"لوموند": واشنطن لم تتوقع ضربات إيران على الخليج ولا إغلاق مضيق هرمز

تكلفة الأيام الستة الأولى للحرب بلغت 11.3 مليار دولار- جيتي
تكلفة الأيام الستة الأولى للحرب بلغت 11.3 مليار دولار- جيتي
شارك الخبر
قالت صحيفة "لوموند" الفرنسية إن البيت الأبيض لم يكن يتوقع الضربات الإيرانية ضد دول المنطقة ولا إغلاق مضيق هرمز، في تطور يعكس حجم المفاجأة التي واجهتها واشنطن مع اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط.

وأوضحت الصحيفة في تقرير الإثنين، أن جيك سوليفان كان لا يزال يشغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جو بايدن في نهاية أيلول/ سبتمبر 2023 عندما أدلى بتصريحات أصبحت لاحقا شهيرة قال فيها إن "منطقة الشرق الأوسط أكثر هدوءا اليوم مما كانت عليه منذ عقدين"، غير أن هذا "الهدوء" كان هشا، إذ بعد ثمانية أيام فقط، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شنت حركة حماس هجوما واسع النطاق وغير مسبوق في قسوته ضد دولة الاحتلال، ما أدى إلى تحولات تاريخية في الشرق الأوسط، تعد الحرب في إيران اليوم أحدث فصولها.

وأضافت "لوموند" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعد خلال جولته في الخليج في أيار/ مايو 2025 بـ"مستقبل يعرّف فيه الشرق الأوسط بالتجارة لا بالفوضى".

وبعد أشهر قليلة أشارت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية إلى تراجع أهمية المنطقة ضمن أولويات واشنطن نتيجة اكتفائها الذاتي من الطاقة، معتبرة أن "السبب التاريخي الذي دفع الولايات المتحدة للتركيز على الشرق الأوسط سيتلاشى".

اظهار أخبار متعلقة



وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وخلال خطاب رسمي، هنأ ترامب نفسه قائلا إنه "جلب السلام إلى الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ ثلاثة آلاف عام"، غير أن التفاؤل الذي عبر عنه سوليفان قبل ثلاثة أعوام يبدو اليوم، في ضوء المغامرة العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في 28 شباط/ فبراير، مجرد خطأ بسيط مقارنة بما يجري.

ورأت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دفع الشرق الأوسط إلى هاوية غير معروفة العمق، وهو ما ألحق ضررا بمصداقية الولايات المتحدة، كما أشارت إلى أن نهاية الحرب ضد إيران لا تزال غير واضحة، سواء من حيث التوقيت أو الكيفية.

واعتبرت أن استنزاف أدوات الاضطراب لدى النظام الإيراني قد يغير قراءة الأحداث، لكن في المقابل فإن اللجوء إلى "الإرهاب" يمثل أيضاً تصعيداً محتملاً إذا قررت طهران ذلك. وأضافت أن أقصى درجات الوهم لدى واشنطن تتمثل في الاعتقاد بأن ترامب يمكنه إنهاء الأعمال القتالية بمفرده بمجرد رسالة على منصة "تروث سوشيال".

ومن منظور عسكري بحت، أشارت "لوموند" إلى أن الصورة تبدو واضحة، إذ تحقق الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ما وصفته بانتصار لا جدال فيه، فقد دمرت إلى حد كبير القوات الجوية والبحرية الإيرانية وبرنامجها الصاروخي وراداراتها وأنظمة دفاعها الجوي، كما جرى القضاء على العديد من البنى التحتية لأجهزة القمع في البلاد، فيما بدت "ضربة الرأس" التي استهدفت قيادة النظام مثيرة للإعجاب منذ الساعات الأولى.

لكن الصحيفة طرحت في المقابل سؤالا أساسيا: كيف يمكن الانتصار في الحرب؟ وأجابت بأن ذلك يعتمد على الأهداف المحددة لها، غير أن هذه الأهداف بحسب تحليلها، ظلت تتغير باستمرار من الجانب الأمريكي.

وأشارت إلى أنه جرى الحديث كثيرا عن البرنامج النووي الإيراني، الذي قيل إنه دُمّر بعد ضربات حزيران/ يونيو 2025، ثم ركز المسؤولون الأمريكيون على القدرات الصاروخية الإيرانية، رغم ما وصفته الصحيفة بتضخيم حجم تهديدها، كما كرر دونالد ترامب الإشارة إلى احتمال تغيير النظام في إيران.

واعتبرت "لوموند" أن فكرة استنساخ النموذج الفنزويلي بعد خطف الرئيس نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/ يناير تظهر جهلاً بالسياق الإيراني.

وترى الصحيفة أن هذا العرض المرتبك للأهداف يمنح الرئيس الأمريكي مرونة لإعلان نهاية الحرب في أي وقت، لكنه في الوقت ذاته يجعل أي إعلان للنصر موضع شك، ووفق التحليل، فإن الصورة التي تقدمها الولايات المتحدة تعكس إدارة تميل إلى الحرب لكنها تفتقر إلى المهنية.

وأضافت الصحيفة أن المشكلة الأساسية ليست خطر الانزلاق إلى "حرب بلا نهاية"، وهو أمر اعتبرته مبالغا فيه بعد أسبوعين فقط من القصف، فقد يكون صمود النظام الإيراني حاليا أشبه بـ"بطة مقطوعة الرأس" يستمر جسدها في الحركة تلقائياً.

