تشارك
السعودية بصفة ضيف شرف في النسخة
السادسة والعشرين من معرض
الصين الدولي للاستثمار والتجارة (CIFIT)، الذي تستضيفه مدينة شيامن بين 8 و11
سبتمبر/أيلول الجاري، في مشاركة تتجاوز بعدها
الاقتصادي المباشر إلى سياق أوسع
يتعلق بتنامي
العلاقات السعودية-الصينية، وتداخلها مع المنافسة المتصاعدة بين بكين
وواشنطن على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي في الخليج.
ويرأس مساعد وزير الاستثمار السعودي إبراهيم
المبارك وفد المملكة، نيابة عن وزير الاستثمار فهد بن عبدالجليل آل سيف، خلال
زيارة رسمية تستمر حتى 12 سبتمبر/أيلول، بمشاركة جهات حكومية وشركات سعودية.
وبحسب المعطيات المعلنة، تبحث الزيارة فرص
الاستثمار المشترك في قطاعات تشمل الطاقة والصناعة والخدمات المالية والاتصالات
والتقنية والعقار والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب نقل
المعرفة والتقنية وتطوير سلاسل القيمة.
لكن خلف هذه الملفات الاقتصادية المباشرة
يبرز سؤال أوسع: ماذا تريد السعودية من الصين، وماذا تريد الصين من السعودية؟ وهل
أصبحت المملكة إحدى ساحات التنافس بين بكين وواشنطن؟
ماذا تريد السعودية من الصين؟
تبحث الرياض، في جانب أساسي من علاقتها مع
بكين، عن شريك اقتصادي قادر على المساهمة في التحول الذي تشهده المملكة ضمن
"رؤية 2030"، وليس مجرد سوق للصادرات النفطية.
وتحتاج السعودية إلى استثمارات وخبرات
وتقنيات تساعدها على تطوير قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة المتجددة والنقل
والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تمتلك فيها
الشركات الصينية قدرات واسعة.
وتوفر الصين في المقابل قاعدة صناعية ضخمة
وشركات قادرة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية والطاقة والتصنيع بتكلفة تنافسية،
وهو ما يجعلها شريكا جذابا للرياض في مرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي.
وتنسجم هذه المصالح مع الاتجاه الأوسع في
العلاقات الصينية الخليجية؛ إذ ترى بكين في دول الخليج شركاء مهمين في بناء اقتصاد
ما بعد النفط، وتطوير الممرات اللوجستية والقواعد الصناعية والتكنولوجية.
كما أن توسيع العلاقة مع الصين يمنح الرياض
هامشا أكبر في تنويع شركائها الدوليين، بحيث لا ترتبط احتياجاتها الاقتصادية
والتكنولوجية بشريك واحد.
وماذا تريد الصين من السعودية؟
بالنسبة إلى بكين، تمثل السعودية أكثر من
مجرد مصدر رئيسي للطاقة أو سوق للمنتجات والاستثمارات الصينية. فالمملكة قوة اقتصادية
وسياسية رئيسية في الخليج والعالم العربي والإسلامي، كما تتمتع بموقع جغرافي
يجعلها مهمة بالنسبة إلى طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا
وأفريقيا.
وتنظر الصين إلى السعودية أيضا باعتبارها
شريكا محتملا في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة واللوجستيات، فضلا عن كون
السوق السعودية إحدى أكبر أسواق المنطقة وأكثرها إنفاقا على المشاريع الكبرى.
وفي الخطاب الصيني الرسمي، تبدو الرياض جزءا
من تصور أوسع لعالم متعدد الأقطاب. فقد وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي السعودية
في يونيو/حزيران الماضي بأنها قوة مهمة في العالم العربي والإسلامي، وشريكا
استراتيجيا للصين، وربط تطوير العلاقات بين البلدين بالمصالح طويلة الأجل للشعبين
وبالتعاون بين دول الجنوب العالمي.
ومن ثم، فإن مصلحة بكين لا تقف عند الحصول
على النفط أو الفوز بعقود داخل المملكة؛ بل تشمل بناء علاقة استراتيجية طويلة
الأمد مع دولة مركزية في الخليج، وتعزيز حضور الشركات الصينية في أحد أهم
الاقتصادات الإقليمية.
هل تنافس الصين الولايات المتحدة في
السعودية؟
نعم، ولكن ليس بالمعنى الذي يجعل العلاقة
السعودية-الصينية بديلا عن العلاقة السعودية-الأمريكية. المنافسة موجودة، خصوصا في
الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية والنفوذ الدبلوماسي، لكنها لا تعني أن
الرياض اختارت بكين على حساب واشنطن.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك موقعا
مختلفا عن الصين في السعودية، وخصوصا في المجالين الأمني والدفاعي. وفي 4
سبتمبر/أيلول 2026، وافقت واشنطن على صفقة بيع محتملة للسعودية تشمل ذخائر متطورة
بقيمة تقارب 5 مليارات دولار، إضافة إلى صفقة محتملة لمحركات دبابات بقيمة 750
مليون دولار.
