تشاؤم فلسطيني بشأن إجراء الانتخابات.. الأولوية لـ"تضميد الجراح" بعد الإبادة

الأوضاع في غزة بعد الإبادة لا تسمح بإجراء انتخابات- لجنة الانتخابات المركزية
الأوضاع في غزة بعد الإبادة لا تسمح بإجراء انتخابات- لجنة الانتخابات المركزية
شارك الخبر
تسود حالة من الضبابية حول جدوى إجراء الانتخابات الفلسطينية في ظل الواقع الإنساني الصعب والسياسي المعقد الذي تعيشه الحالة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة المدمر بفعل حرب الإبادة حيث عمل الاحتلال على تدمير كافة مقومات الحياة وإمكانية إجراء الانتخابات.

"عربي2" استطلعت آراء عددا من أبناء الشعب الفلسطيني حول إجراء الانتخابات الفلسطينية ومدى أهميتها في ظل ما يمر به الشعب الفلسطيني من أزمات إنسانية ومعيشية كارثية وسياسية معقدة وخاصة في قطاع غزة المدمر والمحاصر منذ 19 عاما.

تصويت حر
وفي 9 تموز/يوليو الماضي، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مرسوما رئاسيا جديدا، حدد يوم الـ28 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، موعدا لإجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة القدس وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

وعن رأيها في إجراء الانتخابات في الوقت الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة أوضاعا إنسانية كارثية مع استمرار الاحتلال والإبادة في غزة، نبهت المهندسة هدى المقيمة في بيتها المدمر جزئيا في مدينة غزة، أنها لا تتابع تطورات الأوضاع السياسية في ظل الواقع الإنساني الصعب الذي يمر به الإنسان الفلسطيني في كافة الأراضي المحتلة وخاصة في غزة، وهذا مؤشر واضح على عدم اهتمام فئة ليست بالقليلة من أبناء الشعب الفلسطيني بالعملية الانتخابية أو أي تطورات سياسة، لأن الهم الأكبر بالنسبة لهم هو الخروج من الواقع المعيشي الصعب الذي يعصف بالإنسان الفلسطيني.

ورأت في حديثها لـ"عربي21"، أنه "لا معنى لأي انتخابات دون وجود دولة فلسطينية ذات سيادة، كي يتمكن المواطن الفلسطيني من الإدلاء بصوته بحرية"، مضيفة: "عندما تتحرر فلسطين تكون الانتخابات مهمة أما الآن، الأمر دون فائدة، وخاصة في قطاع غزة".

وتساءلت هدى: "كيف يمكن إجراء انتخابات دون أن تكون هناك دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقة على الأرض والإنسان؟"، منوهة أن "الشعب الفلسطيني جرب هذه الانتخابات، وكانت بلا فائدة على أرض الواقع، نحن نريد أن ننتزع حريتنا ومن ثم يكون لنا رأي حر فيمن نختار أن يقود بلادنا، وهنا يكون للرأي ونتائج الانتخابات فائدة حقيقة".

اظهار أخبار متعلقة



الشاب أحمد نعيم الذي نزح من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة إلى خانيونس جنوبا منذ بداية حرب الإبادة، وما زال يعاني كغيره مرارة النزوح وفقدان أدنى مقومات الحياة، حيث بات أكثر من مليون فلسطيني بلا مأوى يعيشون في خيام مهترئة لا تقيمهم نار الصيف ولا برد الشتاء، رأى أن "الأولية الآن هي لتنظيم إغاثة حقيقية وعاجلة ومكثفة لأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذين يعانون من التداعيات الخطيرة لحرب الإبادة".

وشدد في حديثه لـ"عربي21"، على وجوب "العمل العاجل من أجل توفير كافة مقومات الحياة الكريمة لكافة المواطنين وخاصة لأولئك الذين يعانون مرارة العيش في الخيام".

إرادة مسلوبة

وطالب نعيم، "لجنة إدارة غزة بسرعة البدء في أداء مهامها وعملها والقيام بواجباتها تجاه سكان القطاع، وعقب توفير حياة كريم للمواطن الفلسطيني، يبدأ التفكير بعدها والعمل من اجل تنظيم إجراء انتخابات فلسطينية حقيقة تعكس تطلعات الشعب الفلسطيني".

خالد الطويل الذي ولد وترعرع في مخيم خان يون للاجئين الفلسطينيين، لم يبدي تفاؤلا كبيرا بشأن تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وقال: "نحن حاليا لا نملك إرادة مستقلة سواء في قضية إجراء أو عدم إجراء الانتخابات، نحن مسلوبي الإرادة في قطاع غزة والآن انعكس هذا الوضع على الضفة الغربية المحتلة، نحن للأسف لا نملك من أمرنا شيء وخاصة في قطاع غزة المحاصر والمدمر بفعل الحرب".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "في حال كانت هناك انتخابات، سيكون ذلك بضغط دولي وعربي وإقليمي، وسيتم تنظميها رغما عن إرادة شعبنا".

