كيف سيواجه إقليم كردستان العراق الفراغ الأمني بعد وقف الدعم العسكري؟

يرى زيباري أن الخطر الأكبر على إقليم كردستان في استمرار الانقسام الحزبي والملفات العالقة مع بغداد ودول الجوار- جيتي
يرى زيباري أن الخطر الأكبر على إقليم كردستان في استمرار الانقسام الحزبي والملفات العالقة مع بغداد ودول الجوار- جيتي
شارك الخبر
أثار قرار الإدارة الأمريكية عدم تجديد مذكرة التفاهم الخاصة بدعم قوات البيشمركة، والتي تنتهي بنهاية أيلول/سبتمبر المقبل، تساؤلات واسعة حول مستقبل الدعم الأمني الأمريكي لإقليم كردستان العراق، خاصة مع تزامنه مع انسحاب آخر قوات التحالف الدولي من العراق.

ويأتي هذا التطور في وقت يتعرض فيه الإقليم لهجمات متكررة بالطائرات المسيرة والصواريخ، وسط مخاوف من فراغ أمني محتمل.

وفي مقابلة خاصة، قدم العقيد المتقاعد في قوات البيشمركة والناشط السياسي إسلام زيباري قراءة مفصلة لهذه التطورات، مؤكدا أن التحديات الحقيقية تكمن في الملفات الداخلية أكثر مما تأتي من الخارج، داعياً إلى توحيد الصفوف وحل الخلافات مع بغداد والدول المجاورة.

وفيما يلي نص الحوار:



ما قراءتكم الأولية لقرار الإدارة الأمريكية في عدم تجديد مذكرة التفاهم الخاصة بدعم قوات البيشمركة؟.


استهل زيباري حديثه لـ"عربي21" بالعودة إلى خلفية تأسيس مذكرة التفاهم، موضحا أنه قبل حرب داعش وخلال سنوات الحرب ضد التنظيم كانت قوات البيشمركة منقسمة بين أحزاب سياسية، وبالتحديد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وأضاف أنه بعد تشكيل التحالف الدولي في 10 أيلول/سبتمبر 2014، الذي اتخذ من أربيل قاعدة لعملياته العسكرية، تم التعاون بين قوات البيشمركة وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي إطار هذا التحالف انبثقت مذكرة التفاهم بين  وزارة الحرب الأمريكية ووزارة البيشمركة في عام 2016، وجرى تجديدها في عام 2022 على أن تنتهي في نهاية أيلول/سبتمبر 2026.

وأوضح أن هذه المذكرة هدفت إلى إطلاق مشروع لتوحيد القوات الخاضعة للأحزاب تحت مظلة وزارة البيشمركة، مؤكدا أنه بالفعل تم تشكيل 11 فرقة عسكرية، كما حلت الوحدتان 70 و80 التابعتان للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لتحل محلهما قيادة المنطقة الأولى في أربيل وقيادة المنطقة الثانية في سليمانية.

وأضاف أنه في إطار هذه المذكرة والتحالف الدولي، تم تشكيل مجموعة استشارية متعددة الجنسيات تضم مستشارين عسكريين من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، عملوا جميعا داخل وزارة البيشمركة بهدف توحيد القوات وتوحيد الحسابات المالية إلى جانب تقديم الدعم في محاربة داعش.

وقال زيباري إنه حاليا لم تبق قوات خارج وزارة البيشمركة، مشيرا إلى أن المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأن الولايات المتحدة لا تنوي تجديد مذكرة التفاهم، وأن مسؤولي إقليم كردستان وقادة وزارة البيشمركة كانوا يعرفون ذلك منذ سنوات.

اظهار أخبار متعلقة



وأكد وجود مخاوف جدية لدى حكومة إقليم كردستان ووزارة البيشمركة من انسحاب قوات التحالف الدولي، لكنه شدد على أن انتهاء مهمة قوات التحالف لا يعني انتهاء التعاون بين قوات البيشمركة والولايات المتحدة، إذ أكدت واشنطن أكثر من مرة استمرار التعاون مع القوات الأمنية العراقية ومن ضمنها البيشمركة.

وفيما يخص طبيعة الدعم المستقبلي، أوضح زيباري أن الدعم العسكري والمالي سينتهي فعليا بانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي، وأنه إذا اضطرت واشنطن لدعم قوات البيشمركة مستقبلا، فمن المتوقع أن يكون ذلك عبر وزارة الدفاع العراقية.

