"الخطوط الأمريكاني".. ثغرة بيانات تهدد أمن المصريين أم تلاعب لشركات الهاتف؟

بيانات المصريين تسربت للعديد من الجهات- جيتي
بيانات المصريين تسربت للعديد من الجهات- جيتي
شارك الخبر
مثَّل تسجيل شبكات الهاتف المحمول الأربعة العاملة في مصر خطوط اتصالات على الرقم القومي لكثير من المصريين دون علمهم أو حيازتهم للخطوط التي تُعرف بـ"الخطوط الأمريكاني"، صدمة بالشارع المصري.

الأزمة التي تفاقمت بالأيام الماضية؛ تبعتها انتقادات واسعة لحكومة رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بغض الطرف عن الأزمة والتقاعس في حلها، بجانب اتهام الشركات التي تمثل 3 منها شركات أجنبية (بريطانية وفرنسية وإماراتية) باختراق معلومات وأمن المصريين، وسط احتمالات وجود ثغرة أمنية أو أعمال تجسس تهددان الأمن القومي المصري.

يُرجع البعض الأزمة إلى ممارسات عدد من موظفي وموزعي شركات الاتصالات، الذين استغلوا أرقام البطاقات الشخصية والبيانات القومية للمواطنين المأخوذة من معاملات سابقة لتسجيل شرائح محمول جديدة دون علم أصحابها؛ وذلك لتحقيق التارجت المالي وتنشيط المبيعات، بينما يتحدث آخرون عن جانب أكثر خطورة للأزمة، يصل حد استخدام بعض الخطوط من قبل عصابات جريمة منظمة.

اظهار أخبار متعلقة



وعقب ضجة واسعة بمواقع التواصل الاجتماعي، أطلق "الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات" (حكومي) تطبيق (My NTRA) وخدمة "أرقامي"، التي أتاحت للجمهور الاستعلام عن الخطوط المربوطة بالرقم القومي لدى شركات المحمول الأربع؛ حيث تفاجأ آلاف المواطنين بوجود عدة أرقام مسجلة بأسمائهم.

والاثنين، وفي تحرك مدفوع بـ"ثورة السوشيال ميديا"، وفق قول الحقوقي حسام بهجت، أحال الجهاز شركات المحمول، للتحقيق، وقرر وقف بيع وتفعيل خطوط جديدة، وألزم الشركات بإبرام عقود جديدة باسم الحائز الفعلي، وإتاحة آليات التحقق البيومتري لحائزي الخطوط والتحقق من الهوية، في أيلول/سبتمبر المقبل.

صدمة بالشارع


ونتيجة لتسريب هذه الشرائح وتبادلها بطرق غير رسمية كشف عشرات المتحدثين لـ"عربي21"، والمتعاملين مع شركات "إي آند"، و"أورنج" و"فودافون"، و"وي"، عن وجود خطوط بأسمائهم وصلت حتى 5 أرقام لأحدهم دون حيازتهم لها، مؤكدين أن "تأكيد الجهاز عدم مسؤولية المواطن عن أي خط ليس بحوزته لم يزيل مخاوفهم".

كاشفين عن "تخوفهم من استغلال أرقامهم المسجلة بأسمائهم في عمليات احتيال أو جرائم إلكترونية، وما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية"، مشيرين إلى حيرتهم "بين التوجه لمقرات الشركات لحذف الخطوط وبين عمل محاضر بأقسام الشرطة ضد الشركات".

وفي حين تعجب البعض من "حالة الاهتمام الإعلامي غير المسبوق"، لفتوا إلى "ما يحققه (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات) من مكاسب مع تنزيل ملايين المصريين تطبيق  (My NTRA)، للاستعلام عن الخطوط المسجلة بأسمائهم".

وألمحوا إلى "تجاهل الجهاز الأزمة لسنوات، وغض الطرف عن شكاوى تسريب أرقام الهواتف إلى شركات الترويج الإليكتروني وخاصة العقاري، وتجاهل الجهاز شكاوى سوء خدمة الاتصالات والإنترنت، وإنفاق الشركات الكبير على الدعاية مع رفع أسعار الخدمة بشكل دائم".

