صعود "البديل" يهز ألمانيا.. هل تتحرك أحجار الدومينو في أوروبا؟

حصل حزب البديل على 39 مقعدا من أصل 83 في برلمان ولاية ساكسونيا- جيتي
حصل حزب البديل على 39 مقعدا من أصل 83 في برلمان ولاية ساكسونيا- جيتي
شارك الخبر
حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف فوزا وُصف بالتاريخي في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، بعد حصوله على قرابة 44 بالمئة من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، الذي تراجع إلى نحو 17 بالمئة. 

ورغم أن النتيجة منحت الحزب 39 مقعداً من أصل 83 في برلمان الولاية، فإنه تعثّر بفارق مقعد واحد عن الأغلبية المطلقة، ما يضعه أمام تحدي التفاوض مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة. وترافق هذا الصعود مع نسبة مشاركة قياسية قاربت 80 بالمئة.


إنجاز كبير

قال المحلل السياسي من برلين إبراهيم كابان: إن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت يمثل "إنجازا كبيرا" للحزب، مشيرًا إلى أن الولاية كانت تاريخيًا من المناطق التي كان فيها حزب الاتحاد المسيحي أكبر الأحزاب، وأن خسارته عددًا كبيرًا من المقاعد مقابل صعود "البديل" يمنح الأخير دفعة مهمة على الساحة السياسية الألمانية.

وأوضح كابان في مقابلة مع "عربي21" أن ساكسونيا أنهالت تمثل "رمزًا" لحزب البديل من أجل ألمانيا، ويمكن أن تكون "شرارة تطور هذا الحزب" نحو الحكومة في ألمانيا، معتبرًا أن الانتصار في الولاية يدلل على وجود مستقبل للحزب وقدرته على مواصلة الصعود خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التطورات الاقتصادية المتراجعة في ألمانيا والظروف السياسية والحرب بين أوكرانيا وروسيا.

وأشار إلى أن الحزب يحتاج إلى صوت أو صوتين على الأقل، أو إلى حزب آخر، حتى يتمكن من تشكيل حكومة في الولاية، لافتًا إلى أن حزب الاتحاد المسيحي يختلف معه تمامًا في المنهجية والاستراتيجية، بينما لن تشكل الأحزاب الاشتراكية واليسارية والخضر حكومة معه.

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف أن هناك أملًا لدى حزب البديل في التفاوض مع حزب جديد تقوده سارة فاجنكنيشت، ويمكن أن يعول عليه خلال المفاوضات المقبلة.

تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية

ورأى كابان أن التحول في نتائج الانتخابات يرتبط أيضًا بتراجع قدرة الحكومات الألمانية المتعاقبة على الحفاظ على مستوى الرخاء الاقتصادي الذي عرفته البلاد خلال عقود الازدهار التي قاد فيها حزب الاتحاد المسيحي البلاد بقيادة أنجيلا ميركل.

وقال إن الأحزاب الألمانية التي شكلت الائتلافات خلال الفترة الماضية، بما فيها الحكومتان الماضية والحالية، لم تستطع الحفاظ على تطور الرخاء الاقتصادي في ألمانيا، مشيرًا إلى أن ذلك يعود أيضًا إلى الظروف الإقليمية والدولية والحرب الروسية الأوكرانية وظروف الشرق الأوسط.

وأضاف أن المواطن الألماني يبحث عن الرخاء، وأن توجه جزء من الشارع نحو حزب البديل يمثل "نوعًا من الانتقام" من الأحزاب الموجودة في الحكومة، رغم أن شعبية الأحزاب الأخرى، بما فيها الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، لا تزال كبيرة في ألمانيا.

وأوضح أن التراجع يؤكد أن "الشارع الألماني لم يعد يصبر على هذه الحكومات على المستوى الاقتصادي"، في ظل ارتفاع الأسعار وارتفاع أسعار الوقود والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وأشار إلى أن الحكومة الألمانية الحالية، المشكلة من حزب الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، لم تستطع تأمين أو وضع حد للتراجع الاقتصادي، معتبرًا أن الشارع الألماني قد يلجأ إلى معاقبة هذه الأحزاب انتخابيًا.

وأكد أن نسبة المشاركة المرتفعة في الانتخابات، والتي تقل قليلًا عن 80 بالمئة، لا تعني عزوف الناخبين، بل تعكس وجود ميول نحو حزب البديل، معتبرًا أن جزءًا من الناخبين يتبنى عقلية "فليجرب حزب البديل"، بعد أن جربت الأحزاب الأخرى الحكم.

فوز استراتيجي

وقال كابان إن ساكسونيا أنهالت تمثل بالنسبة إلى حزب البديل "ولاية استراتيجية"، وإن انتصاره فيها سيكون "رمزًا من رموز فتح الطريق أمام هذا الحزب في الولايات الأخرى".

وأضاف أنه إذا استطاع حزب البديل تشكيل حكومة في ساكسونيا أنهالت، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى تطوره خلال المراحل المقبلة في انتخابات الولايات الأخرى، مشيرًا إلى أن تحقيق إنجازات أخرى خلال الأشهر القادمة قد يعزز صورته لدى الشارع الألماني ويدعم شعبيته في مناطق أخرى.

