قضايا وآراء

"المحتوى الهابط" ومجزرة ديالى العراقيّة!

جاسم الشمري
- جيتي
- جيتي
نتابع في عالمنا المعاصر، وبالذات في العقدين الأخيرين، الدور النافع والضار، والإيجابيّ والسلبيّ لوسائل الإعلام بكافّة صنوفها، حيث يلعب الإعلام دورا كبيرا في بيان الحقائق وتثقيف المواطنين وحماية الوطن والقيم والمبادئ، ومحاورة الفريق المخالف بطريقة علميّة وأسلوب هادئ مُعزّز بالأدلة والحُجج المنطقيّة والعقليّة والفكريّة!

ويُفترض بالإعلاميّ، كفرد أو كمؤسّسة، أن يحرص على الحقيقة، ويبتعد عن التجنّي والاتّهامات الباطلة حتّى تكون رسالته ناضجة ومؤثّرة وتحقّق الأهداف المرجوّة لبناء وحماية وتحصين الوطن والمواطنين. وخلاف ذلك سيُساهم الإعلام في مؤامرة الهدم الكامل للمجتمع، تماما كما تفعل الزلازل والأعاصير بالمدن والناس!

وأبسط مُتابع يعلم جيّدا التأثير الواضح للإعلام الشعبيّ، وبالذات ببرامج تويتر وفيسبوك وإنستغرام والتي صارت المصدر الأبرز للتثقيف المجتمعيّ، حيث تجاوزت في تأثيراتها الصحف والمحطّات التلفزيونيّة والكيانات والتجمعات الفكريّة والدينيّة!

وقد تعودنا في العراق خلال السنوات الأخيرة على افتعال الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة وحتّى الدينيّة والاجتماعيّة، وكأنّها مخطّطات مدروسة لإشغال الناس بقضايا ثانويّة وليست جوهريّة!

ولاحظنا، ومنذ شهر تقريبا، أنّ الأجهزة الأمنية والقضائية العراقية قد نفّذت حملة واسعة النطاق على ما سُمّي "المحتوى الهابط"، وطالت الغالبيّة العظمى من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعيّ. وقد اعتقل العشرات من المشهورين وأنصاف المشهورين لنشرهم محتويات لا تتّفق والذوق العامّ والمنظومة الأخلاقيّة للمجتمع!

وبعيدا عن الخوض بالنصوص القانونيّة والدستوريّة التي تتعلّق بحرّيّة التعبير، فقد أعلنت وزارة الداخليّة في الرابع من شباط/ فبراير 2023 عن تسجيلها أكثر من (40) ألف بلاغ ضد "المحتوى الهابط" على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

وقد برّرت الوزارة حملتها بالقول: "أصبحت وسائل التواصل الاجتماعيّ حقيقة مفروضة على الواقع المجتمعيّ، لذلك بات من الضروري تخليصها من المحتويات المسيئة والهابطة والتي تسبب خللاً قيميّا وأخلاقيّا".

وبالمقابل، تخوّفت بعض المراكز الحقوقيّة، ومن بينها مركز النخيل للحقوق والحرّيّات الصحفيّة، من أنّ "لائحة تنظيم المحتوى الرقميّ من قبل هيئة الإعلام والاتّصالات انطوت على فقرات خطيرة قد تطوّع لتقييد الحرّيّات"!

لا شكّ أنّ كلّ محبّ للعراق يحرص على حماية المجتمع من الآفات الضارّة بالحاضر والمستقبل، والتي تُسيء للثوابت الدينيّة والأخلاقيّة والفكريّة في المجتمع، ولكن بالمقابل هنالك تخوّف من استخدام هذه البوّابة لضرب الشخصيّات الفاعلة والمؤثّرة والصادقة والهادفة لتصحيح مُجمل الواقع العراقيّ الذي يَئنّ تحت مشاكل مركّبة!

وربّما يمكن النظر لموضوع "المحتوى الهابط" من زاوية ثانية، إن كانت الحكومة جادّة في معالجة الظواهر السلبيّة، ويتوجّب عليها العمل على:

- مطاردة الشخصيّات (الرسميّة وغير الرسميّة) التي تهدّد المواطنين وبعض المسؤولين وبأساليب علنيّة عبر تسجيلات فيديويّة وتغريدات صريحة.

- حصر السلاح بيد الأجهزة الرسميّة، وتشكيل قوّات انضباط لمتابعة تطبيق القانون بلا تعسّف!

- فتح بوّابات إلكترونيّة للإبلاغ عن كلّ متورّط بدماء الأبرياء من الذين تفلّتوا من الملاحقات القانونيّة، والذين ينشرون الرعب والخوف بين الآمنين.

- الإبلاغ، وبالأدلة، عن الفاسدين من المُرتشين وسرّاق المال العامّ والمستغلين لوظائفهم الأمنيّة والمدنيّة لابتزاز المواطنين وبالذات في دوائر الدولة الخدميّة والقضائيّة والإصلاحيّة (السجون)!

