لم يجد
الفلسطيني خليل أبو رمضان، النازح في مخيم المغازي وسط قطاع
غزة، أمامه سوى العودة إلى واحدة من أقدم طرق البناء، بعدما أنهكت حياة
الخيام آلاف العائلات الفلسطينية، في ظل استمرار الدمار الواسع ونقص مواد البناء جراء القيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع.
وبينما تحولت الخيام إلى مأوى مؤقت امتد لسنوات بالنسبة إلى كثير من النازحين، قرر أبو رمضان أن يصنع لنفسه غرفة من
طين الأرض، مستعيدا أسلوبا استخدمه الأجداد في بناء البيوت، أملا في إيجاد مأوى يخفف عنه قسوة حر الصيف وبرد الشتاء.
وقال أبو رمضان، وهو نازح من شمال قطاع غزة منذ أكثر من عامين، لوكالة
الأناضول، إن فكرة بناء الغرفة الطينية جاءت نتيجة المعاناة اليومية التي يعيشها في الخيام.
وأضاف: "الحياة في الخيام صعبة جدا، وحتى عندما تتوفر الخيمة فإنها لا تحمينا من حر الصيف ولا من برد الشتاء، لذلك بحثت عن بديل".
وأوضح أنه بحث عبر الإنترنت عن وسائل بناء يمكن تنفيذها بالإمكانات المحدودة المتوفرة في قطاع غزة، قبل أن يتعرف إلى تقنية البناء بالطين، التي اعتبرها جزءا من التراث الفلسطيني القديم.
وقال: "تعرفت إلى طريقة البناء بالطين، ووجدت أنها من أساليب البناء القديمة في تراثنا الفلسطيني، فأردت إحياءها، وأعتبر بيت الطين أفضل كثيرا من الخيمة".
وبدأ أبو رمضان بجمع التربة الطينية وخلطها بالمياه، ثم تشكيلها على هيئة طبقات متراكمة لتشييد جدران غرفة صغيرة، في محاولة لصناعة مأوى دون الحاجة إلى الإسمنت أو الحديد. وأضاف: "لم تتوفر لدينا مواد البناء، لذلك استخدمت الطين من أرضنا وشيدت به هذا البيت لأعيش فيه".
اظهار أخبار متعلقة
أزمة إيواء خانقة
وتأتي هذه المحاولة الفردية في ظل أزمة إيواء متفاقمة يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، بعدما دمرت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، المتواصلة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مساحات واسعة من المباني والمنازل والبنية التحتية، وأجبرت معظم سكان القطاع على النزوح من مناطقهم.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أزمة المأوى في غزة لا ترتبط فقط بحجم الدمار، بل تتفاقم بسبب القيود الإسرائيلية التي تعرقل إدخال مواد ومستلزمات تستخدم في إنشاء المآوي وإصلاحها.
ووفقا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في 14 آب/ أغسطس الجاري، لا يزال معظم سكان قطاع غزة في حالة نزوح، ويعيش كثير منهم في ظروف إنسانية قاسية، وسط نقص حاد في مستلزمات الإيواء. ويرى أبو رمضان في البيت الطيني فرصة للحصول على الحد الأدنى من الحماية والراحة التي لم توفرها له الخيام.
وقال: "البيوت الطينية تكون أقل حرارة في الصيف وأكثر دفئا في الشتاء"، معربا عن أمله في أن تمنح الجدران التي يبنيها قدرا أكبر من الحماية. وأضاف: "أتمنى أيضا أن توفر لنا قدرا أكبر من الحماية من الرصاص الطائش".
ويتعرض الفلسطينيون، خصوصا النازحين المقيمين في المناطق القريبة من انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي، لخطر إطلاق النار من الآليات والمواقع العسكرية، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين.
الطين قرب الخطر
لكن الحصول على المادة الأساسية لبناء الغرفة لم يكن مهمة سهلة، إذ يقول أبو رمضان إن التربة الطينية التي يحتاج إليها توجد في المناطق الشرقية من قطاع غزة، قرب ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث تنتشر القوات الإسرائيلية. وقال: "خاطرت بنفسي للحصول على الطين حتى أنفذ الفكرة وأعرضها على الآخرين من حولي".
ويمثل الوصول إلى تلك المناطق رحلة محفوفة بالمخاطر، في وقت يؤدي نقل التربة إلى مخيم المغازي إلى زيادة تكلفة المشروع، رغم أن فكرة البناء نفسها تقوم أساسا على استخدام مواد بدائية ومتاحة في الطبيعة.
ويشير "الخط الأصفر" إلى مناطق انتشار القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن يتوسع نطاق السيطرة الإسرائيلية لاحقا ليشمل مساحات واسعة من القطاع.
اظهار أخبار متعلقة
شح المياه عائق جديد
ولا تتوقف صعوبات أبو رمضان عند الحصول على التربة، إذ يحتاج البناء بالطين إلى كميات من المياه لخلط التربة وتشكيل الجدران، في وقت يعيش فيه سكان غزة أزمة حادة في الحصول على المياه. وقال: "في حال توفرت الإمكانات اللازمة، لا يستغرق بناء الغرفة أكثر من أسبوع، وربما أقل، لكن شح المياه يؤخر العمل".
ووفقا لتقرير "أوتشا" الصادر في 14 آب/ أغسطس، واجه نحو 90 بالمئة من الفلسطينيين في قطاع غزة، خلال أوائل تموز/ يوليو الماضي، انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة للشرب والطهي والنظافة.
وبين نقص مواد البناء وشح المياه والمخاطر التي تحيط بالوصول إلى التربة، يواصل أبو رمضان بناء غرفته الصغيرة طبقة بعد أخرى، في محاولة لاستعادة وسيلة عيش من الماضي لمواجهة واقع فرضته حرب الإبادة الجماعية والدمار والنزوح المستمر.
وبالنسبة إليه، لم يعد بيت الطين مجرد تجربة لإحياء طريقة الأجداد، بل محاولة للبحث عن مأوى أكثر احتمالا من الخيام، باستخدام ما تبقى من أرض غزة.