كتاب عربي 21

دلالات ثبات الفائدة المصرية ورفع نسبة الاحتياطي بالبنك المركزي

ممدوح الولي
السوشيال ميديا - مقالات-اشخاص-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
السوشيال ميديا - مقالات-اشخاص-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
فاجأ البنك المركزي المصري معظم المحللين بتثبيته سعر الفائدة مؤخرا للمرة الثالثة على التوالي، رغم زيادة سعر الفائدة من قبل بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وغيرهما من البنوك المركزية في الدول المتقدمة، لكنه أكمل المفاجأة برفعه نسبة الاحتياطي الإلزامي من 14 في المائة الى 18 في المائة، والتي لم تتغير منذ الربع الأخير من عام 2017.

ويخلط البعض بين الاحتياطي الإلزامي من الودائع بالبنك المركزي، وبين الاحتياطي من العملات الأجنبية بالبنك المركزي، والتي تضم الى جانب العملات الأجنبية الذهب ووحدات حقوق السحب الخاصة الصادرة عن صندوق النقد الدولي.

فالاحتياطي الإلزامي الذي رفع البنك المركزي نسبته مؤخرا، يشير إلى نسبة معينة من الودائع بالعملة المحلية، يلزم البنك المركزي البنوك بإيداعها لديه بدون فوائد، ويستخدم الحصيلة في التدخل لمساندة أي بنك يعاني من نقص في السيولة، وهي وسيلة متبعة في غالب دول العالم لكنها بالطبع تختلف في نسبتها وفي نوعية الودائع الخاضعة لها.

وتمثل نسبة الاحتياطي الإلزامي من الودائع إحدى أدوات السياسة النقدية لدى البنوك المركزية، والتي يستخدمونها للتأثير في حجم السيولة لدى البنوك سواء بالخفض أو بالزيادة، وأشهرها عمليات السوق المفتوحة من خلال شراء أو بيع البنك المركزي للبنوك الأوراق المالية الحكومية، فهو عندما يشتريها من البنوك يضخ لها سيولة مقابلها، وعندما يبيع لها فهو يسحب منها السيولة.
إذا كان البنك المركزي يقوم بسحب السيولة من خلال مزادات الودائع الأسبوعية بكميات كبيرة، فلماذا لجأ إلى زيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي مؤخرا، والتي ذكر مسؤول فيه أنها ستساهم في سحب سيولة من البنوك تتراوح ما بين 140 و150 مليار جنيه، من إجمالي حوالي 600 مليار جنيه سيولة زائدة في الأسواق حاليا

تحسين المركز المالي بأموال بلا تكلفة

ووسيلة أخرى هي سعر الخصم أي سعر الفائدة الذي يُقرض به البنك المركزي البنوك، فلو أراد المركزي زيادة السيولة في السوق لأقرضها بفائدة منخفضة، ولو أراد سحب السيولة من السوق لأقرضها بفائدة مرتفعة، الى جانب أدوات أخرى؛ مثل نسب الإقراض بوضع نسبة ثابتة بين حجم قروض البنك وودائعه، بحيث يقلل النسبة لو أراد زيادة الإقراض وإتاحة السيولة، أو العكس عندما يريد خفض السيولة.

ويمارس البنك المركزي المصري عادة عمليات السوق المفتوحة منذ عام 2013 من خلال الودائع المربوطة، التي يتلقاها بشكل أسبوعي من البنوك بفائدة، والتي توسع فيها مؤخرا لسحب السيولة حتى بلغ المعدل الأسبوعي لها مؤخرا حوالي 100 مليار جنيه.