غياب الرقابة


وفي ظل الحديث عن مخاوف أمن المعلومات والأفراد والأمن القومي المصري، قال الإعلامي التقني ومستشار الذكاء الاصطناعي عمر الشال، إن "المشكلة تكمن في غياب الرقابة، وما يحدث أن بعض الموظفين الصغار يقوم بتسجيل أرقام هواتف جديدة بأسماء العملاء بعد الحصول على بياناتهم، وفي الغالب صورة هويتهم الشخصية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "المشكلة تكمن في أن شركات الهواتف المحمولة لم يكن لديها نظام لتوثيق المعلومات أو لتحري صحة البيانات، وكان التركيز فقط على زيادة المبيعات".

ويرى أن هذا "بلا شك يهدد سلامة المجتمع، والأمن القومي للدولة، كما شاهدنا العديد من القضايا التي تورط فيها بعض المواطنين بدون علمهم لمجرد أن موظف معدوم الضمير سجل رقما باسمهم".

ولفت الخبير التقني إلى أن "منظومة حماية بيانات المصريين تحتاج لمراجعة دقيقة من الدولة، وببساطة وجود خط هاتف باسمي مع صورة بطاقتي الشخصية مع شخص ما معدوم الضمير ممكن أن ينتج عنه عدد لا نهائي من الكوارث حتى على مستوى المعاملات البنكية وتأمين الحسابات الشخصية".

وتابع: "ناهيك عن عملية -سحب الخطوط- والتي كانت تحدث سابقا حيث يتم سحب الخط من صاحبه وإصدار (Sim Card) جديدة بالرقم، وهذا كان يحدث من نفس الموظفين معدومي الضمير في وقت من الأوقات وتسبب في كوارث بالفعل لأصحاب الهواتف".

ويرى الشال، أن "الامر يمكن ضبطه بتشديد الرقابة سواء داخل شركات المحمول أو على مستوى الدولة، ووضع ضوابط تحمي بيانات المستخدمين ومعلوماتهم الشخصية".

بداية الأزمة مع شركة إمارتية


وحول مشكلة خطوط المحمول المسجلة بأسماء مصريين لا يعرفون عنها شيئاً، أو ما يُعرف في السوق بـ"الخطوط الأمريكاني"، قال الخبير المصري في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام، مصطفى خضري، إنها "مشكلة قديمة ومتجذرة، لم تظهر بين ليلة وضحاها. فمع دخول (اتصالات مصر) كشركة ثالثة للسوق أيار/مايو 2007، بدأت البذرة الأولى لهذه الظاهرة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "كانت الشركتان القدامى، (موبينيل) و(فودافون)، تستحوذان على السوق بالكامل، بينما احتاجت الشركة الإماراتية المدعومة من النظام السياسي وقتها، إلى استراتيجية عدوانية لاقتحام هذا الاحتكار. وهنا وُلدت آلية البيع بالسالب، حيث كان الوكيل يحصل على الخطوط مجاناً، وكلما فعّل شريحة ببيانات مشترك، كانت تظهر في حسابه تعويضات مالية تتراوح بين 15 و40 جنيهاً حسب التارجت الشهري".

وتابع: "كان الوكيل يقتسم هذه التعويضات مع الموزعين مقابل التفعيل، وكان التفعيل يتم بمكالمة هاتفية بسيطة لخدمة العملاء، دون أي تحقق من هوية المشترك"، مبينا أنه "لم تقتصر جريمة جمع البيانات على شركات المحمول، بل امتدت إلى بعض الفاسدين الذين سربوا بيانات المواطنين وباعوها إلى الموزعين والوكلاء. وبذلك، كان بإمكان أي موزع تسجيل 10 خطوط في اسم مشترك وهمي واحد".

