مدونات

قفازات واشنطن.. والصِدام السعودي الإماراتي

سيلين ساري
"دخلت الإمارات اليمن من زاوية مختلفة تماما"- أ ف ب (أرشيفية)
"دخلت الإمارات اليمن من زاوية مختلفة تماما"- أ ف ب (أرشيفية)
شارك الخبر
هناك خطأ شائع في قراءة ما يجري في الشرق الأوسط: الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تدير الإقليم عبر تحالفات متوازنة أو مصالح متبادلة. الحقيقة أبسط وأقسى، فواشنطن تدير المنطقة عبر توزيع أدوار وظيفية متناقضة، تُغذّي الطموح لدى كل طرف، ثم تترك التناقضات تعمل حتى الاستنزاف.

في هذا السياق، لم تُستخدم السعودية والإمارات كحليفين متكاملين، بل كأداتين مختلفتين تماما في الشكل والوظيفة. الأولى قُدّمت كواجهة، وصُنعت للظهور، والثانية كأداة اختراق، وصنعت للتدخل.

ومن هذا التناقض وُلد الصدام؛ السعودية استُخدمت كـ"قفاز حفلات كوكتيل ناعم"؛ قفاز أنيق، مصقول بلغة الدبلوماسية والانفتاح والوساطات، يُمسك بالكأس أمام العالم ويمنح المشهد رقيا واستقرارا شكليا. لكنها في العمق كانت قفاز تمرير للسياسات الأمريكية، تمرير التسويات، وتمرير الكلفة السياسية باسم الشرعية الدينية والثقل الإقليمي.

هذه النعومة لم تكن ضعفا، بل قوة رقيّ محسوبة، تُخفي استنزافا طويل الأمد بلا مكاسب حقيقية. ففي الجانب الآخر صُنعت الإمارات كـ"قفاز قنّاص مرتزق"؛ لا يهتم بالواجهة ولا بالشرعية، بل بالدقة والنتائج. يتحرك في الظل، يتدخل حيث يختل التوازن، ويغادر قبل أن تتجه إليه الأضواء.

السعودية استُنزفت لأنها قادت، والإمارات راكمت نفوذا لأنها لم تقد. ومن اليمن تحديدا بدأ التحول من شراكة مُعلنة إلى تنافس مكتوم

وهنا تتجسد القاعدة التي تفسر معظم تدخلاتها: "الإمارات ليست رأس حربة، بل مُفسد توازنات". لا تبدأ المعارك الكبرى، لكنها تغيّر مساراتها، وتمنع حسمها، وتحوّلها إلى نزيف مستدام من خلال خلق حروب اهلية وافقار هنا وهناك.

المعضلة لم تكن في اختلاف الأدوات، بل في التطميع المتعمد، حيث وُعدت السعودية بالقيادة الإقليمية للمنطقة، ووُعدت الإمارات بالتحكم في مفاصلها. وعدان لا يمكن أن يجتمعا في منطقة واحدة.

فالقيادة تحتاج شرعية جامعة، بينما التحكم يعيش على تفكيك هذه الشرعية. هنا لم تُخطئ واشنطن الحساب، بل أصابت قلب الهدف: صِدام بارد طويل، بلا حسم، يستهلك الجميع.

لم تُرد الولايات المتحدة للسعودية نصرا، بل دورا ثقيلا يستنزفها سياسيا واقتصاديا، ولم تُرد للإمارات حكما معلنا، بل نفوذا متشعبا عبر الموانئ، والشركات، والمرتزقة، والتطبيع المبكر. النتيجة ليست حربا مباشرة، بل إنهاكا تراكميا أقل ضجيجا وأكثر فتكا.

الهدف النهائي لم يكن أن تُفني دول المنطقة بعضها بعضا بسرعة، بل أن تُفني نفسها ببطء: احتقان داخلي، شرعيات متآكلة، مجتمعات مضغوطة، واقتصادات تُدار بمنطق النفوذ لا السيادة. بهذه الطريقة فقط يُغلق الباب أمام أي مشروع إقليمي مستقل، وتبقى الحاجة إلى الضامن الخارجي (أمريكا) قدرا محتوم.

التفكيك الزمني: كيف بدأ- أين نحن- إلى أين نتجه

أولا: كيف بدأ (2001-2014)

ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر: إعادة هندسة الشرق الأوسط بأدوات غير مباشرة.

• تحجيم فكرة "القائد الإقليمي الواحد" بعد تجربة الشاه وعبد الناصر وصدام.

• صعود الاقتصاد والأمن الخاص كأدوات نفوذ بديلة عن الجيوش.