عمليا، كيف سيؤثر توقف التمويل الأمريكي البالغ 61 مليون دولار على الرواتب والتسليح والتدريب داخل قوات البيشمركة؟

أكد زيباري أن التأثير لن يقتصر على وزارة البيشمركة وحدها، موضحا أن هذا المبلغ غطى بالفعل نفقات كثيرة في الوزارة، لكن المخاوف الحقيقية تتعلق أكثر بإيران والفصائل المقربة منها.

وأضاف، من زاوية معينة، أن انسحاب قوات التحالف الدولي من أربيل قد يصب فعليا في مصلحة إقليم كردستان، "لأنه ستنتهي الحجج التي تُقصف بها إقليم كردستان من قبل إيران والفصائل المقربة منها بحجة وجود هذه القوات".

وفي المقابل، شدد زيباري على أن هذه مرحلة "جدية وحساسة" بالنسبة لقيادة إقليم كردستان، واصفا إياها بأنها اختبار حقيقي لقيادة هذه القيادة على التعامل مع المشاكل الداخلية ومع بغداد ودول الجوار.

وأشار إلى وجود أحزاب كردية معارضة داخل حدود الإقليم، وجهود جارية لتسوية ملفها وفق الاتفاق الأمني الموقع بين العراق وإيران عام 2023، مؤكدا أن إيران "تضرب إقليم كردستان بشكل كبير".


خمسة آلاف مقاتل من الكورد السوريين موجودين في كردستان

وأضاف أن هناك نحو خمسة آلاف مقاتل من الكورد السوريين موجودين في الإقليم، ما يستوجب على حكومة إقليم كردستان حل هذا الملف مع الحكومة السورية في ظل العلاقة الجيدة القائمة بينهما حاليا.

وتطرق زيباري كذلك إلى ملف اللاجئين، مبيناً أن هناك أكثر من نصف مليون لاجئ في الإقليم أغلبهم من سوريا، إضافة إلى لاجئين إيرانيين وأتراك، داعيا حكومة إقليم كردستان إلى العمل على إعادتهم إلى مواطنهم بما يخفف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية عن شعب الإقليم، إلى جانب "تصفير المشاكل" مع الحكومة الاتحادية المتعلقة بالرواتب والنفط والغاز والموازنة وملف حصر السلاح.

اظهار أخبار متعلقة



وخلص إلى أن انسحاب القوات الأمريكية لن يؤثر على أمن إقليم كردستان إذا أدركت قيادته كيفية التعامل مع هذه الملفات العالقة.

بخصوص الهجمات بالطائرات المسيرة، هل تملك البيشمركة حاليا منظومات دفاع جوي كافية للتعامل مع هذا التهديد بمفردها؟

أوضح زيباري أن إقليم كردستان تعرض لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة التي تتجه أصابع الاتهام فيها إلى إيران والفصائل المقربة منها، مؤكدا أن المنظومات الدفاعية الأمريكية "لم تحم سماء إقليم كردستان من كل هذه الهجمات"، وأنها تقتصر فقط على حماية المصالح والقواعد الأمريكية داخل الإقليم لا سماءه بالكامل.

واستشهد بتعرض مقرات رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم، وكذلك مقرات قوات البيشمركة، لهجمات بالصواريخ والطائرات، متسائلا: "أين كانت المنظومات الدفاعية الأمريكية من تلك الهجمات؟".

قوات التحالف الدولي في الإقليم لأهداف سياسية ومعنوية

واعتبر زيباري أن وجود قوات التحالف الدولي في الإقليم كان "لأهداف سياسية ومعنوية" ورسالة اطمئنان لشعب إقليم كردستان بأن وجودهم يحميه، لكنه أكد أن الواقع أثبت تعرض الإقليم لمئات الهجمات دون أن تفعل المنظومات الدفاعية الأمريكية شيئا حيال ذلك.

المشاكل الداخلية هي الخطر الحقيقي

وأشار إلى أن إقليم كردستان اعتمد منذ عام 1991 وحتى الآن على الغرب لحمايته، معتبرا أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق يمثل "اختبارا حقيقيا" لقدرة قيادة الإقليم على حماية نفسه، داعيا إياها إلى الاعتماد على الذات وتوحيد البيت الداخلي وتسريع تشكيل الحكومة، مذكرا بأن برلمان كردستان لا يزال معطلا والحكومة تصريف أعمال رغم مرور سنتين على الانتخابات.

وختم بالقول إن هذه المشاكل الداخلية هي الخطر الحقيقي على أمن الإقليم، وليس انسحاب قوات التحالف الدولي.