وأشار إلى أن "هذه الاستراتيجية حققت اختراقاً سريعاً لاتصالات مصر في السوق، مما دفع (موبينيل) و(فودافون) لاستخدام الأسلوب نفسه، وتحولت المنافسة لسباق مجنون للتعويضات تصاعدت قيمتها لـ100 جنيه للخط الواحد في ذروة المنافسة، بينما كانت الجهات الرقابية تتفرج. وعندما حصلت (اتصالات مصر) على حصة سوقية معتبرة، جاء الدور على شركة (وي) الحكومية كرابع مشغل، التي استخدمت ذات الأداة، وتغاضت عنها الرقابة مؤقتاً حتى ترسخ وجودها، ثم عاد السجال الدوري بين الشركات والجهات الرقابية، حيث تُمنع التجاوزات تارة، ويُغض الطرف عنها أخرى".

لماذا لم تتحرك الدولة؟


وقال رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر": "هذه الخلفية التاريخية ليست مجرد حكاية فساد، بل نقطة البداية لفهم قضية أعمق: أن تحرك الأجهزة الأمنية والرقابية بمصر أصبح مرهوناً بقيمة الضجيج الإعلامي، لا بقيمة الجريمة ذاتها. وهذا نهج عمل مقصود ومتكرر، يقوم على 5 محاور".

أولها: "إعادة تعريف الأمن القومي، في مصر حيث أن له تعريف مختلف عن ما يوجد في الأدبيات السياسية والأمنية، وإلا لما سُمح لشركات الاتصالات ذات الامتداد الأمني والسيادي في دول أخرى بالعمل في مصر، فـ(فودافون) إنجليزية، واتصالات (إي آند) إماراتية، و(أورنج) فرنسية، هذه الشركات لديها وصول كامل لبيانات المصريين المشتركين معها وبيانات تواصلهم الخلوي وتصفحهم الإلكتروني وتداولاتهم المالية، كل ذلك لم يصنف في مصر ضمن سياسات الأمن القومي".

وأكد أن "هذا التناقض نفسه ينعكس في طريقة تعامل الأجهزة مع الجرائم الفردية: فالجريمة التي لا تُسمع لها ضجة تمر دون أن يلتفت لها أحد، لأنها لا تمس الصورة العامة للمجتمع. أما حين تتحول إلى هاشتاغ، فإنها تزعج الأجهزة وتصل صداها إلى صناع القرار. والهدف هنا هو إيقاف الضجة وإراحة الرأي العام، لا معالجة الخلل الذي يمس أمن المواطن فعلياً — وهو نفس الخلل الذي يصُنّف أصلاً خارج تعريف الأمن القومي في مصر".

ولفت إلى أن "المحور الثاني يتمثل في اقتصاديات العمل الأمني"، موضحا أن "القيادة الأمنية العليا تدير مواردها بمنطق استثماري صرف، لا بمنطق الواجب القانوني. فعدد ضباط المباحث والمخبرين والموازنات التشغيلية محدود، وكل ساعة عمل تُخصص لملف تعني بالضرورة سحبها من ملف آخر. وأي قرار بتحريك فريق لملاحقة الجرائم الجنائية العادية، كالنصب أو سرقة البيانات، يعني سحب هذا الفريق من ملفات ذات أولوية أعلى في نظر الدولة: الإرهاب، الأمن السيادي، ومراقبة المعارضة السياسية".

وبين أنه "هنا تدخل معادلة العائد والمخاطرة، فالعائد الأمني من ضرب عصابة جنائية؛ لا يرفع من رصيد الجهاز أمام القيادة السياسية. في المقابل، فإن ملاحقة هذا النوع من الجرائم تعني بالضرورة الاقتراب من شركات الاتصالات ذاتها، الشريك الأساسي للدولة في منظومة المراقبة والتنصت. وأي احتكاك مع هذه الشركات، حتى لو كان في إطار قانوني بحت، يحمل كلفة سياسية أعلى من قيمة الجريمة المرتكبة، لأنه قد يهدد بتعطيل قنوات تعاون بُنيت على مدى سنوات".

وأوضح أنه "من هنا، فإن معادلة العائد على الاستثمار الأمني تميل دائماً لصالح التأجيل. فتجاهل الملف لا يكلّف الجهاز شيئاً في المدى القصير: لا محاسبة، ولا ضغط، ولا مساءلة، طالما بقيت الجريمة صامتة وموزعة على آلاف الضحايا المتفرقين. أما فتح الملف ومواجهة الشركات فيكلّف وقتاً وموارد ورأس مال سياسي، دون ضمان لنتيجة تستحق هذا الثمن. وبهذا المنطق، يُترك الملف مغلقاً حتى تفرضه الظروف قسراً، لا لأن أحداً قرر إغلاقه، بل لأن أحداً لم يجد سبباً كافياً لفتحه".