ورأى الطويل الذي يعمل مدربا في التنمية البشرية، أن "الأفضل لشعبنا أن تكون هناك انتخابات حرة مستقلة، حقيقية ونزيهة بعيدا عن أي ضغوط خارجية، لأن شعبنا يتطلع وخاصة المواطن الذي يعيش في خيمة منذ 3 سنوات لمن يأخذ بيده وينقذه من هذا الواقع الإنساني والمعيشي الصعب الذي تسببت به حرب الإبادة الإسرائيلية".

وتابع: "علينا الاعتراف؛ الناس اليوم لا تنظر إلى الأحزاب ولا إلى السياسية، فقط يترقبون أي بصيص أمل يخرجهم من الجحيم الذي يعيشون فيه، وينتظرون أي شيء ينقذ ما تبقى من شعبنا من ويلات الإبادة؛ سواء من خلال انتخابات حقيقية أو لجنة تكنوقراط التي يفترض بها أن تدير القطاع وتنقذه من أزماته المتعددة وتحقق الأمن والاستقرار".

ولفت خبير التنمية، أن "الشعب الفلسطيني يريد أي شيء بديل عن الحرب يحفظ له كرامته وينقذه من شبح استمرار الحرب، هم يتطلعون لأي مخلص لهم من هذا الوضع الصعب، ولكن بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم".

الشاب ساجد الفرا الذي فقد كغيره من أبناء الشعب الفلسطيني منزل عائلته في خانيونس، نبه إلى أهمية "إغاثة الشعب الفلسطيني قبل إجراء الانتخابات، شعبنا ما زال يعيش المجاعة وهو بحاجة لأدنى مقومات الحياة".

تغيير للأفضل

ورأى في حديثه لـ"عربي21"، أن "الانتخابات التشريعية لا يمكن أن تجري إلا في ظل حالة من استقرار الوضع العام"، مشددا على أهمية أن "تساهم الانتخابات في حال تمت في ظل هذا الوضع الصعب، في تحسين أوضاع الناس في كافة النواحي؛ الغذاء والدواء والمأوى".

وطرح الفرا العديد من التساؤلات التي تدور في ذهن كل مواطن فلسطيني: "هل هذه الانتخابات سترد لنا حقوقنا المسلوبة كمواطن فلسطيني من غزة؟، هل ستعمل على إعادة الإعمار وإرجاع بيتي الذي دمره الاحتلال في الحرب؟، هل سأرجع إلى أرضي التي خرجت منها تحت تهديد القصف؟"، مشددا على أهمية "إجراء انتخابات حرة ونزيهة وصحيحة، كي تحدث تغييرا جذريا للأفضل في قيادة الشعب الفلسطيني".

بدوره، شدد المختص في الشؤون القانونية، فادي عبد الباري، الذي يسكن في محل تجاري مع عائلته وسط مدينة غزة، على أهمية "تهيئة الأجواء وتحقيق وحدة شعبنا وإنهاء الانقسام لنكون صفا واحدا بعيدا عن حالة التناحر الداخلي، وذلك قبل الإقدام على العملية الانتخابية، لأن الواقع صعب للغاية".

وقال في حديثه لـ"عربي21": "ربما نحتاج إلى تأجيل الانتخابات حتى تحقيق حالة من الصفو الوطني، والاتفاق على خطة وطنية لخدمة الناس وإنقاذهم من الكارثة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه،  نحن اليوم لا نستطيع تقديم شربة ماء لشعبنا من غير تنسيق، نحن نفتقد مقومات الحياة، وهذا الواقع يجب أن يدفع كافة أبناء شعبنا على مختلف ميولهم، بأن ننبذ الانقسام ونكون صفا واحدا كي ننجح في الخروج من المأساة التي يعيشها شبعنا في غزة والضفة والقدس أيضا".

وتساءل عبد الباري: "في حال تمت الانتخابات، وفازت بها أحد الفصائل، هل ستمكن الحكومة القادمة من العمل بحرية في الأراضي الفلسطينية وخاصة في غزة؟، هل ستكون هناك مشاركة سياسية حقيقة من الكل الفلسطيني بما يحقق تطلعات شبعنا؟"، مشددا على وجوب "اختيار من يمكن أن يخدم شعبنا بعيدا عن الانتماء السياسي أو الحزبي"

تحديات متعددة

ولفت أنه "في حال تم تهيئة الأجواء المناسبة، وكانت الأرض ممهدة، يمكن إجراء الانتخابات واختيار من يمثلنا عن علم ومعرفة، بمن هم الأقدر على خدمة أبناء شعبنا والحفاظ على حقوقه المشروعة".

الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، منصور أبو كريم، أوضح أن "إجراء الانتخابات في الوقت الحالي أمر فرضته الضرورة والظروف السياسية واستمرار حالة الانقسام، كما أن غياب المؤسسات التشريعية والدستورية فرض وجود الانتخابات التشريعية كضرورة ملحة نتيجة الضغوطات التي تمارسها الدول والاتحاد الأوروبي على السلطة الفلسطينية من أجل تجديد المؤسسات التشريعية والدستورية في النظام السياسي الفلسطيني".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "الانتخابات التشريعية المرتقبة، جاءت أيضا نتيجة ضغط الواقع الذي تمخضت عنه حرب الإبادة"، لافتا أنه "في ظل هذا الواقع؛ الانتخابات لم تكن أولوية في ظل المرحلة الحالية نتيجة غياب البنية التحتية والقدرة والتجهيزات اللوجستية سواء في غزة أو الضفة الغربية المحتلة، لكنها أصبحت ضرورة من أجل توحيد الأرض الفلسطينية ما بين غزة والضفة عبر صندوق الانتخابات، وضرورة لتجديد المؤسسات الفلسطينية والنخبة السياسية وضخ دماء جديدة في المؤسسات وإعادة تفعيل المؤسسات التشريعية والدستورية الفلسطينية".

اظهار أخبار متعلقة



ونوه أبو كريم، أنه "بجانب أهمية التركيز على الجوانب الإنسانية والمعيشة ومواجهة حالة الإبادة سواء في غزة أو الضفة الغربية المحتلة، تأتي الانتخابات كحاجة سياسية ملحة في ظل الواقع السياسي والأمني المعقد والمتشابك عقب حرب الإبادة".

ورأى أن "الانتخابات الفلسطينية تواجه العديد من التحديات؛ سياسية وأمنية ولوجستية خاصة في قطاع غزة، حيث انهيار البنية التحتية وعدم وجود مراكز انتخابات وعدم فتح باب التسجيل"، مضيفا: "التحديات متعددة لكن كما جرت العادة، الديمقراطية الفلسطينية تولد من رحم المعاناة ولا تأتي وفق الترتيبات المعتادة في الدول الأخرى وإنما تأتي وفق الضرورات السياسية وتحديات الواقع السياسي، وبالتالي هي فرصة من أجل مواجهة التحديات الكبيرة على المستوى السياسي والإنساني والتي من بينها  الواقع الإنساني المعاش في غزة وإجراءات الاحتلال في الضفة الغربية ومدينة القدس".

تغيير حقيقي

من جانبه، أعتبر الكاتب الفلسطيني إياد القرا، الذي يقيم في جنوب القطاع وينزح مع عائلته غرب خانيونس،  أن "الانتخابات هي مخرج للكل وجزء من أهمية الحالة الوطنية الفلسطينية بعد حرب الإبادة، ورغم أن هناك أولويات كثيرة، لكن لا يمكن فصل ما يحدث عن التطلعات بأن تكون هناك سياسية عامة، جزء منها هي تطلعات كل طرف فلسطيني".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "حركة "حماس" تريد أن تؤكد أنها "جزء من النظام السياسي الفلسطيني وحرب الإبادة لم تنجح، كما أن التيار الإصلاحي في حركة "فتح" الذي يقوده محمد دحلان، يريد أن يقول أنه موجود وأنه يمثل فتح ولديه ثقل في الشارع الفلسطيني ويكون جزءا من هذه الحالة ويساهم في إنقاذ الواقع الفلسطيني".

ونوه القرا، إلى أن "الانتخابات تأتي أيضا استجابة لمطلب يطرح باستمرار عربيا ودوليا كجزء من حالة إصلاح السلطة الفلسطينية، وفي ذات الوقت السلطة تريد من هذه الانتخابات أو "فتح" بقيادة محمود عباس، تريد الاستجابة للضغوط حول إجراء الانتخابات وضرورة أن يكون هناك نظام على الأقل أفضل من الحالي".

ولفت أن "الكل يأمل أن يكون هناك تغيير حقيقي،  والجميع يتطلع من خلال إجراء الانتخابات أن يكون بالإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه خاصة في غزة، وفرصة أن لا تنجح "إسرائيل" في تفتيت الوضع الفلسطيني؛ غزة لوحدها والضفة كذلك والقدس مستباحة".
التعليقات (0)