ثانيا: مرحلة توزيع الأدوار وبداية التصادم (2015-2020)

هنا تحديدا بدأت بذور الصدام السعودي-الإماراتي في الظهور، لا بوصفه خلافا عابرا، بل كنتيجة طبيعية لتناقض الوظائف.

اليمن لم يكن حربا بقدر ما كان مختبرا. دُفعت السعودية إلى الواجهة باعتبارها القائد السياسي والعسكري للتحالف: حرب مفتوحة، كلفة بشرية واقتصادية، وضغط دولي متصاعد. كانت الرياض تمسك بالمشهد كله، وتتحمل مسؤوليته كاملة، دون أن تُمنح أدوات الحسم.

في المقابل، دخلت الإمارات اليمن من زاوية مختلفة تماما؛ لم تنخرط في الحرب بوصفها معركة سيادة، بل كمسرح نفوذ. ركزت على الموانئ، والسواحل، والجُزر، وبنت شبكات محلية موازية للشرعية، ثم انسحبت جزئيا حين استُهلك الدور، تاركة السعودية في واجهة صراع مفتوح بلا أفق.

هنا ظهر التناقض جليا: دولة تُقاتل باسم الدولة، وأخرى تُعيد تشكيل الدولة من الداخل. هذا الاختلاف لم يكن سوء تنسيق، بل انعكاسا دقيقا للدور المرسوم لكل طرف. السعودية استُنزفت لأنها قادت، والإمارات راكمت نفوذا لأنها لم تقد. ومن اليمن تحديدا بدأ التحول من شراكة مُعلنة إلى تنافس مكتوم.

في ليبيا والقرن الأفريقي، تكرر النموذج: الإمارات تتحرك كقنّاص، تدعم أطرافا، تُمسك بخيوط اقتصادية وأمنية، وتمنع الحسم. السعودية تكتفي بالحضور السياسي والمالي، محافظة على صورة التوازن، لكنها بعيدة عن صناعة الوقائع.

أما التطبيع، فكان لحظة كشف إضافية، الإمارات فتحت بابا استراتيجيا مبكرا مع إسرائيل، ووسّعت هامش حركتها مع واشنطن. السعودية تُركت بين ضغط القاعدة الشعبية، وثقل الموقع الديني، والحاجة إلى عدم الخروج من المشهد. لم يكن الإحراج عرضيا، بل جزءا من إعادة توزيع النفوذ.

ثالثا: أين نحن الآن (2021-2025)

• صدام مصالح اقتصادية: موانئ، طيران، مناطق حرة.

• اختلاف مقاربات مع إيران وإسرائيل.

• احتقان داخلي متزايد بفعل الضرائب، والقمع، وتآكل الوعود.

رابعا: إلى أين نتجه (2025-2030)

• صدام بارد أطول: تنافس بلا كسر عظم.

• مزيد من الخصخصة للنفوذ: شركات أقوى من الدول.

• إضعاف تراكمي: لا انهيار مفاجئ، بل تآكل بطيء.

• بقاء الضامن الخارجي ضرورة لا خيارا.

الربط الإقليمي: مصر، ليبيا، السودان، وغزة

- مصر

في مصر، يتجلى قفاز الكوكتيل السعودي عبر المال والاستثمار والدعم السياسي المشروط، بما يحفظ النظام قائما دون تمكينه من استقلال حقيقي. أما القفاز الإماراتي فيظهر في الاقتصاد الموازي، والخصخصة، وشبكات النفوذ داخل الإعلام ورجال الأعمال. النتيجة: دولة كبيرة بلا ثقل، بلا مشروع، واقتصاد يتحرك وفق مصالح خارجية، وقرار سيادي مُقيَّد. والنتيجة انهيار داخلي محكوم بقبضة أمنية قابل للانفجار.

- ليبيا

هي المسرح المثالي لقفاز القنّاص. الإمارات تدخلت كمُفسد توازنات بامتياز: دعم أطراف، تسليح غير مباشر، وإدارة صراع يمنع الحسم. السعودية حضرت بخجل سياسي ومالي، كغطاء عربي لا كفاعل ميداني. والنتيجة: بلد مُعلّق بين الحرب واللا دولة.

- السودان

حيث التقى القفازان على أرض واحدة: السعودية كراعٍ ناعم لمسارات تفاوض لا تكتمل، والإمارات كلاعب صلب في الموانئ والذهب والدعم غير المعلن لأطراف الصراع. هنا يتحقق الهدف الأمريكي بأوضح صوره: استنزاف داخلي، وانهيار بطيء دون تدخل مباشر.

