سياسة دولية

وثائق: بريطانيا سعت لوضع خط أحمر لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس

استشهد في انتفاضة الأقصى نحو 4400 فلسطيني وقتل نحو 1100 عسكري إسرائيلي - الأناضول
استشهد في انتفاضة الأقصى نحو 4400 فلسطيني وقتل نحو 1100 عسكري إسرائيلي - الأناضول
كشفت وثائق بريطانية أفرج عنها مؤخرا أن بريطانيا دعت إلى وضع خط أحمر يضمن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وكبح جماحها لمنع تصعيد انتقامها من عمليات المقاومة الفلسطينية ضدها في ذروة الانتفاضة الثانية، التي عرفت بانتفاضة الأقصى. وفق ما ذكره موقع بي بي سي.

كما تكشف الوثائق، التي رفعت رئاسة الحكومة البريطانية السرية عنها أخيرا، عن حوارات غاضبة بين الأوروبيين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عبر فيها عن شعوره بـ"الاكتئاب" من "إذلال" الإسرائيليين له، وبأنه يؤمن بالقضاء والقدر، ولا يخشى من أن يقتلوه.

وتتناول الوثائق شهر كانون الأول/ديسمبر من سنة 2001 الذي شهد تحركات مكثفة من جانب خافيير سولانا، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وحكومة توني بلير البريطانية لاحتواء التصعيد الدامي في فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ففي الأول من ذلك الشهر، فجر استشهاديان فلسطينيان من حركة "حماس" نفسيهما في مركز تجاري في القدس، وقتلا 10 أشخاص وأصابا 170. وفي اليوم التالي، نفذ نشطاء آخرون من الحركة هجوماً استشهاديا في حافلة بمدينة حيفا، وقتلوا 15 شخصا وأصابوا 40، رداً على قتل القوات الإسرائيلية أحد قادة حماس قبل ذلك بأسبوع.

اظهار أخبار متعلقة


موقف "بالغ الخطورة"
وقبل ذلك بستة شهور، وقعت في شهر يونيو/حزيران عملية استشهادية في نادٍ ليلي بمدينة تل أبيب قتل فيها أكثر من 20 إسرائيليا.

وصعدت إسرائيل عملياتها الانتقامية من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والسلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.

وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول عام 2001 أجرى سولانا ثلاث محادثات هاتفية مع الزعيم الفلسطيني.

وفي اليوم التالي، أبلغ سولانا بلير بأن أبو عمار "مكتئب للغاية". ونقل عنه قوله إنه "لا يستطيع أن يفعل أكثر مما فعله بالفعل"، ثم أردف "إذا أراد الإسرائيليون قتله، فليكن".

وكان تقدير المسؤول الأوروبي هو أن الموقف "بالغ الخطورة"، وانتقد "تردد الولايات المتحدة في الانخراط بجدية" في مساعي التهدئة، وحذر من أنه تراجع في "مساحة المناورة".

وزاد بلير بوصف الوضع بأنه "مريع". وعبر عن اعتقاده بأن الإسرائيليين "ينتقمون بقسوة وسوف ينتهي بهم الأمر بقتل كثير من الناس".

ورأى رئيس الوزراء البريطاني أن الطريق الوحيد للمضي إلى الأمام هو "أن يتخذ كلا الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) خطوات أمنية مرتبة سلفا"، وبمجرد أن يكون الوضع الأمني أهدأ تنطلق عملية تفاوض.

اظهار أخبار متعلقة



وفيما يتعلق بالجانب الفلسطيني، دعا بلير إلى ضرورة أن "يعتقل عرفات المتطرفين"، وفي المقابل، يتخذ الإسرائيليون "خطوات موازية"، محذرا من أنه بدون هذا "سوف تسوء الأمور بسرعة".

وفي نهاية المحادثات اتفق بلير وسولانا على أن يلتقي الأخير بالزعيم الفلسطيني خلال أيام و"توصيل رسالة صارمة بأن الخطوات الأحادية من هذا النوع (أي وقف الانتفاضة وقمع المتطرفين في الجانب الفلسطيني) هي الوحيدة التي يمكن أن تنقذ الموقف".

وفي لقاء آخر مع لورد مايكل ليفي، مبعوث بلير الشخصي إلى الشرق الأوسط، حذر سولانا من أن الموقف أكثر صعوبة حتى مما كان عليه أيام تفجيرات القدس وحيفا وتل أبيب.

اظهار أخبار متعلقة



مباركة بوش
ونقل إلى ليفي قول وزير الخارجية الأمريكي كولين باول له إن "المفجرين يهاجمون عرفات كما يهاجمون إسرائيل"، في إشارة إلى أن عمليات المقاومة تضر بموقف عرفات كما تضر بإسرائيل. غير أن الوزير الأمريكي انتقد وجود صلات بين عرفات والمنظمات الفلسطينية، التي تعتبرها واشنطن إرهابية، قائلا إن الزعيم الفلسطيني "لعب على كل الحبال لفترة طويلة". وحسبما أبلغ سولانا البريطانيين فإنه "إذا لم يتصرف (عرفات) الآن ضد البنية الأساسية للفصائل المسلحة، فإن الولايات المتحدة لن تضيع وقتها في البحث عن حل".