ويظل السؤال: إذا كان البنك المركزي يقوم بسحب السيولة من خلال مزادات الودائع الأسبوعية بكميات كبيرة، فلماذا لجأ إلى زيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي مؤخرا، والتي ذكر مسؤول فيه أنها ستساهم في سحب سيولة من البنوك تتراوح ما بين 140 و150 مليار جنيه، من إجمالي حوالي 600 مليار جنيه سيولة زائدة في الأسواق حاليا، أي أنه سيستمر أيضا في المزادات الأسبوعية للودائع المربوطة به؟

أما لجوؤه الى رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي للودائع بالعملة المحلية، فلأنها أموال بلا تكلفة عليه أي لا يدفع عليها فوائد، بينما مزادات الودائع المربوطة يدفع عليها فوائد تتسق مع أسعار الفائدة بالسوق، وهو في رأيي محاولة من المحافظ الجديد للبنك المركزي لتحسين الأوضاع المالية للبنك المركزي، الذي يعاني من تحقيق عجز بقوائمه المالية خلال السنوات المالية الخمسة الأخيرة.

من خلال أموال جذب بلا تكلفة تساعده في تعويض تكلفة مبادرات القروض التي يتم منحها بأسعار فائدة أقل من السوق، وساهمت في حدوث العجز الذي كان يتم تمويله من وزارة المالية، المصابة عبر الموازنة الحكومية أصلا بالعجز المزمن.

ومن هنا كان قراره بتثبيت سعر الفائدة كي يساهم في تخفيف الأعباء عن الموازنة الحكومية، التي تتضمن دفع فوائد ديون في العام المالي الحالي تبلغ 690 مليار جنيه، كما أن رفع الفائدة بنسبة 1 في المائة يزيد تكلفة تلك الفوائد بنحو 28 مليار جنيه.
كان قراره بتثبيت سعر الفائدة كي يساهم في تخفيف الأعباء عن الموازنة الحكومية، التي تتضمن دفع فوائد ديون في العام المالي الحالي تبلغ 690 مليار جنيه، كما أن رفع الفائدة بنسبة 1 في المائة يزيد تكلفة تلك الفوائد بنحو 28 مليار جنيه

تأجيل مواجهة الفائدة السلبية للمودعين

فتحسين الأوضاع المالية للبنك المركزي وعدم تحقيقه عجزا يخفف العبء على المالية، وفي نفس الوقت يقلل الأعباء عن البنك المركزي، حيث أن مطلوبات البنك المركزي من الحكومة حتى حزيران/ يونيو الماضي، قد بلغت تريليونا و36 مليار جنيه، وهو أمر طالب صندوق النقد الدولي بخفضه أكثر من مرة، ومن الجيد تقليل القيمة ونحن في مرحلة مفاوضات مع الصندوق حاليا من أجل القرض الجديد.

وهكذا ركز المحافظ الجديد خلال قراراته الأخيرة على تحسين الوضع المالي للبنك المركزي، إلى جانب تعزيز السيولة لديه، بحيث يكون مستعدا لشراء العملات الأجنبية التي يتوقع بيعها بعد الخفض المرتقب للجنيه المصري، لتكرار ما حدث عام 1991 وما بعده من شراء عملات أجنبية ساهمت في تعزيز أرصدة الاحتياطيات من النقد الأجنبي، والتي شهدت نزيفا مستمرا خلال العامين الأخيرين.

وجاء ذلك تحت غطاء القول بالسعى لجذب مزيد من السيولة لخفض التضخم، رغم أن بيان المركزي الأخير يشير الى أن تصاعد أسعار السلع عالميا كان بسبب صدمات العرض، أي بسبب ارتفاع التكلفة للسلع وليس بسبب الطلب الذي يساهم سحب السيولة في خفضه.

وبذلك يكون المحافظ قد أجّل حل مشكلة الفائدة السلبية المستمرة منذ شهر شباط/ فبراير الماضي وحتى الآن بالنسبة للمودعين أفرادا وشركات، والبالغة حاليا 5.45 في المائة، كفرق بين معدل الفائدة للإيداع بالبنك المركزي البالغ 11.25 في المائة، ومعدل التضخم الأساسي في البنك المركزي خلال الشهر الماضي البالغ 16.7 في المائة.
جاء ذلك تحت غطاء القول بالسعى لجذب مزيد من السيولة لخفض التضخم، رغم أن بيان المركزي الأخير يشير الى أن تصاعد أسعار السلع عالميا كان بسبب صدمات العرض، أي بسبب ارتفاع التكلفة للسلع وليس بسبب الطلب الذي يساهم سحب السيولة في خفضه