- ملاحقة الذين يستغلّون المناسبات الدينيّة لبثّ سمومهم الطائفيّة المقيتة التي تدمّر اللُحمة الفكريّة والمجتمعيّة.

- متابعة معضلة المحسوبيّة والولاء ودورها السلبيّ في استلام المراكز الحسّاسة والوظائف العامّة!

- ملاحقة عصابات الجريمة المنظّمة وبالذات تُجار المخدّرات والأعضاء البشريّة والأدوية وبيع الدرجات الوظيفيّة وأراضي الدولة.

هذه المعالجات وغيرها بحاجة لإرادة حقيقيّة، وليس لمجرّد بيانات وتصريحات إعلاميّة.

إنّ خطر العراق الأكبر يتمثّل اليوم بالهشاشة الأمنيّة واستهتار القوى الشرّيرة، وآخر الأدلة على هذه الحقيقة الناصعة الجريمة المُرعبة التي وقعت بمحافظة ديالى مساء الاثنين الماضي، والتي راح ضحيتها (13) مواطنا مدنيّا بريئا قتلتهم القوى الإرهابية الضاربة للقانون!

وقد أبلغني أحد شهود العيان من قرية الجيايلة المنكوبة في ديالى بأنّ العصابات المهاجمة جاءت بوجوه مكشوفة، وقتلوا الرجال والنساء وأحد الشباب نحروه بالسكّين بدم بارد!

وبعد ساعات اغتيل الطبيب أحمد طلال أمام عيادته في ديالى، وبعدها قرّر أطباء وصيادلة المحافظة تعليق عملهم خوفا من استهدافهم!

وهذه أدلة قاطعة على أنّ "المحتوى الهابط" ليس المشكلة الأبرز بل الخطر الأكبر يتمثّل بالقوى الإرهابيّة التي تُرعب الناس، وهبطت بالأمن لدركات الخوف والتهجير والموت والإعدامات الميدانيّة!

فأين الدولة عن ملاحقة هؤلاء المجرمين؟

إنّ حملة ملاحقة "المحتوى الهابط" مهمّة جدا لكنّها ليست الأهمّ، فهنالك حملات ضروريّة ينبغي أن تتمّ وبالذات تلك المتعلّقة بأرواح وسلامة وحرّيّة الناس وأموالهم ومستقبلهم!

وهنا يتوجّب الانتباه للعلاقات الشخصيّة والتأثيرات الحزبيّة وقدرتها المذهلة في تسيير الملفّات المتعلّقة بالأمن والقضاء، ولهذا يُفترض السعي لبقاء منظومة القضاء والأمن خارج دائرة التأثيرات الحزبيّة والسياسيّة والعائليّة.

خلّصوا العراق من المحتوى القاتل والمُرعب والمُنفّر من الوطن والزارع للكراهيَة بين الناس، وحاربوا "المستوى الهابط" بالقوّة العادلة القاطعة ليد كلّ مَن يحاول المساس بأمن الناس وحرّيّاتهم ومعتقداتهم، وإلا فهذه الحملة عبثيّة وإعلاميّة ولا يُمكنها معالجة الخلل العامّ المُتنامي في العراق!

twitter.com/dr_jasemj67
التعليقات (3)
المهندسة رباب تميم
السبت، 25-02-2023 08:25 ص
"خلّصوا العراق من المحتوى القاتل والمُرعب والمُنفّر من الوطن والزارع للكراهيَة بين الناس، وحاربوا "المستوى الهابط" بالقوّة العادلة القاطعة ليد كلّ مَن يحاول المساس بأمن الناس وحرّيّاتهم ومعتقداتهم، وإلا فهذه الحملة عبثيّة وإعلاميّة ولا يُمكنها معالجة الخلل العامّ المُتنامي في العراق!" لافض فيك د.جاسم .. مقال قيم، وضع النقاط على الحروف.
منار ماهر
الجمعة، 24-02-2023 09:33 م
أحسنت أحسنت أحسنت دكتور
صباح رحومي علو
الجمعة، 24-02-2023 08:56 م
تحية طيبة ... مساء الخير دكتور جاسم ... الربط والتحليل لما يعيشه العراق من تعسف للحرية الشخصية بقانون المستوى الهابط الذي يدين رموز السلطة التي تنفذ القانون (كلمة حق يراد بها باطل في مطاردة الشرفاء ) منذ 2003 وحتى اليوم تمارس الحكومات المتعاقبة نفس سياسة العنف حتى في قراراتها وقوانينها التي تتعارض مع الحقوق الوطنية للمواطن العراقي كلمات منمقة واحياننا مبهمة لها عدة اوجه عند تطبيقها ومنها المحتوى الهابط ... القوى التي اقرت القانون يجب ان تلتفت لنفسها في ادارة الدولة الهابط على مدى 20 عام وخلقت ازمات لسوء ادارتها متمثلة بعسكرة الحياة وفقدان الامن والامان وانتشار الجريمة والمخدرات وووووو . اذا عليهم محاسبة انفسهم وفق قانون المحتوى الهابط ..