طالما تباهى الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بغموض قراراته وعدم القدرة على التنبؤ بسلوكه، مؤكداً أن ذلك يبقي حلفاءه وأعداءه على حد سواء في حالة من عدم الاستقرار.
وأكد تحليل لصحيفة "
نيويورك تايمز" أعده ديفيد سانغر، أن ترامب اعتبر أن استعداده لقصف المنشآت النووية
الإيرانية قبل 13 شهراً، وإرسال قوات "ديلتا فورس" لانتزاع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من سريره في أوائل كانون الثاني/ يناير الماضي، يعكسان عزيمته الصلبة على تنفيذ عمليات عسكرية كان من شأنها أن تجعل أسلافه يستشيطون ذعراً.
وأضاف تحليل الصحيفة أن ترامب صرّح لها بأنه لا يخضع إلا لـ "أخلاقية الخاصة" في إدارته للأزمات، بينما يلوّح بـ "أكبر مطرقة في العالم".
غير أن التطورات الأخيرة في الأسابيع الماضية تُظهر بحسب تحليل الصحيفة، أن الرئيس بات محاصراً داخل أتون حرب لا يجد طريقاً سالكاً للخروج منها، حيث بدأت هذه المواجهة تلتهم استقرار رئاسته تدريجياً.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح التحليل أن ترامب اصطدم بحدود قاسية لنفوذه وقوته لم يكن ليتخيلها عندما بدأ العمليات القتالية الشاملة في 28 فبراير الماضي، موجهاً قواته للتحرك وفق أهداف محددة تمثلت في إنهاء سريع للبرنامج النووي الإيراني والإطاحة بالحكومة في طهران.
وبعد مرور خمسة أشهر، لا تزال تلك الأهداف معطلة دون تحقيق نتائج ملموسة. وأفادت الصحيفة بأن ترامب، الذي كان واثقاً ذات يوم من أن القوة الغاشمة ستسمح له بتطبيق ما سماه بفخر "النموذج الفنزويلي" في إيران — أي تغيير النظام بآخر ينصاع للسيطرة الأمريكية — يتردد الآن في الاندفاع مجدداً نحو عمليات قتالية واسعة، في ظل تقييمات استخباراتية تؤكد عدم جدوى هذا الخيار في العاصمة الإيرانية.
ولفت التحليل إلى عجز الإدارة الأمريكية عن ضبط أسعار النفط المتصاعدة أو الحد من أثرها المباشر على الأسواق المالية. فبعد توقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز ثم استئنافها لأسابيع قليلة، عادت الحركة لتنخفض إلى مستويات ضئيلة، مع بروز تهديدات عند نقطة اختناق ثانية بين البحر الأحمر وخليج عدن. ورغم تهديدات الرئيس بالسيطرة على جزيرة خوارج الإيرانية لشحن النفط، أو الاستيلاء على المخازن التحت أرضية لليورانيوم المخصب، فقد أقر علناً بعدم وجود رغبة لدى
واشنطن في إرسال قوات برية.
ارتباك سياسي
ونقلت "نيويورك تايمز" عن مصادر مقربة من البيت الأبيض أن هذه القيود أدخلت الرئيس في حالة من الإحباط الشديد، وجعلت تصرفاته أكثر تقلباً حتى بمقاييسه الخاصة. ففي الأسبوع الماضي، وقّع وزير الطاقة الأمريكي اتفاقاً تاريخياً مع السعودية للتعاون النووي المدني، ليكسر ترامب الاتفاق بعد أقل من 24 ساعة، مدمراً جهود 18 شهراً من المفاوضات ومصادماً الجانب السعودي بإعلانه أن الاتفاق "مات" ما لم تنضم الرياض إلى "اتفاقيات أبراهام" وتَعترف بـ"إسرائيل".
وفي هذا السياق، نقل التحليل عن آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأمريكي السابق والخبير في شؤون الشرق الأوسط، قوله إن ترامب "أغضب السعوديين مرة أخرى، وأسعد بنيامين نتنياهو، ومَنَح إيران نقاطاً قوية لتأكيد منطقها بأن عقد الصفقات مع واشنطن ليس سوى خديعة مآلها الخيانة".
