قضايا وآراء

صفعة يمنية سعودية تُسقط مشروع أبو ظبي

أنيس منصور
"يقع العبء الأكبر على عاتق الشرعية اليمنية في عملية إعادة البناء المؤسسي والعسكري"- الأناضول
"يقع العبء الأكبر على عاتق الشرعية اليمنية في عملية إعادة البناء المؤسسي والعسكري"- الأناضول
شارك الخبر
أخيرا يتنفس اليمنيون الصعداء بإخراج التواجد الإماراتي من اليمن.. فالإمارات تسببت لليمنيين بالكثير من الأزمات، وصولا إلى محاولتها دعم الانقلاب على الشرعية وتفكيك اليمن، ولم ينتهِ الأمر عند نهب ثرواتهم.

وإذا أتينا لما حدث مؤخرا في الساحة اليمنية، فإن الحقيقة هي أن نقول: صفعة يمنية مدوية، جرى توجيهها بدعم سعودي كبير وقوي للغاية، دعم تجاوز حدود التنسيق ليلامس حدود التوجيه الاستراتيجي، الذي دفع بالإمارات إلى إعلان انتهاء دورها وسحب ما تبقى لها من قوات.

وهذه هي لحظة انكشاف الحقيقة المرة: المشروع الإماراتي في اليمن لم يكن مشروع تحرير أو إسناد، بل كان مشروع احتلال مقنّع، يهدف إلى تفكيك الدولة اليمنية والسيطرة على مفاصلها الحيوية، من الموانئ إلى منابع الثروة، وصولا إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد يخدم أجندة أبو ظبي الإقليمية على حساب العمق الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية.

لقد كانت الإمارات، منذ اللحظة الأولى لدخولها اليمن، تعمل بمنطق الذئب في ثياب الراعي. دخلت تحت مظلة التحالف، لكنها سرعان ما انحرفت عن مسار الهدف المعلن، لتتحول إلى قوة تعمل على تقويض الشرعية التي يفترض أنها جاءت لدعمها.

المشروع الإماراتي في اليمن لم يكن مشروع تحرير أو إسناد، بل كان مشروع احتلال مقنّع، يهدف إلى تفكيك الدولة اليمنية والسيطرة على مفاصلها الحيوية، من الموانئ إلى منابع الثروة، وصولا إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد يخدم أجندة أبو ظبي الإقليمية على حساب العمق الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية

كان هدفها الأسمى هو إقامة كيانات موازية، وتغذية النزعات الانفصالية، وتأسيس مليشيات لا تدين بالولاء إلا لغرفة عملياتها الخاصة. وهذا العبث لم يكن ليُستدام، خاصة عندما اصطدم بالرؤية السعودية التي بدأت تدرك أن الخطر الحقيقي يكمن في الطعنة الغادرة التي تأتي من حليف يفترض به أن يكون شريكا في الهدف.

إن الانسحاب الإماراتي، الذي أُعلن رسميا، لم يكن سوى إذعانٍ قسري أمام ضغط سعودي يمني متصاعد، حيث أدركت الرياض أن استمرار هذا النفوذ الموازي يشكل تهديدا مباشرا لأي تسوية مستقبلية، ويُبقي على بؤر التوتر التي تستنزف التحالف.. فكان القرار الاستراتيجي هو تصفية هذه النواة الخبيثة من الجسد اليمني.

وها نحن نشهد اليوم تراجع مليشيا الانتقالي المدعومة إماراتيا، وانسحابها المهين من محافظات استراتيجية كحضرموت والمهرة. هذا التراجع هو مقدمة لانهيار مشروع كامل كان يهدف إلى السيطرة على الشريط الساحلي الشرقي لليمن، وتهديد العمق السعودي بشكل غير مباشر.

لقد كانت المهرة، على وجه الخصوص، مسرحا للمؤامرة الإماراتية الأخيرة. لم يكن هدف أبو ظبي في المهرة مجرد بسط النفوذ، بل كان رفع كلفة الخروج على المملكة التي تحاول جاهدة إيجاد مخرج أقل كلفة من المستنقع اليمني.. كانت محاولة لخلط الأوراق، ووضع عقبات أمام المفاوضات السعودية مع الحوثيين، وإرسال رسالة مفادها أن الساحة اليمنية لن تُترك للسعودية لتتصرف فيها كما تشاء.

الخطر الأكبر الذي أدركته الرياض متأخرة هو أن استراتيجية التفتيت الإماراتية لم تكن تستهدف اليمن فحسب، بل كانت تهدف إلى إعادة تعريف مفهوم "العمق الاستراتيجي" للمملكة. فمحاولة السيطرة على المهرة، التي تُعد البوابة الشرقية لليمن والعمق الخلفي للمملكة، كانت بمثابة تجاوز للخطوط الحمراء الاستراتيجية مثل هذا التجاوز دفع الرياض إلى تغيير جذري في معادلة التحالفات، بل وتعلمت الدرس جيدا، وقررت أن الرد يجب أن يكون جذريا وحاسما..

