كشفت محامية سابقة في وزارة العدل الأمريكية عن تفاصيل قالت إنها تمثل تجاوزات قانونية وسوء إدارة وهدر للمال العام وإساءة استخدام للسلطة، خلال التحقيقات التي أجرتها إدارة الرئيس دونالد
ترامب مع
جامعات أمريكية بارزة على خلفية مزاعم تتعلق بمعاداة السامية والاحتجاجات المؤيدة لفلسطين.
وقدمت هالي فان إيرم، المحامية السابقة في قسم الحقوق المدنية بوزارة العدل، إفادتها بصفتها "مبلغة عن مخالفات"، عبر مشروع المساءلة الحكومية، إلى مكتب المستشار الخاص وهيئات المفتشين العامين في وزارتي العدل والصحة والخدمات الإنسانية.
وتعود الإفادة إلى يوم الاثنين الماضي، وتتناول، بحسب ما ورد فيها، الضغوط التي تعرض لها محامون حكوميون أثناء التحقيقات مع جامعات
كولومبيا وبراون وكورنيل وهارفارد، إضافة إلى استخدام التمويل الفيدرالي كوسيلة ضغط على مؤسسات التعليم العالي.
وتقول فان إيرم إن مسؤولين كبارا في وزارتي العدل والصحة ابتعدوا عن الإجراءات المعتادة في تحقيقات "الباب السادس" من قانون الحقوق المدنية، بما أضر، وفق روايتها، بضمانات الإجراءات القانونية ودقة التحقيقات، وحول بعضها إلى أدوات لتنفيذ أولويات سياسية بدلا من تطبيق القانون استنادا إلى الأدلة.
إعادة توزيع محامين على التحقيقات
بدأت إدارة ترامب في 3 شباط/فبراير 2025 تشكيل قوة عمل مشتركة لمكافحة معاداة السامية، بمشاركة وزارات العدل والصحة والتعليم، وقالت إن هدفها التصدي للتحرش والتمييز المعادي للسامية في المدارس والجامعات.
وبعد أسابيع، أعيد تكليف عدد من المحامين المهنيين في وزارة العدل بالعمل مؤقتا مع مكتب الحقوق المدنية في وزارة الصحة، للمشاركة في التحقيقات المتعلقة بعدد من الجامعات، من بينها كولومبيا وبراون وكورنيل وهارفارد.
اظهار أخبار متعلقة
وتقول فان إيرم، التي أمضت قرابة عشر سنوات في وزارة العدل، إن إعادة توزيع المحامين جرت بصورة مفاجئة، رغم ارتباطهم بملفات أخرى، وهو ما أدى، بحسب إفادتها، إلى إضعاف العمل في قضايا قائمة، بينها ملفات تتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأضافت أن المحامين كانوا يتوقعون أن تستند أي إجراءات عقابية إلى تحقيقات شاملة وأدلة موثقة، إلا أنهم واجهوا ضغوطا متزايدة لإنجاز الملفات خلال مدد زمنية قصيرة.
اتهامات بتحديد نتائج التحقيقات مسبقا
وتتضمن الإفادة اتهامات لمسؤولين في الإدارة بأن نتائج بعض التحقيقات كانت محددة مسبقا قبل استكمال جمع الأدلة وتحليلها.
وتقول فان إيرم إن فريقها وجد في بعض الحالات أساسا واقعيا ضعيفا لفتح التحقيقات، وإن اعتراضات قانونية أثارها المحامون لم تحظ بالاهتمام الكافي، بل تعرض بعضهم للتوبيخ عندما طرحوا تساؤلات حول الأساس القانوني للإجراءات.
وبحسب الإفادة، بدا أن بعض التحقيقات تسير بصورة معاكسة للمنهج المعتاد، إذ يفترض أن تبدأ العملية بجمع الأدلة ثم تحليلها وتحديد ما إذا كان هناك انتهاك للقانون، بينما بدا للمحامين، وفقا لروايتها، أن البحث عن الأدلة كان يتم أحيانا لدعم نتائج أو تسويات كانت الإدارة ترغب فيها مسبقا.