اظهار أخبار متعلقة



ورأت أن المشكلة ليست أو ليست فقط مسألة القانون الدولي، إذ أصبح مجرد التذكير به أشبه بزيارة إلى متحف، أما الخطأ الأكبر، بحسب الصحيفة، فهو ما وصفته بالغرور الإمبراطوري لدونالد ترامب على حساب القوة الأمريكية، تحت تأثير الحجج الإسرائيلية.

وأشارت إلى أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي جعل اغتيال قائد أجنبي أمراً عادياً.

وتساءلت الصحيفة: إذا اغتال الجيش الروسي يوماً ما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أو إذا قصفت الصين مراكز السلطة في تايوان، فما الحجج التي ستستخدمها الولايات المتحدة لإدانة هذه الأفعال؟.

ولفتت إلى أن الحرب في إيران تقلّص قدرات واشنطن العسكرية على الانتشار، متسائلة عن حجم الذخائر والأنظمة المتطورة التي يجري استنزافها.

وذكرت أن الأيام الستة الأولى من الحرب كلّفت 11.3 مليار دولار وفق تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية. كما أصيب رادار لنظام الدفاع الجوي "ثاد" بضربة في الأردن، وهو نظام تمتلك الولايات المتحدة عدداً محدوداً منه، ما دفع كوريا الجنوبية إلى متابعة سحب بعض أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية من أراضيها بقلق.

وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال قد تشعران بالرضا لإضعاف إيران بشكل كبير، لكنهما في الوقت ذاته خلقتا ظروفاً قد تدفعها إلى مزيد من التشدد في المستقبل. فقد نظم علي خامنئي، قبل مقتله، الانحرافات المتتالية والمقلقة في البرنامج النووي الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وقد يقرر نجله مجتبى خامنئي، الذي خلفه، المضي خطوة أبعد.

وتساءلت الصحيفة عما إذا كانت الأسلحة النووية تمثل أداة الردع الحاسمة في هذا العالم، كما يظهر من الإفلات من العقاب الذي يتمتع به النظام الكوري الشمالي.

كما رأت "لوموند" أن النظام الإيراني تعززت لديه القناعة بأن سلاحه الأفضل يتمثل في تعطيل الدوائر الاقتصادية والطاقة العالمية. فإغلاق مضيق هرمز يفتح بابا واسعا من عدم اليقين ويعيد عنصر الردع لصالحه، كما يبرز تبايناً في الرؤى بين الاحتلال والولايات المتحدة، فالدولتان، رغم انخراطهما في الحرب بانسجام، لا تملكان بالضرورة الأولويات نفسها.

وأوضحت الصحيفة أن دولة الاحتلال تنظر إلى الصراع بمنطق وجودي، في حين أن إدارة ترامب لم تتوقع كثيراً من التطورات، بما في ذلك الضربات الإيرانية ضد دول المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز، وترتيب الخلافة داخل النظام الإيراني، واستحالة تغيير النظام عبر القصف الجوي فقط، وضعف رغبة السكان في إسقاط النظام الديني المسلح بينما تتساقط القنابل على المدن.

وأضافت أن ترامب، رغم تباهيه بالنجاحات العسكرية، يبحث عن نهاية إيجابية للحرب وعن "غنيمة" سياسية يمكن تقديمها لإعلان انتهاء الحرب، خصوصاً أنه يعلم أنها ليست شعبية لدى الأمريكيين.

كما أشارت الصحيفة إلى أن هذه الحرب تعزز اتجاهاً تاريخياً آخر في العلاقات بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، مضيفة أن حكومة الاحتلال التي كانت يوما موضع إجماع بين الجمهوريين والديمقراطيين، أصبحت اليوم سببا للجدل والانقسام وعداء متزايد.

ويعود ذلك، بحسب "لوموند"، إلى طبيعة المساعدات العسكرية الأمريكية الضخمة وغير المشروطة للاحتلال، وإلى جرائم الحرب في قطاع غزة، وإلى الطريقة التي بدا فيها أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع عبارات جاهزة في أفواه المسؤولين الأمريكيين.

وفي هذا السياق نقلت الصحيفة عن ستيف بانون، أحد أبرز رموز حركة "اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً"، قوله في برنامجه "وار روم": "كان أحد حلفائنا الرئيسيين الشعب الإيراني الذي يكره الجمهورية الإسلامية ويريد إسقاطها. أما الآن فقد نجحت حكومة نتنياهو في تعبئتهم ضمن حركة قومية فارسية".

اظهار أخبار متعلقة



ورأت "لوموند" أن هذا التقييم قد يكون مبالغاً فيه من جانب المستشار السابق لدونالد ترامب المعروف بانتقاده المتواصل لما يسميه "الحروب الإسرائيلية" التي تدعمها الولايات المتحدة، مضيفة أن نتنياهو قد يكون مدركاً لهذه المشكلة لكنه يعتبرها ثانوية في الوقت الحالي.

وأشارت الصحيفة إلى أن محاولة الاحتلال إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل أحادي منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر عبر القوة العسكرية أثارت استياء متزايدا في المنطقة، كما لفتت إلى أن تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان تطرح نفسها منافسا لدولة الاحتلال بهدف كبح طموحاتها، في حين تبدو واشنطن مترددة في استخدام الورقة الكردية ضد النظام الإيراني خشية إثارة غضب الرئيس التركي، ما يعكس أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة بالضرورة.
التعليقات (0)