد تقديم الدعم لمرشحي (القائمة الوطنية) كما طُلب منا وبشكل رسمي من الإدارات والأمن الوطني، وعقب نهاية الفصل الدراسي الأول، طلبت من الفائزين في الدائرة والمقربين منهم بعض المساعدة في شراء موتور لمبرد الماء، وإصلاح دورات المياه، دون استجابة، وذلك رغم حضورهم السابق للمعهد والتصوير لزوم الدعاية والمتاجرة السياسية".

وعن واقعة ظهور ناظر مدرسة كفر شكر بالجلباب يوضح أن "الحالة المعيشية للمعلم في انهيار فلا يرتدي ملابس تليق بمكانته وكله بفعل رواتب ومعاشات لا تلتفت لها الدولة"، كاشفا عن واقعة "تعرض معلم لغة عربية بالمعاش للانهيار أمام ماكينة الصراف الآلي عندما وجد أحد تلامذته ضعاف المستوى يسحب نحو 16 ألف جنيه معاشا شهريا بعد خدمة 20 سنة فقط بالجيش، بينما معاشه كمعلم وبعد 40 سنة خدمة لا يتعدى 3 آلاف جنيه".

هذا ما جنته دول العسكر


وفي إجابته على السؤال: كم خسرت مصر من إهمال التعليم بعهد السيسي؟، تحدث السياسي المصري وليد مصطفى لـ"عربي21"، راصدا الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها دولة العسكر في مصر، والنتائج المترتبة عليها وحلول إنقاذ التعليم.

وقال إن "ملف التعليم لم يخسر فقط في عصر السيسي، ولكنه اضمحل منذ 1952، ومستمر في الاضمحلال؛ فطوال تلك العقود لم تهتم الدولة بتعليم المدنيين، بالفعل استمرت مجانية للتعليم في عهد جمال عبدالناصر بينما كانت موجودة قبله، لكنه ورغم أنه كان لدينا أدباء مثل عباس محمود العقاد، وطه حسين، وغيرهما، فقد تم إسناد وزارة التعليم إلى اليوزباشي كمال الدين حسين".

عضو حزب "الوسط" المصري المعارض، أكد أن "إسناد الأمر لغير أهله، كانت بداية انهيار التعليم الذي يعد مسؤولية مهنية يتحملها التكنوقراط من أصحاب التخصص"، موضحا أنه "منذ ذلك الوقت ورغم التعليم المجاني لكنه لم يتم الاهتمام بجودة التعليم، وكفاءة المعلمين، وكيفية رفع مستوى المادة العلمية، والمدرسة، والأدوات"، ملمحا إلى أنه "من مسلسل سقوط إلى سقوط وصلنا لهذه النتيجة الآن".

مصطفى، يرى أن "السؤال الأكثر واقعية: لماذا لم ينصلح حال التعليم بعهد السيسي، برغم وعوده للإصلاح؟، ولماذا واصل انحدار التعليم في عهده؟"، مجيبا بقوله: "الوزارة اسمها التربية والتعليم لكنهم لا يقدمون لا تربية ولا تعليما، بينما الوزارة مسؤولة عن تربية النشء وإرساء قواعد ومبادئ وأخلاق وقيم، كأولى المهام مع تعليم جيد، لتصنع مواطنا مثقفا لديه مبادئ وقيم وعلم يبني حضارة".

واستدرك: "ولكن هذا ما لدينا الآن؛ وما كشفت عنه زيارة المحافظ ليس بجديد ويحدث كل عام"، متسائلا: "لماذا مكتب المحافظ ومكاتب نوابه بهذه الفخامة، بينما مكتب المديرة والمدرسة بهذا الوضع السيء؟ لماذا يرتدي البدل الفاخرة ويركب سيارة فاخرة وحوله أطقم الحراسة والمعاونين بينما يرتدي مدير المدرسة الأخرى جلابية؟، ومن المسؤول عن توزيع الموازنة العامة وتوصيل الخدمات من صرف ومياه وكهرباء ومقاعد ودهانات إلى المدرسة؟ هل هي مسؤولية مديرة المدرسة أم مسؤولية المحافظ ووزارة التعليم وهيئة الأبنية التعليمية؟".

وخلص للقول: "ما حدث يكشف أن هناك معلمون يكافحون لأجل أن يكون هناك تعليم في مصر، وهناك مسؤولين يعتقدون أن الصوت العالي والنظارة الشمسية والبدلة والمنصب يمنحون القوة".
لهذا انهارت المنظومة

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي كشف متابعون عن أسباب انهيار منظومة التعليم فيما توالت الانتقادات للإهمال الحكومي، وسط تساؤلات: هل وفرت الحكومة لمدير المدرسة كل الأدوات والعمالة والإمكانات التي يحتاجها حتى يؤدي وظيفته كما ينبغي، وعندها يجب محاسبته؟، ملمحين إلى عدم وجود معلمين وخروج أصحاب الخبرة واستقدام معلمين بالحصة وبمقابل مالي ضئيل، وعدم وجود إداريين ولا عمال نظافة.