كولومبيا.. تجميد 400 مليون دولار
برزت جامعة كولومبيا باعتبارها إحدى أبرز ساحات المواجهة بين إدارة ترامب والجامعات الأمريكية.
ففي 7 آذار /مارس 2025، أعلنت الإدارة إلغاء نحو 400 مليون دولار من المنح والعقود الفيدرالية الممنوحة للجامعة، متهمة إياها بعدم اتخاذ إجراءات كافية للتصدي لما وصفته بالتحرش المستمر بالطلاب اليهود.
لكن فان إيرم تقول إن المحامين الذين كلفوا لاحقا بالتحقيق لم يجدوا في البداية أدلة كافية تثبت وجود انتهاك لقانون "الباب السادس" في كلية الطب بالجامعة.
وبحسب الإفادة، توسع التحقيق لاحقا ليشمل الجامعة بأكملها، رغم أن مسؤولين في مكتب الحقوق المدنية بوزارة الصحة أقروا بأن الأدلة التي جرى جمعها قد لا تكون كافية لإثبات وجود مخالفة.
كما اعترض المحامون على تحديد مهلة قصيرة لإنجاز التحقيق، معتبرين أن 45 يوما لا تكفي لمراجعة حجم الأدلة المطلوبة لإثبات انتهاك للقانون.
وتقول فان إيرم إن مسودة النتائج المتعلقة بكولومبيا وصلت إلى المحامين في وقت ضيق للغاية، ومنحت لهم ساعات قليلة فقط لمراجعة وقائع كان من الممكن استخدامها لتبرير تعليق مئات الملايين من الدولارات.
وتضيف أن بعض ما ورد في المسودة شمل أنشطة محمية دستوريا، مثل الاحتجاج والتعبير السياسي، وهو ما أثار مخاوف لدى المحامين بشأن إمكانية استخدام ممارسة حقوق دستورية كدليل على انتهاك لقانون الحقوق المدنية.
اظهار أخبار متعلقة
رفض إغلاق تحقيق لم يثبت مخالفة
وتقدم جامعة براون مثالا آخر أوردته فان إيرم في إفادتها. فبعد إجراء مقابلات مع شهود ومراجعة وثائق، خلص فريق المحامين إلى عدم وجود أدلة كافية لإثبات انتهاك لقانون "الباب السادس".
وركز التحقيق، وفقا للإفادة، على حادثتين رئيسيتين، الأولى رسالة تهديد موجهة إلى منظمة "هيلل" الطلابية اليهودية، حيث تم التعرف على صاحب الرسالة وفصله واتخذت الجامعة إجراءات أمنية إضافية، والثانية احتجاج شارك فيه أعضاء من منظمة "طلاب من أجل العدالة في
فلسطين" خارج كلية الطب.
ورأى المحامون أن استجابة الجامعة للحادثتين كانت سريعة وفعالة، بما لا يتوافق، بحسب تقييمهم، مع معيار "اللامبالاة المتعمدة" اللازم لإثبات مسؤولية المؤسسة بموجب القانون.
وتشير الإفادة إلى أن مسؤولا في وزارة الصحة رأى أيضا أن إثبات اللامبالاة المتعمدة في قضية براون سيكون "صعبا للغاية". ومع ذلك، تقول فان إيرم إن قيادة الوزارة رفضت السماح بإغلاق التحقيق وإصدار إشعار بعدم وجود مخالفة.
وتنقل عن مسؤول يدعى دانيال شيا قوله للمحامين إن القيادة العليا "لن تقبل" إغلاق القضية بهذه النتيجة، مضيفا أن "كل شيء مرتب وفق تسلسل معين". واعتبرت فان إيرم ذلك مؤشرا على أن التحقيق لم يكن يتحرك وفقا للأدلة المتاحة، وإنما ضمن استراتيجية أوسع للضغط على الجامعة.