ولذلك فإن التحول الآن يتركز حول إعادة هيكلة ما تبقى من القوات الموالية للإمارات؛ فالرئيس العليمي، الذي يمثل الإرادة الوطنية، بات الآن في وضع يسمح له بإصدار قرارات كبيرة ومصيرية تقضي بإقالة العديد من القادة العسكريين الذين ارتهنوا للمال الإماراتي، وفي مقدمتهم شخصيات مثل طارق عفاش والمحرمي وغيرهم..

قرارات تمثل عملية تطهير تهدف إلى استيعاب تلك القوات المليشياوية ضمن قوام الجيش الوطني اليمني، وتجريدها من هويتها المليشياوية وولائها الخارجي، واستعادة الدولة من براثن الفوضى التي أرادتها الإمارات، وهو انتصار يمني لا يقل أهمية عن إخراج القوات الإماراتية نفسها.

لكن القراءة الاستراتيجية للمشهد لا تتوقف عند حدود اليمن، فالإمارات لن تقف مكتوفة الأيدي، إنها قوة إقليمية اعتادت على اللعب على حافة الهاوية، وستسعى حتما إلى اللعب ضد السعودية من خلال ملفات كثيرة ومتشابكة.

إنها حرب نفوذ إقليمية مفتوحة، حيث ستتحول الساحات الأخرى، كالصومال والسودان، إلى مسارح جديدة لتصفية الحسابات. الرياض تعلم ذلك جيدا، وتدرك أن حليف الأمس قد تحول إلى خصم استراتيجي يجب التعامل معه بحذر وحسم، وهذا الإدراك هو ما يفسر التحول الجذري في الاستراتيجية السعودية، والتوجه نحو التقارب مع صنعاء، وتحديدا مع الحوثيين.

إن هذا التقارب أصبح ضرورة استراتيجية حتمية بالنسبة للمملكة، ففي ظل التهديد الإماراتي المتصاعد، وفي ظل الحاجة الماسة للخروج من المستنقع اليمني، أصبح الاتفاق مع الحوثيين، الذين أثبتوا أنهم قوة إقليمية صاعدة لا يمكن تجاوزها، هو الحل الأكثر واقعية وفعالية.

فالتقارب السعودي الحوثي سيمثل، في جوهره، صفعة ثانية تُوجه إلى الإمارات، صفعة لا تقتصر على تقليص النفوذ، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، لتضع الإمارات في مواجهة مباشرة مع قوة يمنية لن تكتفي بالانسحاب، بل ستطالب بدفع التعويضات جراء عدوانها وتخريبها لليمن. لقد كان الحوثيون واضحين في مطالبهم، وهم يرون في الإمارات العدو الأشد فتكا الذي يجب أن يدفع ثمن تدخله السافر في الشؤون اليمنية.

هذا المطلب سيتم تبنيه ضمن أي تسوية شاملة، وسيكون بمثابة الإذلال الأقصى لأبو ظبي، وتحويلها من قوة متدخلة إلى مُدان يجب أن يدفع الثمن.. أي أن السعودية لن تدفع وحدها تلك التعويضات؛ الإمارات أيضا ستدفع ثمن كل ما نهبته، والحوثيون يرصدون كل شيء ويعلمون بكل ما قامت الإمارات بنهبه.

وهنا تتضح نقطة ظل كثيرون يتجاهلونها: كلما تصاعد الصراع السعودي-الإماراتي داخل اليمن، ازداد وزن صنعاء التفاوضي؛ لأن صنعاء ستلقي بكل التداعيات على المملكة، وذلك يظهر جليا في خطاباتها، وهذا يُربك الرياض ويدفعها إلى التركيز على الخصم الذي يملك القدرة الفعلية على تهديد عمقها.. والتخلص من الشريك الذي يطعنها في الظهر ولذلك يصبح التقارب السعودي-الحوثي، أو على الأقل التفاهم على ترتيبات أمنية وسياسية ضرورة ملحة بالنسبة للمملكة

سيقول بعضهم لماذا تصبح التفاهمات مع صنعاء خيارا واقعيا؟ الاجابة لأن ميزان القوة تغيّر: الحوثيون صمدوا، وطوروا قدراتهم، وفرضوا أنفسهم طرفا لا يمكن القفز فوقه، بينما المعسكر المقابل تأكله الانقسامات. وفي الأيام الأخيرة من ديسمبر 2025 ظهرت إشارة مهمة: اتفاق على تبادل آلاف الأسرى بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وأنصار الله، تم التوصل إليه في محادثات بوساطة/استضافة في عُمان، وفق ما نقلته وسائل دولية.. هذا النوع من الاتفاقات علامة على أن قنوات التفاوض تعمل، وأن الأطراف -ولو بحسابات متناقضة-تحتاج إلى مسارات تبريد.

إذا يمكننا القول إن المشروع الإماراتي فشل في التفكيك والسيطرة، ونجح المشروع السعودي اليمني المشترك في استعادة زمام المبادرة.. نحن أمام لحظة تاريخية تُثبت أن السيادة الوطنية، مهما تعرضت للانتهاك، تظل هي القوة الأقوى التي لا يمكن قهرها. واليمن، الذي عانى من ويلات الحرب والعبث، يتنفس الصعداء اليوم، ليس فقط بانسحاب قوة احتلال، بل بولادة جديدة لدولة تسعى لاستعادة وحدتها وقرارها، مدعومة بتحالف استراتيجي يرى في استقرار اليمن استقرارا لأمنه القومي.