وفي المقابل، تملك الصين نقاط قوة مختلفة؛
أبرزها التجارة والصناعة والبنية التحتية والتقنيات المدنية والطاقة المتجددة وبعض
مجالات التكنولوجيا. ولهذا تبدو العلاقة السعودية مع القوتين أقرب إلى تنويع الشراكات منها
إلى اختيار طرف على حساب الآخر.
وتشير تحليلات أمريكية إلى أن واشنطن باتت
تنظر بجدية أكبر إلى توسع النفوذ الصيني في السعودية، وأن ملف العلاقة مع بكين
أصبح جزءا من حسابات السياسة الأمريكية تجاه الرياض. وقد دعا تحليل صادر عن معهد
واشنطن الولايات المتحدة إلى العمل على الحد من النفوذ الصيني في المملكة بالتزامن
مع تعزيز العلاقات الأمريكية-السعودية.
التكنولوجيا.. ساحة التنافس الأهم
وقد تكون التكنولوجيا إحدى أكثر ساحات
المنافسة حساسية. فالسعودية تستثمر بكثافة
في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وهي مجالات أصبحت
جزءا من التنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين.
وتملك الشركات الأمريكية أفضلية واضحة في
بعض التقنيات المتقدمة، خصوصا في منظومة أشباه الموصلات والرقائق والذكاء
الاصطناعي، بينما تحاول الشركات الصينية توسيع حضورها في البنية التحتية الرقمية
والاتصالات والحوسبة والتقنيات الصناعية.
وهنا تواجه الرياض معادلة دقيقة: فهي تريد
الاستفادة من التكنولوجيا الصينية والأمريكية في الوقت نفسه، لكنها قد تصطدم في
بعض القطاعات بقيود أمريكية على نقل التقنيات أو استخدام المعدات الصينية.
وتشير التطورات الأخيرة في مجال مراكز
البيانات والذكاء الاصطناعي إلى أن البنية التحتية الرقمية باتت مرتبطة بصورة
متزايدة بالتحالفات والقواعد التكنولوجية، وليس بالاستثمار التجاري وحده.
الصين والسعودية.. شراكة لا تحالف
وتكمن أهمية هذه المعادلة في أن العلاقة بين
الرياض وبكين لا تزال، في جوهرها، علاقة شراكة استراتيجية متعددة المجالات، وليست
تحالفا عسكريا على غرار العلاقة الأمريكية-السعودية.
وتستطيع السعودية الاستفادة من التنافس بين
القوى الكبرى للحصول على مزيد من الاستثمارات والتقنيات والخيارات السياسية، بينما
تحصل الصين على موطئ قدم اقتصادي وسياسي أكبر في الخليج من دون الحاجة إلى الدخول
في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
وهذا يفسر إلى حد كبير حرص بكين على توسيع
علاقاتها مع السعودية من دون تقديم نفسها بالضرورة باعتبارها بديلا عن واشنطن.
كما أن مصالح الصين في المنطقة تجعلها حريصة
على استقرار الخليج واستمرار تدفق الطاقة والتجارة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة في
المنطقة حجم المخاطر التي تواجهها المصالح الصينية، إذ اضطرت شركات شحن صينية
مملوكة للدولة إلى إعادة توجيه ناقلات النفط بعيدا عن بعض الممرات البحرية
الرئيسية بسبب المخاطر الأمنية.
الرياض بين واشنطن وبكين
ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس: هل ستختار
السعودية الصين أم الولايات المتحدة؟ وإنما: إلى أي مدى تستطيع الرياض إدارة
علاقتها مع القوتين من دون أن تتحول إلى ساحة صراع بينهما؟
فالسعودية لديها مصلحة في استمرار المظلة
الأمنية الأمريكية، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى الصين كشريك تجاري وصناعي وتكنولوجي
واستثماري.
أما بكين، فتريد توسيع حضورها في المملكة من
خلال الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية، مع تجنب دفع الرياض إلى
الاختيار بين الصين والولايات المتحدة.
وتبدو هذه المعادلة أكثر وضوحا في معرض
شيامن؛ فالحضور السعودي الواسع يمنح الشركات الصينية فرصة للتعرف إلى مشاريع
المملكة، بينما يمنح الرياض فرصة لجذب مزيد من رأس المال والتكنولوجيا والشراكات.
وبالتالي، فإن استضافة السعودية كضيف شرف في
المعرض لا تعني بالضرورة انتقال المملكة إلى المعسكر الصيني، بقدر ما تعكس اتجاها
سعوديا نحو توسيع شبكة الشركاء الدوليين والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى
لخدمة أهدافها الاقتصادية.
وفي نهاية المطاف، ستبقى قيمة هذه الشراكة
مرتبطة بما إذا كانت ستتحول من كثافة اللقاءات والاتفاقات إلى استثمارات فعلية،
ومشاريع إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وتوطين للصناعة، وخلق سلاسل قيمة داخل
الاقتصاد السعودي.
اظهار أخبار متعلقة