هل سيشجع هذا الانسحاب الأمريكي أطرافا إقليمية أو محلية على استغلال الفراغ الناتج عنه؟

أكد زيباري أن إيران والفصائل المقربة منها "بالتأكيد" ستستغل انسحاب القوات الأمريكية من إقليم كردستان، لكنه أشار إلى أن قيادة الإقليم تدرك أن هذا الانسحاب لا يعني تخلي واشنطن عن إقليم كردستان نهائيا.

وأوضح أن الإقليم اتخذ منذ بداية الحرب موقفا حياديا، وأن وزارة البيشمركة أعلنت أكثر من مرة عدم تدخلها بأي شكل في الحرب، وأن الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في الإقليم لم تعلن مشاركتها في الحرب ضد إيران، مؤكدا وجود "علاقات رسمية جيدة" بين قيادة الإقليم وإيران، وكذلك مع الفصائل المسلحة في العراق.

وربط زيباري الهجمات التي طالت مقرات رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني ورئيس مجلس أمن الإقليم خلال الشهر الجاري برسائل إيرانية تحث حكومة الإقليم على "الإسراع في تسوية ملف تواجد الأحزاب الكردية المعارضة" على أراضيه، مشيرا إلى أن الإقليم يعمل حاليا بجد مع الحكومة العراقية لتسوية هذا الملف.

اظهار أخبار متعلقة



وخلص إلى أنه في حال نجح إقليم كردستان في حل ملف الأحزاب الكردية المعارضة، سواء داخل الإقليم أو في منطقة "روج آفا"، إلى جانب المشاكل العالقة مع الحكومة الاتحادية، فإنه "لن يتأثر بالانسحاب الأمريكي من العراق".

إلى أي مدى ساهمت الخلافات الحزبية الداخلية في إقليم كردستان في إضعاف موقفه أمام الإدارة الأمريكية؟

قال زيباري إن الولايات المتحدة، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، تعاملت منذ بداية الحرب مع إقليم كردستان بوصفه كيانا تحكمه "إدارتان"، مستشهدا بأن اتصالاته الهاتفية جرت بشكل منفصل مع مسعود البارزاني بصفته رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومع بافل طالباني، ولم تجر مع حكومة إقليم كردستان ككيان موحد.

وأكد أن هذا الانقسام "أضعف الموقف الكردي" في كثير من القضايا الداخلية وفي العلاقة مع بغداد وعلى الصعيد الدولي، موضحا أن الإقليم يُدار فعلياً عبر إدارتين حزبيتين: إدارة السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، وإدارة أربيل ودهوك بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

واعتبر أن هذا التشتت الحزبي "أوجد بيئة مناسبة للتدخلات" من دول الجوار وحتى من أطراف داخل بغداد في الشؤون الداخلية لإقليم كردستان.

ما الخيارات الواقعية المتاحة لحكومة إقليم كردستان لتعويض هذا الدعم الأمريكي؟

رأى زيباري أن الحل الوحيد أمام حكومة إقليم كردستان يكمن في "تصفير مشاكلها" مع بغداد وتركيا وإيران وحتى سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وأشار إلى وجود مشاكل "كبيرة وكثيرة" بين بغداد وأربيل يجب حلها، محذرا من أن بعض هذه الملفات "تستغلها أطراف داخل بغداد لضرب إقليم كردستان أو لتحجيم كيانه".

وأضاف أن القصف الإيراني المستمر على أراضي الإقليم يأتي بحجة تواجد الأحزاب الكردية المعارضة، رغم التزام تلك الأحزاب بالاتفاق الأمني الموقع بين إيران والعراق عام 2023.

وأشار زيباري أيضا إلى دعم حكومة إقليم كردستان لعملية السلام الجارية في تركيا لكونها معنية بملف حزب العمال الكردستاني، مؤكدا في ختام إجابته أن الأهم هو أن توحد الأحزاب الكردية صفوفها أمام المشاكل الكبرى التي تمس مصالح الجميع، معتبرا أن "مشاكل إقليم كردستان حاليا مشاكل داخلية أكثر مما هي مخاطر تأتي من خارجه".

ولفت إلى أن الولايات المتحدة تنتهج سياسة دعم "الدولة المركزية"، وهو توجه تشاركها فيه دول أوروبية أيضا، معتبرا أن هذا النهج "ليس في صالح إقليم كردستان".

وأكد أن الإقليم يقف أمام "مرحلة حساسة جدا" تستوجب التعامل بحكمة مع التحولات في السياسة الأمريكية والتغيرات لدى دول الجوار، مشيرا إلى أن "العمق الاستراتيجي لإقليم كردستان هو بغداد"، داعيا قيادة الإقليم إلى تعزيز علاقاتها مع الحكومة الاتحادية عبر حل كافة الملفات العالقة بينهما.
التعليقات (0)

خبر عاجل