أعلن الرئيس
الجزائري عبد المجيد تبون،
الخميس، حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام، إثر سقوط
قتلى وإصابة عشرات الأشخاص في موجة
حرائق اندلعت في عدد من الولايات، خصوصا في وسط وشرق البلاد، فيما تواصل فرق
الحماية المدنية والإطفاء عمليات السيطرة على البؤر المشتعلة وإجلاء السكان من
المناطق المهددة. ويأتي القرار الرئاسي في وقت تصاعدت فيه حدة الحرائق واتسعت
رقعتها، وسط ظروف جوية شديدة الحرارة ساعدت على سرعة انتشار النيران.
ووجّه تبون رسالة تعزية إلى أسر الضحايا،
عبّر فيها عن بالغ حزنه إزاء الخسائر البشرية، معتبرا أن البلاد تمر بـ"فترة
عصيبة"، بعدما اندلعت النيران في عدد من المناطق في وقت كانت السلطات قد بدأت
فيه تعويض المتضررين من حرائق سابقة.
وقال الرئيس الجزائري في رسالته إن ما جرى
يمثل "فاجعة" ألمّت بالبلاد، مقدما تعازيه إلى العائلات التي فقدت
أبناءها، ومتمنيا الشفاء العاجل للمصابين، قبل أن يعلن اتخاذ قرار
الحداد الوطني
لمدة ثلاثة أيام.
وبموجب القرار، تُنكّس الأعلام الوطنية في
مختلف أنحاء الجزائر طوال فترة الحداد، كما تُلغى مظاهر الاحتفالات والمنافسات
الرياضية الوطنية خلال الأيام الثلاثة، في إجراء يعكس حجم الخسائر البشرية التي
خلفتها الحرائق.
12 قتيلا وعشرات المصابين
وكان وزير الداخلية والجماعات المحلية
والنقل، السعيد سعيود، قد أعلن أن حصيلة ضحايا الحرائق بلغت 12 وفاة، توزعت بين
ثلاث ولايات هي جيجل بخمسة قتلى، وبجاية بأربعة، وتيزي وزو بثلاثة قتلى. كما أفادت
حصيلة أخرى بإصابة 54 شخصا، بينهم ستة في حالة خطيرة يخضعون للعناية المركزة.
وتتركز بؤر الحرائق بصورة خاصة في الولايات
الشرقية، حيث واجهت فرق الإطفاء صعوبة في السيطرة على عدد من البؤر بسبب سرعة
انتشار النيران، فيما امتدت بعض الحرائق إلى مناطق قريبة من التجمعات السكنية.
وأعلنت الحماية المدنية في إحدى حصائلها
تسجيل 159 حريقا للغطاء النباتي، جرى إخماد 90 منها، بينما استمرت عمليات التدخل
لإخماد الحرائق المتبقية. وفي حصيلة لاحقة صباح الخميس، ارتفع عدد الحرائق المسجلة
إلى 193 حريقا، أُخمد منها 147، في حين ظلت 46 بؤرة تحت المعالجة.
وتصدرت جيجل وبجاية وسكيكدة قائمة الولايات
التي بقيت فيها حرائق نشطة، فيما سجلت أيضا بؤر في الطارف وتيزي وزو وعنابة
وقالمة، ما دفع السلطات إلى تكثيف عمليات التدخل في عدد من المناطق.
إجلاء عائلات وتدخلات جوية
ومع اقتراب النيران من مناطق مأهولة، لجأت
السلطات إلى عمليات إجلاء وقائية للسكان، خصوصا في بعض مناطق ولاية جيجل، كما جرى
إخلاء عائلات ومواقع ترفيهية في ولاية الطارف، بالتزامن مع جهود لحماية المنازل
والمناطق السكنية من امتداد النيران.
وتشارك في عمليات الإخماد وسائل برية وجوية،
تشمل مروحيات وطائرات مخصصة لمكافحة الحرائق، إلى جانب وحدات الحماية المدنية
والرتل المتحرك، مع تفعيل مخططات النجدة عند الحاجة من جانب السلطات المحلية.