ووصف كابان النتيجة بأنها "انتصار استراتيجي بالنسبة لحزب البديل"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإشكالية الأساسية أمامه تتمثل في عدم توافقه مع أي حزب ألماني بشأن تشكيل حكومة في الولايات الألمانية.

الهجرة والعلاقات مع روسيا

وفي ما يتعلق بالعوامل التي يستفيد منها حزب البديل، قال كابان إن الحزب "شعبوي"، وبالتالي يحاول الاستفادة من كل أخطاء الحكومة الحالية، وخاصة في ملف الهجرة.

وأوضح أن الحكومة الحالية والتحالف الموجود في السلطة اتخذا خلال الفترة الماضية إجراءات حول موضوع الهجرة، مشيرًا إلى تراجع كبير في أرقام الهجرة خلال الأشهر الستة الماضية، ووجود عمليات كثيرة لترحيل من رُفضت طلبات لجوئهم، إلى جانب تشديد الإجراءات بحق اللاجئين الحاصلين على إقامات في ألمانيا.

وأضاف أن حزب البديل يحاول خلال الفترة المقبلة اللعب على عدة ملفات، بينها اللجوء والعلاقات مع روسيا وما وصفه بـ"الكرامة الألمانية" أو الحالة الشعبية القومية، بهدف الاستفادة منها والتواصل مع المجتمع الألماني.

لكنه أشار إلى أن المجتمع الألماني لا ينتخب حزب البديل فقط بسبب هذه الملفات، وإنما يريد الحفاظ على ألمانيا كدولة رخاء اقتصادي، معتبرًا أن إعادة العلاقات مع روسيا، مثلًا، قد تكون إحدى النتائج الطبيعية التي تؤدي إلى عودة أسعار الوقود والمواد الغذائية إلى مستويات طبيعية.

وقال إن حزب البديل، مثل سابقاته من الأحزاب اليمينية في أوروبا، قد يراجع كثيرًا من الشعارات التي يطلقها بعد وصوله إلى السلطة، مشيرًا إلى تجارب أحزاب يمينية في إيطاليا والنمسا وهولندا والسويد.
وأضاف أن هذه الأحزاب، حين وصلت إلى السلطة، "راجعت كثيرًا" من شعاراتها، وأصبحت تمارس السياسة بعقلية استراتيجية أكثر من كونها شعاراتية.

تشكيل الحكومة

وفي هذا السياق، أشار كابان إلى أن المشهد السياسي في ألمانيا يتضمن حزبًا جديدًا تقوده سارة، وهو حزب منشق عن حزب اليسار الألماني "دي لينك"، ويحاول بدوره دخول السلطة.

اظهار أخبار متعلقة


وقال إن هناك "وجهات تقارب" بين حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب سارة فاجنكنيشت، معتبرًا أنه إذا استطاع البديل إقناع هذا الحزب ببعض القضايا الرئيسية في ساكسونيا أنهالت، فقد يتمكن من تشكيل الحكومة.

لكنه رأى أن الفوز الساحق في الولاية من دون الوصول إلى القدرة على تشكيل الحكومة سيدفع حزب البديل إلى تغيير بعض المواقف التي أطلقها خلال الفترة الماضية من أجل الفوز في الانتخابات، لأنه سيحتاج إلى حزب آخر لعقد اتفاق.

وأوضح أن أي حزب آخر سيتفاوض معه سيضع شروطًا، بينها تراجع حزب البديل عن خطابه الشعبوي، محذرًا في الوقت نفسه من تداعيات اقتصادية محتملة إذا وصل الحزب إلى السلطة في الولاية.

وأشار إلى احتمال حدوث "هجرة اقتصادية" من الولايات، لا تشمل المهاجرين فقط، بل أيضًا رجال الأعمال الذين علقوا آمالهم على الحكومات السابقة أو على بناء المصانع والشركات، معتبرًا أن الولايات قد تخسر مليارات الدولارات أو اليوروهات من الزخم الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

وخلص إلى أن وصول الحزب إلى الأكثرية دون القدرة على تشكيل حكومة في الولاية سيدفعه "إجباريًا" إلى التراجع عن الخطاب الشعبوي والتفاوض مع الأحزاب الأخرى.

عقاب الأحزاب التقليدية

وقال كابان إن حزب الاتحاد المسيحي وقع أيضًا في المشكلة نفسها خلال الحكومة السابقة، عندما دخل في تحالفات مع أحزاب أخرى، ما أدى إلى تراجع شعبيته بشكل كبير في ألمانيا.

وأوضح أن "سيكولوجية الشارع الألماني" تتجه نحو أي حكومة تحافظ على الرخاء الألماني والاقتصاد والعلاقات الخارجية وعدم التدخل في الشؤون الخارجية، مشيرًا إلى أن الأزمة الأوكرانية أثرت كثيرًا في شعبية أحزاب الوسط واليسار.