كما أجّل التصدي لمشكلة الركود بالأسواق، حيث يتوقع أن يتسبب رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي في رفع البنوك فائدة القروض الجديدة، وكذلك خفض فائدة الودائع قصيرة الأجل، كما حدث مع رفع ذلك الاحتياطي بنسبة 4 في المائة عام 2017، وكذلك تأثر أرباح البنوك خلال الربع الأخير من العام وتأثر أسعار أسهمها في البورصة.

اتجاه عالمي لخفض الاحتياطي الإلزامي

لكننا لا نتوقع أن تطول مدة بقاء نسبة الـ18 في المائة الجديدة لنسبة الاحتياطي الإلزامي، وهي النسبة التي لم تحدث في مصر منذ عام 1991، أي منذ أكثر من ثلاثين عاما، حيث أن التوجه العالمي يتجه لخفض تلك النسبة لإتاحة السيولة ودفع الإقراض والاستثمار والتشغيل.

لكنه يبدو أن محافظ البنك المركزي قد صدّق بيانات جهاز الإحصاء الحكومي القائلة إن نسبة البطالة بلغت 7.2 في المائة خلال النصف الثاني من العام الحالي، وهي النسبة التي لا تجد قبولا من كثير من المتخصصين.

وتبلغ نسبة الاحتياطي الإلزامي من الودائع حاليا 1 في المائة في المجر، و2 في المائة في كل من ماليزيا والتشيك، و3.5 في المائة في بولندا، و4 في المائة في كل من بيلاروس وسيريلانكا، و4.5 في المائة بالهند، و5 في المائة بكل من رومانيا وروسيا. وكانت النسبة قد بلغت صفرا في الولايات المتحدة في منتصف آذار/ مارس 2020، وفي أيسلندا بنفس النسبة في نفس الشهر، وفي منطقة اليورو 1 في المائة في بداية عام 2012.
يبدو أن محافظ البنك المركزي قد صدّق بيانات جهاز الإحصاء الحكومي القائلة إن نسبة البطالة بلغت 7.2 في المائة خلال النصف الثاني من العام الحالي، وهي النسبة التي لا تجد قبولا من كثير من المتخصصين

ومن الطبيعي أن تكون النسبة مرتفعة في بعض البلدان مثل مولدوفا والتي تبلغ 28 في المائة منذ نيسان/ أبريل الماضي، و27.5 في المائة بنيجيريا منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، و22 في المائة بأنجولا منذ آب/ أغسطس الماضي، و21 في المائة بالبرازيل منذ أيلول/ سبتمبر الماضي. وهنا يجب النظر إلى كل من معدل التضخم وسعر الفائدة في تلك البلدان، حيث يتضح تشابك دور كل من نسبة الاحتياطي ونسبة الفائدة لمواجهة ارتفاع نسب التضخم فيها.

ففي مولدافا مع نسبة احتياطي إلزامي 28 في المائة بلغت نسبة التضخم 34.3 في المائة ومعدل الفائدة 21.5 في المائة، وفي نيجيريا ومع احتياطي إلزامي 27.5 في المائة بلغ التضخم 20.5 في المائة والفائدة 14 في المائة، وفي أنجولا ومع نسبة احتياطي 22 في المائة بلغت نسبة التضخم 19.8 في المائة ومعدل الفائدة 20 في المائة.

وفي البرازيل ومع نسبة احتياطي 21 في المائة بلغت نسبة التضخم 8.7 في المائة ومعدل الفائدة 13.7 في المائة، وفي الأرجنتين بلغت نسبة الاحتياطي 44 في المائة في أيلول/ سبتمبر 2018، والتي بلغت نسبة التضخم فيها حاليا 78.5 في المائة ومعدل الفائدة 75 في المائة.

twitter.com/mamdouh_alwaly
النقاش (0)