وأضاف أن ترامب أعلن في اليوم التالي إلغاء "الصفقة الأصلية" الخاصة بجسر "غوردي هاو" الدولي البالغة قيمته 4.5 مليار دولار مع كندا، وفرض رسوماً جمركية بنسبة 50% على البضائع الكندية، في انتهاك صارخ لاتفاقية التبادل الحر (USMCA)، مما دفع كندا لإلغاء دعوة المسؤولين الأمريكيين لحضور مراسم افتتاح الجسر.
اظهار أخبار متعلقة
ولم تتوقف قرارات ترامب المفاجئة عند الشؤون الخارجية، بل طالت الأولويات المحلية لحزبه؛ حيث رفض بشكل غير متوقع توقيع مشروع قانون إسكاني تمت المصادقة عليه بين الحزبين، أعده الجمهوريون في الكابيتول، مشدداً على أن أولويته هي قانون "إنقاذ أمريكا" لتعديل قوانين الانتخابات، مما حرم حزبه من مكسب سياسي وتسليط الضوء على الإنجاز التشريعي.
تراجع الخيارات
وأشارت الصحيفة إلى أن إحباط ترامب يرتبط بشكل مباشر ببدء تراجع الدعم الشعبي للحرب، حيث هبطت نسبة تأييد الشارع الأمريكي لإدارته النزاع إلى 29% فقط، وفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة "واشنطن بوست" ومؤسسة "إيبسوس". ونقل التقرير تصريحاً لرئيس مجلس النواب مايك جونسون قال فيه: "علينا إنهاء هذا الأمر"، في إنعكاس لموقف يتردد بوضوح بين أشد مؤيدي ترامب.
وتابعت "نيويورك تايمز" تحليلها بالإشارة إلى أن الرئيس يفتقر إلى مسار واضح لتحقيق هذا الهدف؛ بعد أن دخل الصراع بدون استراتيجية واضحة للنصر، وهو ما يجعله يصارع اليوم للبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه.
وكان ترامب قد وقّع في 17 يونيو بقصر فرساي اتفاقاً متسرعاً لوقف إطلاق النار من 14 نقطة، وصرح حينها للصحيفة بأن القادة الإيرانيين "اكتفوا ورغبوا في عقد صفقة تجنباً للهجوم الكبير". غير أن الاتفاق انهار بعد أسبوعين فقط إثر استهداف الحرس الثوري الإيراني للسفن في مضيق هرمز.
اظهار أخبار متعلقة
واختتمت الصحيفة تقريرها باستعراض الخيارات الثلاثة المعقدة المطروحة أمام ترامب، والتي جرى بحثها في اجتماعات مع كبار أركان إدارته:
التصعيد العسكري الشامل
حذر المستشارون ترامب من أن ضرب شبكة الكهرباء والقدرات الصاروخية لإيران لن يجبرها على المفاوضات، وسيتسبب في خسائر بشرية هائلة. وكشف تقرير الصحيفة عن عامل حاسم آخر تمثل في تراجع مخزون
الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية إلى مستويات حرجة، مما يثير قلق واشنطن من استغلال روسيا والصين لهذا النقص في مناوراتهما الجيوسياسية.
الرهان على الخناق الاقتصادي
عبر تشديد الحظر النفطي، وهو خيار يستغرق وقتاً طويلاً ويتطلب حضوراً عسكرياً أمريكياً مكلفاً ومستمراً بالمنطقة.
إعلان النصر والانسحاب
هو خيار يخشى ترامب أن يظهره بمظهر الضعف، ويترك إيران مع يورانيوم مخصب قريب من الدرجة العسكرية، ومضيق هرمز تحت سيطرتها الفعلية، بما يهدد بآثار اقتصادية تذكر بالأزمة الاقتصادية في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق هربرت هوفر.
وأكد تحليل "نيويورك تايمز" في ختامه أن التراجع في هذه المرحلة من شأنه أن يعيد رسم الإرث السياسي لترامب بالكامل، ويوضح للجميع أن قوته ونفوذه يواجهان قيوداً أعمق بكثير مما كان يعتقده عندما أعلن سابقاً أن قدراته لا حدود لها.