وأضاف أن روسيا كانت مصدرًا رئيسيًا للغاز والوقود في ألمانيا، وكانت هناك مسائل كثيرة بأسعار رخيصة جدًا، معتبرًا أن التراجع الحالي يمثل "نوعًا من العقوبة"، أو ما وصفه في بداية حديثه بعقلية "لنجرب حزب البديل".

وقال إن ملف اللجوء يشكل إشكالية كبيرة للألمان، وإن هناك هاجسًا كبيرًا وتراجعًا في موضوع الهجرة، معتبرًا أن التشدد في هذا الملف قد يساعد في الحفاظ على ألمانيا اقتصاديًا وشعبيًا.

ورأى أن تراجع حزب الاتحاد المسيحي يعطي دافعًا حقيقيًا للأحزاب من أجل تغيير سياساتها الحزبية والسياسية والاقتصادية والتحول إلى مرحلة جديدة.

التحذير الفرنسي 

وفي ما يتعلق بالموقف الفرنسي من نتائج الانتخابات، قال كابان إن فرنسا عانت هي الأخرى في الانتخابات القريبة الماضية من صعود اليمين، وإن تحالف اليسار فيها يمثل تجربة يمكن أن تستفيد منها ألمانيا إذا أرادت "كسر شوكة" اليمين الراديكالي.

وأضاف أن الأحزاب الوسطية واليسارية في ألمانيا قد تلجأ إلى تقوية وحدتها أو تحالفاتها فيما بينها، معتبرًا أن التجربة الفرنسية مهمة بالنسبة إلى ألمانيا.

وأشار إلى تجارب مماثلة في هولندا والنمسا ودول أخرى، وقال إن تحذير فرنسا من هذه المسألة يمثل "رسالة" وإشارة إلى الحكومة الألمانية الحالية بضرورة الحذر في التعامل مع اليمين المتصاعد.

وأوضح أن حزب البديل من أجل ألمانيا، إلى جانب الأحزاب اليمينية في فرنسا والسويد وهولندا وغيرها في الاتحاد الأوروبي، لديه ضمن أولوياته الاستراتيجية "فك الاتحاد الأوروبي" و"فك العملة الموحدة"، بحسب تعبيره.

وقال إن الأحزاب الاشتراكية واليسارية والديمقراطية الاشتراكية تتمسك بوحدة الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن أحزاب الوسط واليسار، وحتى الوسط القريب من اليمين، تحذر من وصول هذه الأحزاب إلى الحكم.

اظهار أخبار متعلقة


وأكد أن ألمانيا تمثل مركز الاقتصاد الأوروبي، معتبرًا أن خسارة الديمقراطيين واليساريين والاشتراكيين للحكم في ألمانيا، ولو في ولاية واحدة، قد تؤدي إلى تأثير يشبه "حجر الدومينو".

وأضاف أنه إذا وقعت هذه الولاية في قبضة اليمين وحزب البديل من أجل ألمانيا، فقد يتولد لدى الشارع الألماني دافع نفسي للاستمرار في دعم الحزب في الولايات الأخرى، وصولًا إلى الانتخابات المقبلة في عام 2029.

العلاقة مع "إسرائيل"

وفي ما يتعلق بموقف حزب البديل من أجل ألمانيا الرافض لتصدير الأسلحة إلى "إسرائيل"، قال كابان إن العلاقة مع "إسرائيل" تشكل استراتيجية مقيدة لمعظم الأحزاب الألمانية والأوروبية، من اليمين إلى اليسار والوسط.

وأوضح أن تجارب اليمين في النمسا وإيطاليا وفرنسا والسويد وغيرها أظهرت، بحسب رأيه، أن بعض هذه الأحزاب استخدمت الخطابات الشعبوية من أجل الوصول إلى السلطة، ثم غيرت مواقفها بشكل كبير بعد وصولها إلى الحكم.

وقال: "لا أعتقد مطلقًا أن هذه الخطابات أو التصريحات من اليمين أو البديل من أجل ألمانيا ستكون كما تقول"، معتبرًا أنها قد تكون "نوعًا من اللعبة السياسية" ووسيلة لفتح العلاقات مع الدول العربية أو غيرها.

وأضاف: "أنا لا أعتقد إذا وصل يمين في ألمانيا خلال الأعوام القادمة لن تتغير علاقتها مع إسرائيل"، موضحًا أن نظرة الدول الغربية إلى إسرائيل "مختلفة كليًا"، وأنها تقوم على اعتبار إسرائيل دولة ينبغي أن تعيش كدولة وشعب.

وأشار إلى أن الاختلافات في السياسة قد تظهر، كما هو الحال في الموقف من روسيا، لكنه رأى أن الأحزاب تستخدم كثيرًا من الخطابات والتصريحات من أجل الوصول إلى الحكم، وعندما تصل إلى السلطة "تمارس السياسة".

وختم كابان بالقول إن ممارسة السياسة بعد الوصول إلى الحكم قد تؤدي إلى "اختلاف كلي" عما قيل خلال الخطابات الشعبوية.
التعليقات (0)