وفي تقرير إلى بلير ووزير الخارجية البريطانية عن اللقاء، قال ليفي إن سولانا انتقد "البيانات المحيرة" الصادرة عن البيت الأبيض "المؤيدة لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، والتي تخاطر بإعطاء انطباع بأن أي عمل من جانب شارون يتمتع بمباركة بوش". ووصف سولانا النهج الأمريكي بأنه "غير واضح"، الأمر الذي "جعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ أي خطوة".

ونقل سولانا إلى ليفي بعضا مما دار بينه وبين عرفات خلال المحادثات الهاتفية. وقال إن أبو عمار "شعر بالإذلال بتدمير طائرته".

ويذكر أنه مع اندلاع الانتفاضة، أمر شارون بتدمير ثلاث طائرات هليكوبتر، كانت إسرائيل قد سمحت باستخدامها بعد اتفاقات أوسلو عام 1993، بعد أن زُعم أنها استخدمت لتهريب أسلحة وفلسطينيين مطلوبين.

وأبلغ عرفات سولانا بأنه "يؤمن بأن حياته مرهونة بالقضاء والقدر".

اظهار أخبار متعلقة



حوافز للسلطة الفلسطينية
وتطرقت مباحثات ليفي وسولانا إلى موقف إسرائيل من السلطة الفلسطينية ودورها في ظل انتفاضة الأقصى. وكانت حكومة شارون قد اعتبرت السلطة "كيانا مؤيدا للإرهاب". ورأى سولانا أن عدم اعتبار إسرائيل السلطة منظمة إرهابية "سمح لها بالحفاظ على خط رجعة للعودة إلى المفاوضات مع السلطة، إذا أنهت السلطة العنف".

وحث ليفي سولانا على السفر إلى المنطقة في أقرب وقت لأن "الموقف خطير، وهناك حاجة إلى تحرك عاجل".

وطلب اللورد ضرورة أن يرسل الاتحاد الأوروبي إشارة واضحة بأن السلطة الفلسطينية "شرعية"، وأن سلطة فلسطينية قوية "هي في مصلحة الجميع".

اظهار أخبار متعلقة



وفي إشارة إلى أنه لا يكفي أن يطلب من عرفات اتخاذ إجراءات دون معرفة ماذا يدور في ذهن إسرائيل، نبه لورد ليفي إلى أنه "يجب أيضا أن نشجع الإسرائيليين على أن يحددوا بوضوح رؤيتهم للمضي قدما في حالة اتخاذ السلطة الفلسطينية إجراء فعالا ضد المتطرفين".

وعبر عن اعتقاده بضرورة أن تضع إدارة بوش حدا للمدى الذي يمكن أن يصل إليه الرد الإسرائيلي على العمليات الفلسطينية.

وقال إنه "في ظل الغياب الظاهر لأي ضوء أحمر أمريكي لشارون، ربما يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى أن يدرس فكرة أن يوضح للإسرائيليين "الخطوط التي نعتبر أنه لا ينبغي لهم أن يتجاوزوها في ردهم على الهجمات الانتحارية" مؤكدا أنه بالتوازي، يجب أن "نرسل رسالة واضحة إلى الفلسطينيين بالحاجة الملحة لأن يقمعوا الإرهابيين".

ورد سولانا بأن "الافتقاد إلى الوضوح بشأن النهج الأمريكي يقلقه بشكل واضح".

ولم يستبعد ليفي فكرة أن يطرح الاتحاد الأوروبي مبادرة تتضمن حوافز للسلطة مقابل "قمعها بفعالية الجماعات الإرهابية"، تشمل الإعلان عن مؤتمر للمانحين، ونشر مراقبين دوليين في الأراضي الفلسطينية.

اظهار أخبار متعلقة



وفي أوائل شهر شباط/فبراير عام 2005، التقى شارون ومحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بوساطة مصرية وحضور العاهل الأردني في شرم الشيخ لتنتهي انتفاضة الأقصى، التي أسفرت، حسب التقديرات، عن استشهاد نحو 4400 وإصابة قرابة 48500 فلسطيني، ومقتل نحو 1100 عسكري إسرائيلي ومستوطن وإصابة 4500 آخرين. كما قتل أيضا نحو 64 أجنبيا.

وخلال الانتفاضة، اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حماس، وخليفته عبد العزيز الرنتيسي، وأبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كما اعتقل الجيش الإسرائيلي، ولا يزال، مروان البرغوثي، أحد قادة حركة فتح البارزين، وأحمد سعدات، خليفة مصطفى في قيادة الجبهة الشعبية. كما اغتالت الجبهة رحبعام زئيفي، وزير السياحة الإسرائيلي.
التعليقات (0)