وتحدث نشطاء حول تفريغ وزارة التعليم من كوادرها باعتقال عدد يصعب حصره من خيرة معلمي مصر، والمساهمين في تخريج الأجيال والتدريس بدول عربية وخليجية، بينما وثق حقوقيون منذ العام 2013 اعتقال آلاف المنتمين لقطاع التعليم بينهم قيادات نقابية منتخبة، وموجهون، ومدرسون بتهم الانتماء لجماعة محظورة.

وفي حين رصد المتحدثان السابقان مع "عربي21"، أكثر من 50 اسما من قريتيهما ومن زملاء معلمين خدموا معهما، جرى اعتقالهما منذ سنوات وحتى اليوم من داخل المدارس وإهانتهم أمام الطلاب، أشار الكاتب الصحفي قطب العربي إلى اعتقال معلمة اللغة الإنجليزية خديجة حسني قبل ٣ سنوات ووضعها رهن الحبس الاحتياطي دون تهمة حقيقية.

وفي السياق، انتقدت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية‏"، تعامل المحافظ مع المديرة، مؤكدة أنه بينما كانت تقوم بأعمال الدهانات وإصلاح المقاعد والكهرباء والمياه ودورات المياه والصرف الصحي من مالها الخاص، مشيرة لتصريح وزير التعليم أمام منظمة (يونيسف) بنيويورك، عن التجربة المصرية في إصلاح وتطوير منظومة التعليم "دون أي زيادة أعباء على موازنة الدولة".

المنظمة ألمحت في بيانها الثلاثاء، إلى تحديد الدستور المصري الإنفاق على التعليم بنسبة 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والتي لم تلتزم بها الحكومة في أي عام، وبلغت نسبة الإنفاق 1.54 بالمئة فقط بموازنة (2026 /2025).

تعليم متدن وإرهاق لأسر فقيرة


وينطلق العام الدراسي الجديد (2026-2027) في مصر السبت 12 أيلول/سبتمبر الجاري للمدارس الحكومية والرسمية والخاصة، وسط شكاوى أولياء أمور لـ"عربي21"، من ضغوط عليهم وعلى الطلاب مع قرار وزير التعليم زيادة أيام الدراسة لتصبح 183 يوما ارتفاعا من 116 يوما، بزيادة 67 يوما، وذلك إلى جانب تطبيق اليوم الكامل من 8 صباحا حتى 3 عصرا.

يقول أولياء أمور إنه "قرار مجحف بالطلاب وبالأسرة المصرية"، مشيرين إلى أن "منظومة التعليم غير مكتملة بعدم وجود أعداد مدرسين كافية وأن أغلب الحصص بلا مدرسين، ما يزيد عبء الطالب دون فائدة تعليمية حقيقية، ويزيد تعرض الطلاب لخطر الإصابة بالأمراض والأوبئة في ظل غياب الرعاية الصحية بالمدارس".

اظهار أخبار متعلقة



ويلفتون إلى جوانب أخرى مالية واقتصادية بينها: "زيادة عبء بند المواصلات اليومية 67 يوما، وتكاليف وجبة الإفطار 67 وجبة إضافية، والمصروف الشخصي، والحاجة لأكثر من حذاء وزي مدرسي، مع زيادة استهلاك الكراريس والأقلام والأدوات الدراسية، إلى جانب زيادة تكلفة الدروس الخصوصية بزيادة حوالي 3 شهور إضافية".

ويتخوف بعض الآباء مع الوضع الجديد، من "زيادة نسب تسرب الطلاب من التعليم، وزيادة إحساس التلاميذ في المراحل الأولى بكره التعليم والمدرسة، مع حرمانهم من أوقات اللعب والتنزه مع تطبيق اليوم الدراسي الكامل وحاجتهم لوجبة غير الإفطار"، ملمحين إلى "ضغوط على الأسرة في توصيل أبنائها يوميا، وأزماتها مع صعوبة المناهج وعدم وضوح الكتب الدراسية، منتقدين ارتفاع المصروفات الدراسية عن العام السابق بشكل كبير".

انتقادات ملف التعليم


ودائما ما توجه المعارضة المصرية انتقادات لملف التعليم بعهد السيسي، بينها اتهام الحكومة بعدم الالتزام بالاستحقاق الدستوري المخصص للتعليم (المحدد بـ 4 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي)، واعتماد المدارس الحكومية على "الجهود الذاتية" وتبرعات أولياء الأمور، كما أظهرت واقعة مدرسة بنها.

وذلك إلى جانب تفاقم عجز المعلمين الذي 460 ألف معلم بمنع التعيينات لسنوات ثم فتحها بمسابقات قليلة العدد والاعتماد على نظام "الحصة"، مع تدني الأجور وارتفاع كثافة الفصول، والتطبيق العشوائي لمشاريع التطوير ومنها "التابلت"، وتغيير المناهج بشكل متكرر ما أرهق الأسر ماديا وأربك الطلاب وأولياء الأمور وجعل التعليم حقل تجارب، وخاصة مع نقل مناهج دولية وتطبيقها دون تدريب للمعلمين.

فضلا عن اتهام السلطة بالانسحاب من تقديم التعليم المجاني، مقابل التوسع في التعليم بمقابل مالي مثل المدارس اليابانية والنيلية والخاصة، التي يعجز أغلب المصريين عن إلحاق أبنائهم بها، إلى جانب عبئ الدروس الخصوصية والكتب الخارجية.
التعليقات (0)

خبر عاجل