قضايا وآراء

التباهي الاجتماعي والإقطاعيون الجدد في حياتنا

عدنان حميدان
عربي21

رغم الحالة الاقتصادية الصعبة والبطالة المستشرية والفقر المتفاقم؛ أجد مظاهر ترف وتباه اجتماعي صادمة وقاتلة في مجتمعاتنا، تجعل البعض يسلك دروب الشياطين ويغرق في ديون البنوك والمرابين لأجل الاستعراض وإظهار نفسه بمكانة اجتماعية أعلى من حقيقة وضعه، ويرى أنه إذا لم يفعل ذلك فلن يجد تكافؤا موهوما بأنسبائه المتوقعين، أو تقديرا مناسبا من المحيطين به.

وقد يلجأ البعض لذلك بدعوى تعويض نفسه مكانة يراها مستحقة له ولكن الوساطة والمحسوبية حالتا دون ذلك؛ وعليه لا يجد نفسه في منصب حكومي كبير، ومن حقه وفق ذلك نفخ نفسه واستدعاء صورة مترفة لحياته أمام الآخرين، حتى لو كانت هذه المبالغ والمظاهر يمكن أن تستثمر بشكل أفضل له، أو تخفف من معاناة كثيرين من الفقراء.
 
وإلا فلماذا ينفق أحدهم الملايين في بناء قصر له، بينما كان يمكنه بناء منزل جميل ومناسب بعشر ذلك الرقم؟ 

ولماذا يجتمع أكثر من 500 رجل فضلا عن النساء بجاهة طلب عروس؟ وماذا أبقيتم لحفل الخطوبة وعقد القران فضلا عن حفل الزفاف؟
 
لماذا هناك سهرة مسائية صاخبة وحاشدة ومكلفة ثم حفلة في قاعة حفلات فضلا عن مواكب لطالب نجح بصعوبة في أول امتحان بحياته الدراسية؟

ولماذا يشتري كثيرون سيارات فارهة عن طريق البنوك  مع عدم القدرة على سداد ثمنها؟ لماذا الحصول على أموال الآخرين بحجة الاستثمار ثم صرفها في الرفاهية الشخصية؟ 

لماذا يجب أن يكون المطبخ أكبر من مطبخ غيرنا؟ وصالة الضيوف أحدث من أي صالة أخرى؟ والاكسسورات المنزلية باهظة الثمن وغير ذلك الكثير من مظاهر التفاخر؟ ولماذا تبيع الأم قطعة أرضها الوحيدة والتي أخذتها بصعوبة من حقها الطبيعي بالميراث حتى يسجل ابنها لشهادة الدكتوراة نكاية فقط بابن عمه! ولا رغبة في العلم عنده أو عندها!
 
لماذا يبيع طالب ضميره ويشتري دراسة بحثية لتقديمها باسمه وهي ليست نتاج فكره أو جهده؟ فقط لتمهر باسمه ويقال تأليف فلان!
 
وغير ذلك الكثير من الأمثلة، وبالمناسبة جميع ما ذكرت من أمثلة هي من الواقع وليست مفترضة!.
 
النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا أن المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور؛ وعليه كل من يدعي شيئا ليس عنده فهو مزور مع المبالغة وليس مزورا عاديا.

 

كلما أضعنا حقوق الفقراء والمستضعفين واستقوينا عليهم تزداد أوضاعنا سوءا، وتفقد مجتمعاتنا البركة، ويسود قانون الغاب، فتكثر الجريمة وتقل الفضيلة، ويحضر التفاخر والتباهي ويغيب أو يندر التعاون والإيثار، ويحضر الحسد في تعاملاتنا، وحينها تزداد بؤسا فوق بؤس.

 



ونضع إلى جانب ذلك من المظاهر المخلة بالصورة العامة لمجتمعاتنا بروز ظاهرة الإقطاعيين الجدد على شكل مؤسسات وتطبيقات إلكترونية تستعبد السائقين والموظفين مقابل نسب عالية مقطوعة لأصحاب المشاريع؛ حيث يبتزهم أولئك الإقطاعيين مستغلين حاجتهم المادية لكثرة العاطلين عن العمل، ولا جهات نقابية قوية بالمقابل تمثلهم وتدافع عنهم.

بينما تقوى شوكة النقابات المدافعة عن حقوق العمال في الغرب تجد الدولة العميقة في عالمنا العربي تحاربها وتحد منها وتضيق عليها.
 
كلما أضعنا حقوق الفقراء والمستضعفين واستقوينا عليهم تزداد أوضاعنا سوءا، وتفقد مجتمعاتنا البركة، ويسود قانون الغاب، فتكثر الجريمة وتقل الفضيلة، ويحضر التفاخر والتباهي ويغيب أو يندر التعاون والإيثار، ويحضر الحسد في تعاملاتنا، وحينها تزداد بؤسا فوق بؤس.

من كان بادئا بالإصلاح فليبدأ بنفسه ومن كان عازما على التغيير فليكن قدوة لغيره، وليتخفف على الفور من مظاهر الترف والتباهي خصوصا المتكلفة فوق طاقته، وليعطي من حوله حقوقهم غير منقوصة، وليتذكر أن الله تعالى قد يسامح في حقه ولكن لا يسامح في حقوق الآخرين إن هم لم يسامحوه.

 

twitter.com/adnanhmidan

النقاش (0)