وألمح إلى أن المحور الثالث، هو "الوظيفة الأمنية لشركات المحمول"، مشيرا إلى أن "شركات المحمول أقرب إلى وكلاء أمنيين للدولة في التنصت السيادي منها إلى كيانات تجارية بحتة. والعلاقة بين الطرفين قائمة على مقايضة غير مكتوبة؛ حيث تمنح الشركات الدولة أبواباً خلفية لمراقبة المواطنين، وفي المقابل تتغاضى الدولة عن الأبواب الخلفية التجارية التي تضخم أرباح الشركات. وعندما تنفجر قضية مثل الخطوط الأمريكاني، فهي تهدد بكشف هذه المقايضة نفسها، إلى جانب تهديدها لأمن المواطن".

اظهار أخبار متعلقة



ويرى أنه "لذلك تتحرك الدولة بسرعة لتأكيد سيطرتها، لكنها تضرب الأذناب من الموظفين المارقين، وليس الجسد المتمثل في مجالس إدارات الشركات. ثم يُحوّل الملف من قضية أمنية إلى ملف تجاري، تُسدد فيه الشركات غرامات مالية مقبولة وفقاً لميزانياتها الضخمة، لتصبح الدولة هي الرابح الأكبر: أرضت الرأي العام، وحصدت مكاسب مادية، وأنقذت ماء الوجه، بينما بقيت جذور الفساد سليمة".

وتحدث خضري عن "نظام العدالة الطبقية"، كمحور رابع، لافتا إلى أن "الأجهزة لا تستجيب لقيمة الجريمة، بل لمعدل تصعيدها. فجريمة سرقة قرنية مواطن فقير لا تحرك ساكناً، لكن جريمة سرقة ١٠٠ جنيه إذا شاركها 10 آلاف مواطن على فيسبوك، تتحرك الآلة فوراً. وهذا يعني أن العقاب موجّه لقدرة الضحية على التعبئة الرقمية، لا لحجم الجريمة نفسها. وهنا المنظومة تكافئ المجرم الذكي الذي يعرف أن استهداف المواطن الصامت آمِن تماماً، بينما استهداف الناشط أو المؤثر محفوف بالمخاطر، فيتشكل نظام عدالة نخبوي في جوهره".

وذكر محور "فلسفة تدوير الأزمة بدلا من منعها"، كخامس وأخير، مبينا أن "الأجهزة لا تعتبر الجريمة فشلاً طالما ظلت تحت السيطرة. فالأجهزة الأمنية تؤمن بأن الأمور يجب أن تتفجر أولاً لتُدار شظاياها، لأن المنع الاستباقي يتطلب هيكلاً رقابياً ضخماً يكلّف الدولة مالاً وسلطة، وهو ما ترفضه. وعندما تصبح القضية رأياً عاماً، تنتقل إدارة الملف من القضاء إلى الإعلام، ويُقدَّم حل طقوسي كإقالة مدير أو تغريم شركة أو إطلاق تطبيق وهمي، لإيهام الجمهور بأن الثغرة سُدّت، بينما تظل البنية التحتية للمقايضة القائمة على التنصت والتغاضي دون تغيير".

وخلص الباحث المصري للقول إن "المواطن في هذه المعادلة ليس سوى مستشعر؛ إذا كانت إشارته هادئة، فهو رقم إحصائي يُهمل تقنياً، وإذا أصبحت إشارته عالية وصاخبة، يتحول إلى هاشتاغ مزعج يجب إسكاته بإجراءات سريعة، فالنظام يعاقب انكشاف الجريمة أكثر مما يعاقب الجريمة نفسها، وهنا يظهر بوضوح الفرق الأساسي بين الدولة القانونية التي تحمي المواطن، والدولة البوليسية التي تدير وتقنن الفساد".
التعليقات (0)

خبر عاجل