التحليل المتعمق لمسار الأحداث يكشف أن الانسحاب الإماراتي كان نتاج تراكمات من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها أبو ظبي، والتي بلغت ذروتها عندما تجاوزت خطوطا حمراء سعودية ويمنية في آن واحد.

لقد كانت الإمارات تراهن على استنزاف المملكة في المستنقع اليمني، بينما هي تعمل على بناء إمبراطوريتها الخاصة في الجنوب والمناطق الساحلية. هذا التناقض الجوهري في الأهداف هو ما أدى إلى هذا الانفجار الاستراتيجي.

الرياض، التي كانت تتحمل العبء الأكبر من الحرب، وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير قواعد اللعبة بشكل جذري، وكان أول هذه القواعد هو إلغاء الدور الإماراتي كلاعب مستقل على الساحة اليمنية؛ لأن الدور الإماراتي في اليمن كان يمثل نموذجا للتدخل السافر الذي يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية والتحالفية. فبدلا من دعم الجيش الوطني، عملت الإمارات على تأسيس وتمويل وتدريب مليشيات لا تخضع لسلطة الدولة الشرعية؛ ركزت على السيطرة على عدن والموانئ الجنوبية، محولة إياها إلى قواعد خلفية لمشروعها الاقتصادي والعسكري.

مصير المجلس الانتقالي وقواته، وكذلك التشكيلات الموالية لأبو ظبي في الساحل الغربي، يتجه -بحكم الضرورة- إلى أحد مسارين لا ثالث لهما: تفكيك هذه المليشيات بشكل تدريجي أو الاحتواء القسري، ضمن ترتيبات تُدار بتنسيق غير مُعلن مع صنعاء

هذا الانحراف لم يكن ليغيب عن أعين القيادة السعودية، التي أدركت أن استمرار هذا الوضع يعني تقويضا ممنهجا لجهودها في إعادة الاستقرار، وتحويلا لليمن إلى ساحة صراع إقليمي بين حلفاء مفترضين.

إن التراجع الذي شهدته مليشيا الانتقالي من حضرموت والمهرة يمثل نقطة تحول لا رجعة فيها. فحضرموت، بثرائها النفطي وموقعها الاستراتيجي، والمهرة، بحدودها الطويلة مع سلطنة عمان والمملكة، كانتا تمثلان العمق الاستراتيجي للمشروع الإماراتي، وعندما قررت الرياض، بالتنسيق مع الشرعية اليمنية، إغلاق هذا الباب، لم يكن أمام أبو ظبي سوى الانسحاب.

الآن، يقع العبء الأكبر على عاتق الشرعية اليمنية في عملية إعادة البناء المؤسسي والعسكري. علاوة على ذلك، فإن القرارات المتوقعة بإقالة القادة العسكريين الموالين للإمارات، وعلى رأسهم طارق عفاش والمحرمي، هي خطوة ضرورية وحتمية لاستعادة هيبة الدولة وتوحيد القرار العسكري. فوجود قادة عسكريين يدينون بالولاء لدولة أجنبية هو تقويض مباشر للسيادة الوطنية. صحيح بأن إعادة هيكلة تلك القوات واستيعابها في قوات الشرعية هي عملية معقدة، لكنها تمثل الضمانة الوحيدة لعدم عودة الفوضى والمليشياتية إلى الجنوب، وهذا المسار، الذي تدعمه السعودية بقوة، هو مسار الانتصار اليمني على مشروع التفكيك.

أخيرا، يمكن القول إن المنطق الاستراتيجي الجديد الذي تتبناه الرياض لا يترك مجالا لاستمرار الفواعل من غير الدول التي تُهدد العمق الاستراتيجي للمملكة. وبناء على ذلك، فإن مصير المجلس الانتقالي وقواته، وكذلك التشكيلات الموالية لأبو ظبي في الساحل الغربي، يتجه -بحكم الضرورة- إلى أحد مسارين لا ثالث لهما: تفكيك هذه المليشيات بشكل تدريجي أو الاحتواء القسري، ضمن ترتيبات تُدار بتنسيق غير مُعلن مع صنعاء.

فبعد أن تجاوزت هذه القوى خطوطا حمراء ذات طبيعة استراتيجية، لم يعد وجودها يمثل ورقة ضغط قابلة للتوظيف، بل تحول إلى عبء أمني وسياسي ينبغي رفعه لتأمين الجبهة الجنوبية للمملكة وإغلاق منافذ الاختراق. وفي هذا السياق، يتبلور الخيار السعودي اليوم حول مبدأ "تصفير التهديدات" على الحدود، وهو مبدأ لا يمكن تحقيقه إلا بإنهاء أي حضور عسكري لقوى لا تدين بالولاء الكامل لمشروع الدولة الوطنية اليمنية.
التعليقات (0)