استهداف أساتذة دراسات الشرق الأوسط
وتثير الإفادة أيضا تساؤلات بشأن الطريقة التي تعاملت بها فرق التحقيق مع أساتذة في دراسات الشرق الأوسط، ولا سيما الأكاديميين المسلمين.
وتقول فان إيرم إن أحد المسؤولين أوضح خلال اجتماع أن الغرض من مقابلة أحد الأساتذة لم يكن بالضرورة الحصول على معلومات، وإنما معرفة "ما سيقوله".
وأثار ذلك مخاوف لدى المحامين من أن تكون المقابلات تهدف إلى العثور على تصريحات يمكن تصنيفها على أنها معادية للسامية، بدلا من التحقيق في وقائع محددة.
كما تقول الإفادة إن المحامين اعترضوا على إدراج أساتذة لم يروا صلة واضحة بينهم وبين الشكاوى المتعلقة بمعاداة السامية، واقترحوا في المقابل التحقيق في مزاعم التحيز ضد المسلمين لضمان تطبيق متسق لقانون الحقوق المدنية، إلا أن هذه المقترحات لم تتابع.
وتضيف الإفادة أن أحد المحامين في مكتب الحقوق المدنية بوزارة الصحة قال إنه متأكد بنسبة 99 بالمئة من عدم وجود شكاوى تتعلق بانتهاكات "الباب السادس" ضد جامعة براون في نظام الشكاوى التابع للوكالة.
اظهار أخبار متعلقة
التمويل الفيدرالي.. أداة للضغط
وتوجه فان إيرم اتهاما آخر يتعلق باستخدام التمويل الفيدرالي للضغط على الجامعات ودفعها إلى قبول تسويات مع الإدارة.
وتنقل الإفادة عن شيا قوله خلال أحد الاجتماعات إن "الهدف هو الامتثال، لكن سحب الأموال هو الأداة"، مشيرا إلى إمكانية اللجوء إلى وقف التمويل عندما يرى المسؤولون أن قضية ما قد تتحول إلى مشكلة.
وتقول المحامية إن مسؤولين ناقشوا كذلك إمكان استخدام سلطات أخرى لسحب العقود والمنح، وهو ما أثار لدى المحامين مخاوف من الالتفاف على الإجراءات القانونية التي يفرضها "الباب السادس" قبل وقف التمويل بسبب انتهاكات الحقوق المدنية.
وأشارت الإفادة إلى أن محاكم اتحادية رفضت لاحقا، في قضايا مرتبطة بجامعات، محاولات الإدارة استخدام سلطات عامة لوقف التمويل عندما يكون الدافع الحقيقي مرتبطا بادعاءات التمييز بموجب "الباب السادس".
هارفارد.. شروط تسوية تثير اعتراضات قانونية
وتتناول الإفادة أيضا مفاوضات إدارة ترامب مع جامعة هارفارد، مشيرة إلى أن وزارة الصحة سعت إلى تسوية تضمنت شروطا واسعة.
ومن بين هذه الشروط، وفقا للإفادة، ترتيبات مرتبطة بالشرطة، وتعيين مسؤول للإشراف على المناهج، وإنهاء برامج التنوع والمساواة والشمول، ووضع أموال من وقف الجامعة في صناديق يمكن للحكومة الاستيلاء عليها، إضافة إلى استثمارات في برامج داخل إسرائيل.
وترى فان إيرم أن هذه الشروط لم تكن مرتبطة، بحسب ما اطلعت عليه، بنتائج محددة تثبت انتهاكات لقانون "الباب السادس".
كما أثارت مخاوف بشأن التعديل الأول للدستور، ولا سيما فيما يتعلق بإمكان تدخل الحكومة في المناهج الدراسية.
وبعد انهيار المفاوضات، رفعت هارفارد دعوى قضائية ضد إدارة ترامب في نيسان/أبريل 2025، طعنت فيها في قانونية مطالب الإدارة وإجراءات تجميد التمويل.