- غزة

أما غزة، فهي الضحية الأكثر فجاجة. القفاز الناعم يكتفي بلغة القلق والدعوات، بينما القفاز المرتزق ينخرط في دعم كامل للكيان الصهيوني وترتيبات ما بعد الحرب، والإغاثة المُسيّسة، وإعادة الإعمار المشروطة. كلا الدورين يخدم معادلة واحدة: إدارة الصراع لا إنهاءه، وإبقاء غزة جرحا مفتوحا يُستثمر سياسيا.

الخلاصة

قد يبدو ما يجري اليوم صراع مصالح حديث، نتاج طموحات ولي عهد هنا، أو أطماع دولة هناك، لكن الحقيقة الأعمق أن هذا المشهد ليس جديدا على المنطقة، بل هو تكرار مُحدَّث لمنهج قديم: إدارة الفراغ عبر بدائل وظيفية، لمنع قيام أي مشروع إسلامي حقيقي جامع في المنطقة.

لا يُقرأ الصراع السعودي-الإماراتي على أنه مجرد صراع على السيطرة أو القوة، ولا تُقرأ اليمن، ولا ليبيا، ولا السودان، ولا مصر التي كان لا بد من إضعافها وتحييدها بعيدا عن المشهد وإلهائها بمشاكل داخلية لا تنتهي، ولا غزة؛ كملفات منفصلة، بل كفصول في كتاب واحد يُكتب منذ قرن

فحين أُسقطت دولة الخلافة العثمانية، "بترتيبات ما سُمّي بـ"الثورة العربية الكبرى" وبدعم وتخطيط بريطاني تحت دعوى تحرير العرب، لم يكن الهدف فقط إسقاط كيان سياسي مترهّل واقتسام ممتلكاته، بل كان تفكيك المرجعية الإسلامية الجامعة التي كانت تمنع زرع كيان غريب في قلب المنطقة. فعندما رفض الخليفة عبد الحميد منح فلسطين للحركة الصهيونية، كان لا بد من إنهاء الإطار الذي يسمح له بالرفض أصلا.

كانت بريطانيا، القوة العظمى آنذاك، مضطرة إلى ملء الفراغ الديني بسرعة، ببديل ديني وسياسي يؤدي الوظيفة دون أن يمتلك السيادة. في تلك اللحظة التاريخية، لم يُصنع البديل ليكون خلافة جديدة، بل حاجزا واقيا: شرعية دينية جزئية تُمسك بالحرمين، تمنح الغطاء الروحي، لكنها لا تمتلك قرار الأمة.

لم يكن ذلك اتهاما، بل توصيفا لدور وُلد في سياق دولي صُنع بمهارة، مستغلا طموح آل سعود لتكوين دولة تسيطر على الحرمين ومنطقة الحجاز، وسحب البساط من تحت أقدام الشريف حسين حينها، الذي كانت بريطانيا تستخدمه كمعول هدم دولة الخلافة عبر وعد تطميعي آخر بأن يكون هو الخليفة المنتظر.

ما فعلته واشنطن لاحقا لم يكن اختراعا، بل توريثا للمنهج. الفارق أن الأدوات تغيّرت: لم نعد أمام إمبراطوريات مباشرة، بل أمام قفازات؛ قفاز ناعم يحمل الشرعية، يُطمئن العالم، ويضبط الإيقاع الديني والسياسي، وقفاز صلب، متسخ بالدماء، يتحرك في الظل، يُفكك، يُربك، ويمنع التوازن من الاكتمال. وفي الحالتين، الهدف واحد: منع قيام مركز إقليمي مستقل، ومنع تشكّل إرادة جامعة، وإبقاء الصراعات في مستوى يُدار.. لا يُحسم.

بهذا المعنى، لا يُقرأ الصراع السعودي-الإماراتي على أنه مجرد صراع على السيطرة أو القوة، ولا تُقرأ اليمن، ولا ليبيا، ولا السودان، ولا مصر التي كان لا بد من إضعافها وتحييدها بعيدا عن المشهد وإلهائها بمشاكل داخلية لا تنتهي، ولا غزة؛ كملفات منفصلة، بل كفصول في كتاب واحد يُكتب منذ قرن، بعناوين مختلفة، وبيد واحدة.

والسؤال الحقيقي هنا لم يعد.. من سينتصر؟ بل: من سيبقى؟ فمتى تدرك النخب أن القفازات تتغيّر.. لكن اليد واحدة وهي من ترسم لنا قدر الهلاك ونُساق إليه بعيون مفتوحة؟
التعليقات (0)