وبأمر من الرئيس تبون، انتقل وزير الداخلية
السعيد سعيود، فجر الخميس، إلى ولاية جيجل لمتابعة الوضع ميدانيا، والوقوف على سير
عمليات الإخماد، والاطمئنان على المصابين وظروف التكفل بهم، برفقة وزير الصحة
والمدير العام للأمن الوطني والمدير العام للحماية المدنية.
ويعكس إرسال وفد حكومي رفيع إلى المناطق
المتضررة حجم الضغط الذي تواجهه السلطات، في وقت تحاول فيه أجهزة الطوارئ احتواء
الحرائق ومنع تحولها إلى كارثة أوسع، خصوصا في المناطق التي تقترب فيها النيران من
السكان والطرق والمنشآت.
موجة حر تزيد مخاطر انتشار النيران
وتزامنت موجة الحرائق مع ظروف مناخية بالغة
الصعوبة، إذ كانت مصالح الأرصاد الجوية قد حذرت من موجة حر شديدة ضربت عددا من
الولايات خلال الأربعاء والخميس، مع توقع وصول درجات الحرارة القصوى إلى مستويات
مرتفعة جدا في بعض المناطق.
وتزيد درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب
الجفاف والغطاء النباتي الجاف، من سرعة انتشار الحرائق وصعوبة السيطرة عليها،
خصوصا في المناطق الجبلية والغابية التي تتميز بتضاريس معقدة.
وتشهد الجزائر بصورة متكررة خلال فصل الصيف
حرائق غابات واسعة، ولا سيما في ولايات الشمال والشرق، في ظاهرة باتت تتداخل فيها
عوامل الطقس الحار والجفاف وتغير المناخ مع عوامل بشرية محتملة.
وفي ظل اتساع رقعة الحرائق الحالية، تبرز
مجددا مسألة قدرة منظومة الوقاية والاستجابة على التعامل مع مواسم حرائق أكثر شدة،
لا سيما مع تزايد موجات الحر وطول فترات الجفاف.
تبون: تعويض المتضررين مستمر
وفي رسالته، أشار الرئيس الجزائري إلى أن
موجة الحرائق الجديدة جاءت في وقت كانت فيه السلطات قد شرعت بالفعل في تعويض
المتضررين من بؤر سابقة جرى إخمادها، في إشارة إلى استمرار تداعيات حرائق شهدتها
البلاد خلال الفترة الماضية.
وكانت السلطات الجزائرية قد أوفدت، في
يوليو/تموز الماضي، وفدا وزاريا إلى عدد من الولايات لتقديم واجب العزاء لعائلات
ضحايا حرائق الغابات والوقوف على أوضاع المناطق المتضررة، تنفيذا لتوجيهات الرئيس.
وشملت الزيارة حينها ولايات تلمسان وعنابة وقالمة وسطيف.
ويضع تكرار الحرائق السلطات أمام تحد مزدوج
يتمثل في الاستجابة الفورية للكارثة، من خلال الإخماد والإجلاء والعلاج، بالتوازي
مع معالجة آثارها على السكان وتعويض المتضررين وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
حداد وطني وسط استمرار عمليات الإخماد
ويأتي إعلان الحداد بينما لا تزال جهود
مكافحة النيران مستمرة في عدد من الولايات، ما يعني أن السلطات تتعامل مع الوضع
باعتباره أزمة مفتوحة لم تنته بمجرد السيطرة على جزء كبير من البؤر.
وتسعى فرق الحماية المدنية والغابات إلى
تطويق الحرائق النشطة، فيما تظل الأولوية لمنع وصول النيران إلى التجمعات السكنية
وحماية الأرواح، بالتزامن مع نقل المصابين إلى المستشفيات وتوفير الرعاية الطبية
اللازمة لهم.
وفي انتظار استكمال عمليات الإخماد وتقييم
حجم الأضرار البشرية والمادية، يضع إعلان الحداد الوطني المأساة في إطار وطني
جامع، بينما تواجه الجزائر مجددا أحد أكثر التحديات المناخية والطبيعية تكرارا
خلال موسم الصيف.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تبقى
قدرة السلطات على احتواء البؤر المتبقية ومنع تجددها خلال الساعات والأيام المقبلة
العامل الحاسم في تحديد مدى اتساع الخسائر التي خلفتها هذه الموجة من الحرائق.
اظهار أخبار متعلقة